الدرس في كتاب البيوع 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الجعالة تجعل مالا معلوما لمن يعمل عملا، وتختلف عن الإجارة في جوازها على أعمال القرب والعمل المجهول. الإجارة تتطلب عملا معلوما وتختلف عن الجعالة في أحكام استحقاق العوض.
من عمل ما جعل عليه استحق العوض، ولا ضمان على العامل بدون تعد أو تفريط. يجب الوفاء بالجعالة عند إتمام العمل المطلوب، وتختلف أحكام استحقاق الأجرة بين الإجارة والجعالة.
الإجارة تستلزم استحقاق الأجرة الكاملة عند إيقاف العمل، بينما الجعالة تعطي العامل أجرة بقدر ما عمل. إذا فسخت الجعالة ولم يجد الجاعل الشيء، فلا يستحق الجعل، ويستحق إذا وجد الشيء بعد الفسخ.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال لا مستعد رحمه الله في كتابه "منهج السالكين" في كتاب البيوع: "باب الجعالة والإجارة". قال: "وهم جعلوا مالا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا في الجعالة، ومعلوما في الإجارة، أو على منفعة في الذمة. فمن فعل ما جعل عليه فيهما استحق العوض، وإلا فلا، إلا إذا تعذر العمل في الإجارة فإنه يتقصت العوض". عن أبي هريرة مرفوعا: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطيه أجره". رواه مسلم. قال: "والجعالة أوسع من الإجارة؛ لأنها تجوز على أعمال القرب، ولأن العمل فيها يكون معلوما ومجهولا، ولأنها عقد جائز بخلاف الإجارة". وتجوز إجارة العين المؤجرة لمن يقوم مقامه، لا بأكثر منه ضررا، ولا ضمان فيهما بدون تعد ولا تفريط. قالوا: في الحديث "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". رواه ابن ماجة. هذا الباب "باب الجعالة والإجارة". والجعالة بفتح الجيم وكسرها وضمها، فهي مثلثة الجيم. يقال: جعالة، ويقال: جعالة، ويقال: جعالة. والجعالة مأخوذة من الجعل، وهو ما يأخذه الإنسان على العمل. وهي جعل مال معلوم لمن يعمل عملا معلوما أو مجهولا. جعل مال معلوم لمن يعمل عملا معلوما أو مجهولا. نعم، جعل مال معلوم، إذن في الجعالة، وهكذا في الإجارة، لابد أن يكون المال معلوما. يعني يعمل عندي بكذا وكذا بألف أو بخمسمائة أو بعشرة آلاف، هذا مال معلوم. لابد أن يكون المال معلوما. وعلى هذا فلا يجوز أن يكون المال مجهولا. قوله: "جعل مال معلوم" خرج به المال المجهول، فلا يصح. وقوله: "لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا" في باب الجعالة، يجوز أن يكون العمل معلوما، ويجوز أن يكون العمل مجهولا. المعلوم يقول: من يبني لي حائطا وله كذا وكذا، من يحفر لي حفرة أو بئرا، مثلا يخيط لي ثوبا وله كذا وكذا، هذا عمل معلوم. وقد يكون مجهولا، يقول: من يعمل عندي اليوم وله كذا وكذا، يعمل إيش؟ ماذا؟ ما ذكر، مجهول العمل، هذا جائز بالجعالة. **دليل جواز الجعالة** ودليل على جواز الجعالة قول الله عز وجل في قصة يوسف عليه السلام: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. ولمن جاء به حمل بعير، هذه إجعالة. يعني من جاء به سواء الملك، له حمل بعير، أجعل له حمل بعير. وكذلك أيضا في قصة حيث بي سعيد، لما لدغ سيد القوم، وأتوا إلى أبي سعيد من كان معه من الصحابة رضوان الله عليهم: "هل عندكم من راق؟" قالوا: "نعم، لكن لا نقوم حتى تجعلوا لنا شيئا أو جعلا". لأنهم تنكروا من ضيافتهم. فجعلوا لهم قطيعا من غنم. فرقى أبو سعيد السيد القوم بالفاتحة، وشفي من لدغة من لدغة أصابته. ثم لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما فعل صلى الله عليه وسلم، وما أدراك أنها رقية؟ ثم قال: "اقطعوا لي نصيبا". وقال في آخر الحديث: "أن حق ما أخذتم عليه أجرا". والحديث في الصحيح. فالشاهد أنه يعني طلب جعل ومقابل حتى يرقيه، وهذه تعتبر من الجعالة. وقره النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا أجمع العلماء على جواز الجعالة. **تعريف الإجارة** قال: "ومعلوما في الإجارة". الإجارة أيضا هي كالجعالة من حيث التعريف: جعلوا مالا معلوما لمن يقوم بعمل معلوم. لابد أن يكون العمل في الإجارة معلوما. لا يجوز أن يكون مجهولا. **الفروق بين الجعالة والإجارة** وقد ذكرت بشيء من الفروق بين الجعالة والإجارة: أن يكون العمل في الإجارة معلوما. تستأجر الإنسان ليعمل لك عملا معلوما: يبني لك بيتا، يحفر لك حفرة، نعم، يخيط لك ثوبا، يسقي لك مزرعة، ونحو ذلك. ولا يجوز أن يكون العمل مجهولا في الإجارة. لا يصح عقد الإجارة على عمل مجهول. لابد أن يكون معلوما. قال: "أو على منفعة في الذمة". يعني يجوز جعالة وإجارة على منفعة في الذمة. مثل أن يرعى له غنما، مثلا، هذه منفعة، وهذه منفعة، ونحو ذلك. قال: "فمن فعل ما جعل عليه فيهما استحق العوض، وإلا فلا". وإلا فلا، إلا إذا تعذر العمل في الإجارة، فإنه يتقصت العوض. **أحكام الجعالة والإجارة** يقول: من فعل ما جعل عليه فيهما استحق العوض. قال: من يأتي ببعيري الشارد وله عشرة آلاف ذهب. إنسان يبحث حتى وجده، استحق العشرة آلاف. طيب إذا ذهب يبحث ما وجده، ليس له شيء، لا يستحق هذا العوض؛ لأنه ما قام بالعمل الذي جعل عليه هذا الجعل. فمن فعل ما جعل عليه فيهما استحق العوض، يعني في الجعل، أو في الإجارة كذلك. استأجرت الإنسان ليبني لك حائطا، بنى نصف الحائط، ثم قال: خلاص، أنا ما سأكمل، هل يستحق الأجرة؟ الجواب: لا، ما يستحق؛ لأنه ما قام بالعمل المطلوب منه. قال: "إلا إذا تعذر العمل في الإجارة". إلا إذا تعذر العمل في الإجارة، فإنه يتقصت العوض. إذا كان تعذر العمل في الإجارة من جهة المؤجر، قال: المستأجر، يعني حين بدأ بالعمل، عمل مثلا نصف اليوم أو نصف العمل المطلوب، ثم قال له: قف، لا تكمل العمل، لا تكمل العمل، هنا يستحق العامل الأجرة كاملة. **ضمان العامل** قال: "ولا ضمان فيهما بدون تعد ولا تفريط". يعني في الإجارة والجعالة، ليس على العامل ضمان إذا لم يتعد أو يفرط. التعدي: فعل ما لا يجوز، والتفريط: ترك ما يجب، ترك ما يجب. فلو أن العامل يعني تعدى في عمله، فتلف شيء من العمل، ضمن هذا العامل. يعني عمل شيء على خلاف الاتفاق، يضمن؛ لأنه تعدى. وهكذا إذا فرط في شيء يجب عليه، فإنه كذلك يضمن. أما إذا لم يتعد أو يفرط، فليس عليه شيء. بنى جدارا على حسب الاتفاق، فجاء يعني بعض المغرضين أو بعض اللاهين والمترفين، فأسقط الجدار، العامل ما له دخل، العامل لم يتعد أو يفرط، حتى نقول: يلزمك ضمان هذا الجدار، ويعاد بناؤه، فليس عليه شيء. لكن لو حصل منه تعد أو تفريط، فهنا يضمن، على القاعدة العامة في ذلك في باب الضمانات. **أحكام أجرة العامل** قالوا: في الحديث "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". رواه ابن ماجة. هذا فيه حث وترغيب من الشرع على تعجيل دفع الأجر للعامل، متى ما أدى العمل الذي عليه. **الخلاف بين الجاعل والعامل** طيب إذا اختلف الجاعل والعامل، إذا حصل بينهما خلاف، فهنا نقول: القول قول النافي مع يمينه. القول قول النافي مع يمينه. إذا اختلف في عمل من الأعمال، هذا يثبت، وهذا ينفي، إذا لم يكن لما أحدهما بيّنة، فالقول قول النافي مع يمينه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". **وجوب الوفاء بالجعالة** قال الجاعل: من يأتي بعبدي الآبق وله خمسة آلاف، فذهب إنسان وبحث عنه وجده، هل يجب عليه أن يفي بهذا الجعل؟ الجواب: نعم، جمهور أهل العلم أنه يجب عليه ذلك. يجب عليه أن يفي، وإن كان العقد عقدا جائزا، لكن مدام أن العامل قد أتى بالعمل الذي طلب منه، استحق الجعل، ويجب على الجاعل هنا أن يفي له بما وعد. لعموم الأدلة في وجوب إيفاء الوعد: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. ونحو ذلك. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. في الإجارة، يجوز تأخير الأجرة إذا كان هناك اتفاق بين العامل وبين صاحب العمل. لكن الأصل أنه يستحق الأجرة بعد انتهاء العمل. لكن لو اتفق العامل مع صاحب العمل على أن يعطى الأجرة بعد مدة، بعد شهر مثلا، لا بأس. يقول: تعمل عندي، أريد تبني لي كذا وكذا، لكن حاليا ما عندي مال، سأعطيك إن شاء الله بعد شهر، يقول: لا بأس، إذا رضي، لا بأس. لكن الأصل أن يعطى أجرته بعد عمله، هذا الأصل، هذا الواجب. لكن إذا اتفق معه على تأخير الأجرة، ما في مانع. ممكن يقدم بعض الثمن في أول العمل، يعني خاصة إذا كان العمل كما يسمونه عندنا "مقاولة". المقاول قد يعطى ثمنا مقدم من أجرة العمل، هذا، ويعطى الباقي بعد انتهاء العمل، ما في شيء. في باب الإجارة، الأصل أنه يستحق الأجرة بعد انتهاء العمل. لكن لو اتفق العامل مع صاحب العمل على أن يعطى الأجرة بعد مدة، لا بأس. إذا كان العمل مجهولا، كما قلنا، إذا لا يمكن عقد الإجارة. ليحفر له، جعالة. عقد الإجارة ممكن أن يستأجره ليحفر له فقط، يعني مثلا يعمل من اليوم من الصباح إلى الظهر، ويعطى أجرته، سواء وصل إلى الماء أو ما وصل؛ لأنه إذا كان جعلا، مسكين، لم يصل الماء، طبق، أو استوقف، هذا؛ لأنه شيء مجهول. يوصل إلى الماء، الله أعلم: هل يصل؟ ما يصل؟ في كم قد يصل؟ كم أمتار حتى يصل إلى الماء؟ الوصول إلى الماء مجهول. فيجوز في الجعالة، لكن في الإجارة لا. يعني لو كان جعلا أولا، العاملون قد تعبوا، لم يحصلوا على الماء. لما قال: خلاص، نواقبهم، إذن عقيم. لكن قد يعطونهم شيء من قدر عملهم. يعطونهم شيء من الأجرة من الجعل. لكن قلنا: هذا عقيم، جائز. أيوة، عقيم جائز، لكن بذلك قد عمل، فيستحق، يعني شيء من الجعل، ليس كاملا، بقدر عمله. يعني بقدر ما عمل. الآن حفر حفرا وتعبا وجهدا، ما يستحق الجعل الذي جعله، لكن يعطى شيء، يعني ربما يكون هذا الآن العامل قد وصل إلى قرب الماء. قد يكون ما بقي من الماء إلا متر ومترين، هو قد بذل جهدا، يعني التعب وكذا. يأتي الذي بعده يشتغل قليلا، ما شاء الله، وصل إلى الماء، أخذ المال كله، وهذا أين جهده؟ يعطى شيء، يعني مقابل ما يعمل، هذا الذي أوقف، يعني هذا إذا أوقفه الجاعل. إذا أوقفه هو الآن يعمل يحفر، قال: هذا توقف، يعطى بقدر عمله. لكن لو أوقفه العامل نفسه، إذا حفر حفرا وتعب، قال: الله ما وصل إلى الماء، قال: ما لك شيء، تريد الأجرة، تريد الجعل، احفر وصل، هات الماء. لكن إذا أوقفه العامل الجاعل، نقول: أعط بقدر عمله. أنت الآن منعته من إكمال العمل. الفرق بين الإجارة لو أوقفه، يستحق الأجرة كاملة في باب الإجارة. إذا أوقف العامل صاحب العمل العامل، يستحق العامل أجرة كاملة في باب الإجارة. لكن في باب الجعالة، لا يستحق بقدر عمله، يعطى من الجعل بقدر عمله. هذا من الفرق بين الإجارة والجعالة، تفصيل ذكرناه. إن قرأ ليأخذ، إيش؟ وإن قرأ لله، وعطيه شيء، يعني من غير الشرط، أو كذا، لا بأس. لكن إذا كان من غير الشرط، يعني ما يقول: ما سأقرأ إلا بكذا وكذا، تعطوني عشرة آلاف، ولا ما أقرأ، هنا الآن واضحا عمله للدنيا، يريد المال، لا قلنا له: وتقرأ، يقول: طيب، لا بأس. روما حتى بدون الشرط، ولا يدري أنه في شيء يعطيه بعد ذلك شيء، لا بأس. مثل أن يساء، مثلا، طلع منه الإمامة في رمضان، صلى بنا، طيب، قال: أبشروا، صلى بهم رمضان كامل، ما شاء الله، بعد أن انتهى، قال: قد هذا، طبعا تعتبر جعالة، تعتبر جعالة، شيء يعني مكافأة، وكذا، لا بأس، ما في شيء. قال: "أنا ما صليت لأجل المال، صليت لله"، واضح، وعطيه الشيء، الحمد لله، لا يضر. ترك ما يجب، طبعا التفريط يكون في الحفظ، والتعدي في الاستعمال. التفريط في الحفظ والتعدي في الاستعمال كيف؟ هذا على مذاهب المصنف، على أنه في باب الجعالة، يجوز أخذ الجعالة على القرب. أما في باب الإجارة، لا، ما يجوز. لكن ذكرنا أن الراجح أنه يجوز، يجوز أخذ الأجرة في باب القرب، لكن ما تصحيح النية؟ واضح، واضح أنه يأخذ ليعمل، لا يعمل ليأخذ، واضح. أخذ ليصلي، لا بأس. أما يصلي ليأخذ، لا. حج، أخذ ليحج، أما حج ليأخذ، فلا. فرق بين الأمرين، يعني إذا حج ليأخذ، معنا هذا أن عمله للدنيا، ليس لله. لكن لو أخذ ليحج، هو استعان بهذا المال لإقامة هذه العبادة والحج عن فلان، هذا لا بأس به. وعلى هذا التفصيل، وإلى مثلا المؤذن، وإذا كنت أن تؤذن، يقول: طيب، لا بأس، أنا ما عندي مانع، لكن أنا عندي عمل، عندي أعمال، وكذا، يعني كوني ألتزم وأرتبط، هذا سيأخذ شيء من وقتي، وأنا عندي أعمال، ونجعل لك شيئا، تستعين به، فهو أخذ ليؤذن، لا بأس. فرق بين أن يؤذن ليأخذ، وكذا، يسار أعمال القرب. وفي النهاية، قد يرجع الخلاف لفظا، يعني بين المجيز والمانع. الذين يقولون: ما يجوز أخذ الأجرة، هم سمونها "جعالة". والذين يجيزون، يسمونها "أجرة". واضح، فيكون الخلاف لفظيا. والله أعلم. وإذا كان قد حصل له استحق الجعل، إذا علم. أما إذا علم أن فلان قد فسخ الجعالة، هو ما يبالي، يقول: خليها، العلن، نحصلها، ما له شيء. إذا علم حتى وجدها، استحق الجعل، استحق الجعل.