الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث عن مشهد العوض كدافع لترك الذنوب والمعاصي، حيث يعوض الله من يتركها خوفا منه ولمرضاته. هذا التعويض مشروط بالإيمان والعمل الصالح.
من يترك الذنوب والمعاصي خوفا من الله ورغبة فيما عنده، يعوضه الله خيرا في الدنيا والآخرة، براحة القلب في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة. هذا الثواب نتيجة الخوف من الله ونهي النفس عن الهوى.
من يترك المحرمات لله تعالى، يعوضه الله بخير منها في الآخرة، مثل نعيم الجنة. هذا العوض نتيجة للتقوى وترك المعاصي خوفا من الله ورغبة فيما عنده.
الخلاص من الذنوب يتم بترك المعاصي مع استحضار العوض الأفضل في الدنيا والآخرة، مما يدفع العبد لاجتناب الذنوب. العوض من الله يكون خيرا مما تركه العبد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -حفظه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم -رحمه الله-. قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: السابع مشهد العوض، قال: وهو ما وعد الله سبحانه به من تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. قال -حفظه الله- تعليقا على الأمر السابع من هذه البواعث: الفوز بالعوض من الله عز وجل، فإن تركت -يا عبد الله- المعصية خوفا من الله، وطلبا لمرضاته، ورعاية للإيمان، فإن الله سيعوضك في الدنيا بلذة في القلب، وسعادة في النفس، وبركة في الحياة، كما قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، من عمل صالحا، وهذا عام لكل من عمل صالحا من ذكر أو أنثى، أو كبير أو صغير، أو غني أو فقير، لكن بشرط الإيمان: ﴿وهو مؤمن﴾، هذه الجملة الإسمية في محل نصب على الحال، أي حال كونه مؤمنا؛ لأنه إذا عمل صالحا وهو كافر، ما نفعه هذا العمل الصالح، كما قال الله جل وعلا: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾، إذا لابد من شرط الإيمان، إذا أردت أن تنتفع بالعمل الصالح أن تكون مؤمنا حال عملك الأعمال الصالحة. ما هو الجزاء؟ وما هي الثمرة؟ وما هو الثواب؟ قال الله جل وعلا: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾، هذه الحياة الطيبة هي حياة الإيمان والطاعة، اللذة التي يجدها المؤمن في طاعته وعبادته لربه، الراحة والطمأنينة التي يجدها في نفسه وصدره، وهي من أثر العبادة والطاعة، كما قال بعض السلف -كالحسن البصري وإبراهيم أدهم- رحمهم الله: "إن لنا لذة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"، هذه لذة العبادة والطاعة، لذة عظيمة، كما يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، جنة الدنيا هي العبادة والطاعة التي يجد لذتها المؤمن، هذه الحياة طيبة، وإن كان الإنسان قليل ذات اليد، قليل متاع الدنيا، لكن بما يجد في قلبه من لذة العبادة والطاعة يعيش في هذه الحياة حياة طيبة، سعيدة، مليئة بشرح الصدر وراحة القلب، وهذا أيضا من أثر ترك الذنوب والمعاصي. من أثر ترك الذنوب والمعاصي: إذا ترك الإنسان خوفا من الله، واستجابة لأمر الله، ورغبة فيما عند الله عز وجل، عوضه الله عز وجل بهذا العوض العاجل، وهو ما يجد في قلبه من الحياة الطيبة، وطمأنينة القلب، والراحة، ثم له العوض الآجل، وهو ما له من الثواب والأجر في الآخرة: ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. وسيعوضك في الآخرة بدخول الجنة، وتمتع بنعيمها المقيم، جزاء تركك للآثام والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾، وأما من خاف مقام ربه، خاف مقام ربه، يعلم أنه له يوم سيقف بين يدي الله جل وعلا، وسيحاسب على أعماله، ما ظهر منها وما بطن: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾، فخاف هذا المقام، وأعد له، وترك الذنوب والمعاصي، وإن دعت إليها نفسه، وإن رغبت فيها شهوته، فهو يتركها خوفا من الله، ورغبة فيما عند الله. قال: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾، نهى نفسه عن هواها، فالنفس تريد وترغب وتحب فعل الذنوب والمعاصي والخطايا والسيئات، لكنه لا ينقاد لها، ولا يعطيها ما تحب وترغب وتريد، بل ينهاها عن ذلك، ويجعلها منقادة لطاعة الله جل وعلا ورسوله، ما هو الجزاء؟ قال: ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾، هذا جزاء خوف من الله جل وعلا، وإعداده لهذا المقام العظيم، وهكذا جزاء نهيه لهذه النفس عن هواها، أن يعوضه الله جل وعلا بالجنة، وما فيها من النعيم، ومن كل لذات النفس التي تحبها وترغب فيها مما يوجد مثلها في الدنيا، وكذلك غيرها مما لا يوجد في الدنيا، فكان هذا الجزاء العظيم، وهذا الثواب الكبير بسبب تركه لمعصية الله جل وعلا. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه»، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله»، يعني تتركه تقوى لله، وخوفا من الله، ورغبة فيما عند الله، إلا أعطاك الله خيرا منه، أعطاك خيرا من هذا الأمر الذي تركته، ولهذا كما قيل: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه"، ومأخوذ من هذا الحديث، هذه الحكمة وهذه المقالة مأخوذة من هذا الحديث، وما كان بمعناه. قال: وشواهد هذا الباعث في الشرع كثيرة جدا، فإن من امتنع عن شرب أم الخبائث -الخمر- في الدنيا، عوضه رب العالمين بنهر في الجنة من خمر لم يتغير طعمه، كما أخبر الله عز وجل في سورة محمد، وفيها: ﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾، وقال: بخلاف من تعاطى هذه المحرمات، واعتاد فعلها، ولم يتب إلى الله عز وجل منها، فإنه سيحرمها في الآخرة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة»، والحديث في الصحيحين، حرمها في الآخرة، بمعنى أنه لن يشرب من خمر الجنة، حتى ولو دخل الجنة، فإنه يعاقب بحرمانه من خمر الجنة. فإن قيل: كيف يحرم من خمر الجنة وقد دخل الجنة؟ ومعلوم أن من في الجنة له مطلوباته، وله ما تشتهي نفسه في الجنة، كما قال أهل العلم: إنه يعني ينزع من قلبه محبة وشهوة شرب الخمر، حتى يحرمها؛ لأنه لم يتركها في الدنيا، فإذا تركها واجتنبها رغبة فيما عند الله، عوض بخمر الجنة. وهكذا أيضا لبس الحرير هو محرم على ذكور هذه الأمة، فإذا لبسه الإنسان عوقب بأن يحرم من حرير الجنة، فإذا تركه لله جل وعلا عوض بلبس الحرير في الجنة، وهكذا قل في سائر الذنوب والمعاصي، إذا تركها الإنسان لله عوض بما هو خير منها، فمثلا الغناء، سماع الغناء والمزامير التي ابتلي بها كثير من الناس اليوم إلا من رحم الله، إذا تركها الإنسان خوفا من الله، ورغبة فيما عند الله، عوض بما هو خير منها من غناء الحور العين في الجنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضا شهوة النساء، لو أن الإنسان دعته نفسه إلى الزنا، فخاف مقام ربه، ونهى النفس عن هذا الهوى، رغبة فيما عند الله، وخوفا من الله جل وعلا، عوض بإذن الله جل وعلا في الجنة بنكاح نساء الجنة، وهن الحور العين، التي خلقهن الله جل وعلا لأهل الجنة، قال الله جل وعلا: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون﴾، قال غير واحد من المفسرين: ﴿في شغل فاكهون﴾، أي في افتضاض الأبكار، وما خلق الله عز وجل لأهل الجنة من الحور العين، جعلنا الله وإياكم من أهلها. وهكذا يقول في سائر المعاصي والذنوب التي تميل إليها النفس، وترغب، فيتركها الإنسان لله عز وجل، فإنه سيعوض بإذن الله جل وعلا بما هو خير منها عند الله سبحانه وتعالى، فهذا داعي من دواعي الخلاص من الذنوب، أن يستحضر العبد أنه سيعوض بما هو خير في الدنيا والآخرة إذا ترك هذا الذنب، وترك هذه المعصية، فيحمله ذلك على اجتنابها، والبعد عنها، والحذر من الوقوع فيها. هذا ما يتعلق بهذا الباعث. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.