تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 87

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 87

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 87، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حال المسلمين في الهرب ونبوة الرسول صلى الله عليه وسلم

يصف الشيخ السعدي حالة المسلمين يوم أحد عند انكشافهم وفرارهم دون الالتفات، مع محاصرة العدو لهم من الجهتين. ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم من مؤخرتهم للثبات، فثبت بعضهم بفضل ندائه وتذكير الصحابة بفضل الجهاد.

دفاع الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبطولة طلحة وسعد

أحاط الأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم لحمايته فاستشهد أكثرهم، وبرز طلحة بن عبيد الله يقاتل حتى قطعت أصابعه، ثم رمى سعد بن أبي وقاص النبل فأبعد الكفار. حمل طلحة النبي الجريح إلى الصخرة فقال له: «أوجب طلحة»، ثم تفرق المشركون وصعد المسلمون الجبل بعد استشهاد سبعين صحابيًا.

تفسير آيات الغم المزدوج والحكمة الإلهية في تسلية المؤمنين

يشرح المقطع قوله تعالى ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ مبيناً أن الغم الأول كان بفوات الغنيمة والنصر، والثاني بهزيمة المسلمين، ثم غم أعظم بخبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم. ويشير إلى أن الله سلّى المؤمنين بسلامة النبي فتهونت عليهم المصائب، وأن الابتلاء كان لحكمة إلهية لتوطين النفوس على الصبر.

الصبر على المصائب وتمرين النفس على تحمل المشقات

يوضح المقطع أن النصر ليس دائماً حليف المؤمنين، بل قد تصيبهم المصائب والجراحات لتقوية نفوسهم وتدريبها على الصبر. ويؤكد أن هذا التفسير هو الأظهر في ترجمة السعدي لتخفيف وطأة المشقات على المؤمنين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾، ثم قرأ أيضا إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. فقال رحمه الله: يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك. فقال: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ أي: تصعدون في الهرب، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ أي: لا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاة عن القتال. والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر الناس من يلي الأعداء ويباشر الهجاء. وهذا لما جاء العدو - يعني الكفار - لما جاءوا من خلف، فحصل ارتباك في جيش أهل الإسلام، لأن الكفار حصروهم من هنا وهنا، يعني من أمامهم ومن خلفهم، فهم يريدون ملجأ ليهربوا لأنهم صاروا في الوسط. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ أي: تصعدون أو تجدون في الهرب، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾، معنى ذلك: كل واحد لا ينظر إلى الآخر، بل يريد أن يخرج من ذلك المكان حتى لا يُقتل، لأنهم صاروا محاصرين. فقال: بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاة من القتال. ثم الحال هذه كان خطيرا، وخطر كبير، إذ لستم آخر الناس من يلي الأعداء ويباشر الهجاء. فعن هذا الحصار طال، بل ﴿ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ أي: مما يلي القوم، يقول: «إليَّ عباد الله». كما جاء في السيرة، وجاء أيضا عند الطبراني وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم: «إليَّ عباد الله»، وكان قرب الجبل، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتمعوا. وهذا عندما صاح صائح، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. إما الشيطان وإما غيره، فصاح وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد قتل. حتى أن بعضهم يئس فجلس وترك المواجهة. ولهذا جاءهم أنس بن النضر فقال: ما لكم جلستم؟ قالوا: قد مات، قد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ إذا مات رسول الله أو قتل رسول الله، فماذا تفعلون بالحياة بعده؟ قوموا وقاتلوا. فحثهم على القتال. لكن بعد ذلك سمعوا كلاما، صوت النبي عليه الصلاة والسلام، ويدعوهم في أخراهم: «إليَّ عباد الله». فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاطوا به. وكان جمع من الأنصار أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ العدو كان أكثر همهم أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا. فكان جمع من الأنصار، وفيهم طلحة بن عبيد الله، يحيطون بالنبي عليه الصلاة والسلام. ثم لكثرة تجمع الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن هؤلاء الأنصار أكثرهم قُتل. ثم واجههم طلحة، فكان كالأسد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. واجههم طلحة وهم كثر، لكنه كان كالأسد يواجه، يواجه، حتى قطعوا أصابعه، وسقط منه السيف. ثم قام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم خلفه ويحثه على القتال. ثم جاء سعد بن أبي وقاص، لما رأى الأمر، أو رأى هؤلاء المجتمعين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انثر نبلك يا سعد». فنثره، وأخذ يرميهم بالنبل ويصيب فيهم. فما رمى نبلا إلا وأصاب، حتى تفرقوا. وصعد النبي عليه الصلاة والسلام، أراد أن يصعد فلم يستطع، لأنه كان مجروحا في رجله، وكذلك قد شجّ عليه الصلاة والسلام في بيضته وفي وجهه، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم. فأراد أن يصعد في الصخرة فلم يستطع، فحمله طلحة حتى صعد. فقال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف: «أوجب طلحة»، أي: أوجب الجنة. ثم إنه جاء لما جاء سعد، وجاء الصديق رضي الله عنه، ودافعوا، وتجمع الناس، وتجمع الصحابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأى الكفار ذلك السد، فلم يستطيعوا أن يقتحموا، فكأنهم فروا أو تفرقوا. ثم بعد ذلك صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، وصعد معه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. لكن قد قتل سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الله عز وجل كما تقدم: ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهِمْ ﴾، أنهم قتلوا منكم سبعين رجلا، وأنتم قتلتم في بدر أيضا، قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، فمعكم أضعاف ما فعلوا. وسلم الله عز وجل أهل الإيمان من هؤلاء الكفار. ثم بعد ذلك لما رجع الناس إلى المدينة، كما سيأتي إن شاء الله، وعلى حث نبي صلى الله عليه وسلم على أنهم يكونون أو يواجهون الكفار ويأتون أو يذهبون خلفهم، خرج رجال من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، حتى بلغوا حمراء الأسد. سيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام على هذه الغزوة، أو على غزوة حمراء الأسد. قال رحمه الله: قال: ثم قال: ﴿ بَلِ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾، قال: مما يلي القوم، يقول: «إليَّ عباد الله»، فلم تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه. فالفرار نفسه موجب للوم، ودعوة الرسول الموجب لتقديمه على النفس أعظم لوم من بتخلفكم عنها. قال: ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ أي: جازاكم على فعلكم ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾، أي: غما يتبعه غم. غما بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغما بهزيمتكم. أنهم لما نزلوا من الجبل كانوا على أنهم يجمعون الغنائم، لأن الكفار قد فروا. فلما جاءوهم من خلفهم، فرأوا تلك الهزيمة، ذهبت تلك الغنائم التي كانوا يريدونها، بل زادت الهزيمة التي وقعوا فيها. فقال الله عز وجل: ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾. وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. لكن كما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل عليه الصلاة والسلام. ولهذا بعد ذلك دعاهم، قالوا: لكن الله بلطفه وحسن نظره لعباده، جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم. فقال: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾، ما فاتكم من النصر والظفر، ولا ما أصابكم من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل، لأنها أعظم نعمة، وأعظم ما فُرح به أن النبي عليه الصلاة والسلام لا زال على قيد الحياة. فنسوا ما أصابهم من الغم، من غم ترك فوات الغنيمة، ومن غم كذلك الهزيمة التي حصلت. فقال: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾. ما فاتكم: أي من الغنيمة. وما أصابكم: من الجراح التي حصلت، وكذلك ما أصابكم من القتل، من أنه قتل جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. قال: ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾، قال: من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل، هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده، فسلّيت كل مصيبة ومحنة. فلله ما في ضمن الولاية والمحن من الأسرار والحكم. أنا بعدما فاتتهم الغنيمة، وأصابتهم الجراح، تأكدوا أن النبي صلى الله عليه وسلم حي، فأنساهم ذلك ما أصابهم. قالوا: كل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته، أي: جل وعلا، بأعمالكم وظواهركم وبواطنكم. ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. قالوا: يحتمل أن معنى قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾، يعني أنه قدر ذلك الغم والمصيب عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات. أنا ليس كل مرة تغنمون وتغلبون ويكون الفوز لكم، لكن قد تصيبكم المصائب، قد يصيبكم أيضا الغم، وقد أيضا تصابون بالجراحات. وهذا لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات. هذا ممكن يحتمل تفسيره، وممكن أن يكون التفسير الأول وهو أظهر. طيب، هذا ما يذكر الله تعالى على ترجمة السعدي.