الأمثال في القرآن الكريم 1

الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 1، ألقاها

مقدمة في أهمية الأمثال القرآنية

يبدأ الحديث بأهمية الأمثال في القرآن لتقريب المعاني وتوضيحها للناس، وأن فهمها مقصور على أهل العلم. يشير إلى أن الله يضرب الأمثال ليستفيد منها الناس.

شرح مثل المنافقين الناري والمائي

يشرح المقطع مثلين للمنافقين في القرآن: المثل الناري الذي يصور ذهاب نورهم عند الموت، والمثل المائي الذي يصور خوفهم وعدم انتفاعهم بالهدى.

تشبيه القرآن بالمطر والوحي للحياة

يُشبّه القرآن بالمطر الذي يحيي الأرض، والوحي يحيي القلوب، ويوضح أن المنافقين لا يستفيدون من نور القرآن بسبب شكهم وكفرهم.

خاتمة وتأمل في حال المنافقين

يختتم الحديث عن المنافقين بذكر أول مثال لهم في القرآن، ويشير إلى أهمية الموضوع السابق ويدعو للتأمل فيه، وينهي بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، إنه على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله نبدأ من هذا اليوم في ذكر بعض أمثال القرآن التي ضربها الله عز وجل في كتابه، ونفهم شيئا من معناها والمقصود منها. والله جل وعلا يقول: ﴿ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾، وقال جل وعلا: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم﴾، وقال جل وعلا: ﴿وضربنا لكم الأمثال﴾. والأمثال جمع مثل، والمثل هو تشبيه الشيء بالشيء، تشبيه الشيء بالشيء لأجل تقريب المعنى وتوضيحه. ولذلك فالله عز وجل لا تضرب له الأمثال، فلا تضربوا لله الأمثال، ﴿إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، لأن الله جل وعلا لا يشابهه شيء ولا يماثله شيء، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. والحكمة أو الغاية من ضرب الأمثال هو لأجل تقريب المعنى وتوضيحه، ولهذا أخبر الله جل وعلا أنه لا يعقل هذه الأمثال ولا يفهمها إلا أهل العلم، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، أي لا يفهمها ولا يفقهها إلا أهل العلم. ولهذا كان بعض السلف إذا لم يفهم هذا المثل -أي ضربه الله جل وعلا- بكى، وقال: إن الله عز وجل يقول: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾، فيبكي رحمه الله إذا لم يفتح الله جل وعلا عليه في فهم معنى هذا المثل. وقد ضرب الله جل وعلا في القرآن بضع وأربعين مثلا، وهي أمثال مختلفة فيها من الحكم والمواعظ والترغيب والترهيب الشيء الكثير. وأول مثل ضربه الله عز وجل في القرآن في المنافقين في أوائل سورة البقرة، حين ذكر الله جل وعلا شيئا من صفات أهل النفاق، ذكر مثلين يبين الله جل وعلا: ﴿كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين﴾. هذان المثلان مثلا ناريا ومثلا مائيا، وذلك أن النار -كما قال ابن القيم رحمه الله- هو أصل مادة النور التي يستضاء بها، وأصل مادة الماء كذلك هو أصل مادة الحياة، ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾. فذكر الله عز وجل هذين المثلين، المثل الناري والمثل المائي. فذكر الله جل وعلا أن مثل المنافقين كمن أوقد نارا، أشعل النار حتى يستضيء بنورها وبنارها، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وذلك أن المنافقين حين أظهروا الإسلام وعاشوا مع المسلمين فحقنت دماؤهم، وكذلك حميت أموالهم؛ لأنهم يعاملون معاملة أهل الإسلام، لكنهم في حقيقة الأمر وفي باطنهم ليسوا بمسلمين بل هم كفار. فكان لهم شيء من النور -أي نور الإسلام- لكنهم عند الموت ويوم القيامة لا ينفعهم هذا النور، فيذهب، فيكون حالهم كمن أوقد النار ليستضيء بها، فلما رأى أنه قد أضاءت له وتمكن من الانتفاع بنورها ذهب -انطفأت هذه النار وذهب هذا النور- فصار في ظلمة يتخبط، ﴿فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾، صم عن سماع الحق والهدى، بكم عن النطق به، عمي عن رؤيته، وإن كانوا يبصرون البصر العادي والحقيقي، لكن لا يبصرون الحق والهدى، فهم لا يرجعون -يعني إلى الإيمان والإسلام. ثم ذكر الله جل وعلا المثل المائي: ﴿أو كصيب من السماء﴾، يعني مثلهم كذلك كصيب من السماء، الصيب المطر، أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والله محيط بالكافرين، أي مثالهم كمثل الماء أنزله الله عز وجل من السماء في ظلمات، وعند نزول هذا الماء يوجد برق ورعد، برق الذي يحصل فيه شيء من الإضاءة، والرعد الصوت القوي الذي يزعج القلوب ويخوفها، حتى يكاد المرء أن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع صوت الرعد، ويكاد البرق أن يخطف الأبصار ويذهب بنورها أو بإبصارها. هذا المطر مثل مثل القرآن، هو المراد به القرآن، الوحي الذي أنزله الله عز وجل على رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن المطر في حياة الأرض بعد موتها، والوحي في حياة القلوب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾، فكما أن في إنزال المطر حياة الأرض، كذلك أيضا في نزول الوحي حياة القلوب. وهذا الوحي مجتمَل على النور والهدى، فهذا القرآن هدى ونور، وأيضا فيه وعيد وتخويف، وهذا مثل الرعد الذي يسمع فتخاف منه القلوب، والبرق الذي يضيء هو ما فيه هذا القرآن من النور والهدى. وهكذا حال المنافقين، المنافق حصل له شيء من هذا النور حين أظهر الإسلام وعاش مع المسلمين، وهو يسمع الزواجر والوعيد في كتاب الله جل وعلا على المكذبين والكافرين، فيشمئز منها حتى يكاد أن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع القرآن ولا يسمع الهدى، يكاد، قال جل وعلا: ﴿أوك صيب من السماء في ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين﴾. أن يعلم جل وعلا أحوالهم، ويعلم سرائرهم وبواطنهم، ويعلم كفرهم وإن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فالله عز وجل يعلم حقيقة أمرهم ولا يخفون على الله جل وعلا. فهذان المثلان في المنافقين بأن حالهم كما سمعنا بحال من أوقد النار ليستضيء بها فانطفأت النار، فبقي في ظلمات يتخبط، أو كالصيب والمطر الذي أنزله الله جل وعلا من السماء، وهو مجتمَل على رعد وبرق. وهكذا الوحي الذي أنزله الله جل وعلا، وما في هذا الوحي من النور الذي يستضاء به، لكن سرعان ما ينطفئ ويذهب هذا النور بما في قلوب أهل النفاق من الشك والريب والكفر، فلا ينتفعون بنور القرآن، وهكذا أيضا ما فيه من الزواجر والوعيد والتهديد الذي يكاد أن تنخلع به قلوبهم، حتى يكادوا أن يضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا هذا القرآن والوحي. فهذا أول مثلا ذكرهما الله جل وعلا في القرآن في شأن المنافقين. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على