الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع قاعدة ابن تيمية في النهي عن التشبه بالكفار مبيناً أن أدلة النهي منها ما هو عام في جميع المخالفات ومنها ما هو خاص ببعضها، مع التفريق بين أمر الإيجاب وأمر الاستحباب في المخالفة. ويخص بالذكر النهي عن مشابهتهم في أعيادهم وينبه على لفتة دقيقة تتعلق بقصد الموافقة أو المخالفة وكونها مصلحة للنفس.
يقرر الشيخ قاعدة في موافقة الناس ومخالفتهم مبيناً أن المتابعة قد تكون لهوى أو لمصلحة، وأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة للعبد وإن خفيت حكمتها. ويستدل بحديث ظهير بن رافع حيث نهى النبي عن كراء الأرض بالمقاسمة رغم ما فيه من كسب ظاهر، فقال الصحابة: طواعية الله ورسوله أحب إلينا.
يقرر النص أن أوامر الشرع لا تأتي إلا بمصلحة خالصة أو راجحة، ونواهيه لا تأتي إلا بمفسدة خالصة أو راجحة. ويبين أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة عظيمة للعبد حتى لو اقتصرت على تأليف القلوب، بينما موافقة الكفار في أعمالهم تجر ضرراً ومفسدة، ومخالفتهم دليل على المصلحة.
يوضح المقطع أن الشرع لا يأمر إلا بمصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عن مفسدة خالصة أو راجحة، وأن موافقة الكفار دليل مفسدة ومخالفتهم دليل مصلحة. كما يفرق بين قياس الدلالة الذي يستدل بدليل العلة على الأصل، وقياس العلة الذي يستدل بالعلة نفسها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "اقتضاء الصراط المستقيم": قال: "فصلًا: لما كان الكلام في المسألة الخاصة..." - يريد المسألة الخاصة هي التشبه - قد يكون مندرجًا في قاعدة عامة، أنا هذه القاعدة سيذكرها الآن؛ لأن هذه المسألة الخاصة وهي التشبه، أو النهي عن التشبه، يدخل في قاعدة عامة. قال: "ابتدأنا بذكر بعض ما دل... بعض ما دل من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان ذلك عامًا في جميع أنواع المخالفات أو خاصًا ببعضها". أنا هذه الأدلة التي جاءت منها ما هو عام في جميع المخالفات، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم»، أو خاص ببعض المخالفات، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشبهوا باليهود فإنهم كانوا لا يصبغون»، معنا في الصبغ، مثلا أو في معنى عدم إحفاء الشارب، أو في غيرها مما سيأتي إن شاء الله تعالى. قالوا: سواء كان أمر إيجاب... بالأمر بمخالفتهم في هذه الحيثية، أو أمر استحباب، مثل ما جاء في الصوم: «لئن بقيت إلى قابل لا أصومن التاسع»، فحملوا العلماء على أمر الاستحباب. قالوا: "ثم أتبعنا ذلك بما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم، لأن هذا أكثر ما يتبع أولئك فيه من الكفار". فذكر رحمه الله ما يدل على النهي عن مشابهتهم في أعيادهم خصوصًا. ومعنى "أكثر" في هذا الكلام سيأتي إن شاء الله تعالى. قالوا: هنا نكتة... نكتة بمعنى... نكتة المرادة: لفتة، لفتة ينبغي أن يتفطن لها، وليست نكتة هنا من النكت التي يضحك بها. قالوا: هنا نكتة قد نبهت عليها في هذا الكتاب، وهي أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم قد يكون لأن نفس قصد موافقتهم أو نفس موافقتهم مصلحة. قد يكون هذا الأمر بموافقة القوم أو بمخالفتهم لأن النفس تقصد موافقتهم أو تحب موافقتهم، أو أن في النفس موافقتهم لأجل مصلحة للنفس نفسها؛ هناك مصلحة للنفس توافق هذا الشخص أو غيره. قالوا: كذلك نفس قصد مخالفتهم أو نفس مخالفتهم مصلحة. أنا الآن أراد أن ينبه رحمه الله على قاعدة عامة في هذا: أن مسألة موافقة الآخرين أو مخالفتهم ممكن أن تكون هذه الموافقة يقصدها الإنسان لأن نفسه تحب هذه الموافقة، وممكن أيضًا أن هذه الموافقة له مصلحة فيها، وكذلك العكس في المخالفة؛ بمعنى أن الإنسان يحب مخالفة هؤلاء لقصد عنده، وممكن كذلك لأن مصلحته في مخالفتهم. طال بمعنى أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة للعبد أو مفسدة، وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة لو تجرد عن الموافقة والمخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة. ولهذا نحن ننتفع بنفس متابعتنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والسابقين في أعمال، لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا مصلحة، لا تكون لنا مصلحة فيها، لكن نعملها لاتباعنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا مثل ما جاء في حديث ظهير بن رافع... في حديث ظهير بن رافع قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهانا عن شيء كانت لنا فيه مصلحة، كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهانا عن شيء كانت لنا فيه مصلحة، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، أو قال: أحب إلينا. وهذا الحديث في البخاري. الآن ظهير بن رافع يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن كراء الأرض بجزء معين منها؛ كانوا يكرون الأرض أو يؤجرونها، فيقولون: هذا لكم الجزء الشرقي مثلاً لكم، والمالك يقول: لي الجزء الغربي. "فقد تنبتها"، "فقد تنضجها"؛ معنى أنها تزرع هذه وهذه لا تنبت. معنى: قد تنبت هذه، وقد هذه لا تنبت. معنى: هذه يكون فيها ثمار، وهذه ليس فيها شيء. فلهذا نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال ظهير بن رافع: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء كانت لنا فيه مصلحة، كانت لنا فيه مصلحة»؛ معنى: نستأجر أن نؤجر الناس ونتحصل على مال. لكن قال: «طواعية الله ورسوله أحب إلينا». فلهذا فقد يوافق الإنسان ناسًا على مصلحة له، وقد يكون على عدم مصلحة، وإنما لأجل أن يخالف أولئك أو يوافقهم. لكن متابعة النبي عليه الصلاة والسلام هي مصلحة للعبد، مصلحة للعبد، وإن لم يعلم أن هذا شيء مصلحة له أو ليست مصلحة له. هذا مصلحة خاصة، وإلا فالشرع ما يأمر إلا بما مصلحة خالصة أو مصلحة راجحة. أن الشرع كما ذكر شيخ الإسلام وغيره ما يأمر بشيء إلا تكون مصلحته خالصة، ليس فيه مفسدة أبدًا، أو تكون مصلحته راجحة، مصلحة راجحة، ليس في معنى أرجح من المفسدة؛ فيها مفسدة لكن المصلحة فيها أرجح منها وأولى. فهذا الأوامر التي تأتي عن الله وعن رسوله، وأما النواهي فأيضًا كذلك؛ الغالب فيما نهى الله عز وجل ورسوله أن يكون مفسدته إما غالبة وإما خالصة، إما خالصة وإما غالبة أو راجحة. فهكذا ذكر شيخ الإسلام وغيره؛ لأن الشرع لا يأتي إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة. فلهذا يبين شيخ الإسلام أن متابعتنا للنبي عليه الصلاة والسلام مصلحة لنا أصلًا، وإن كان العبد يظن أنه ليس فيه إلا مصلحة، لكن هي مصلحة لنا. قال: "فلربما قد كان لا يكون لنا مصلحة"، أي مصلحة خاصة، لما يورث ذلك من محبتهم وإتلاف قلوبنا بقلوبهم. وأن ذلك معنى: لو لم يكن مصلحة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وفي اتباع السابقين الأولين إلا إتلاف القلوب بمحبتهم، لكفت هذه المصلحة العظيمة. قال: "وأن ذلك يدعو إلى موافقتهم في أمور أخرى"، إلى غير ذلك من الفوائد. قال: كذلك قد نتضرر لمتابعتنا الكافرين في أعمال، لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها. وقد يكون الأمر من الموافقة والمخالفة لأن ذلك الفعل الذي يوافق فيه أو يخالف متضمن لمصلحة أو المفسدة، ولو لم يفعلوه. وهذا العكس: أن إذا كان نحن قد نتضرر متابعتنا الكافرين في أعمال، لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها. لماذا؟ لأن الشرع حثنا وأمرنا بمخالفتهم، وهذه المخالفة لا بد أن يكون فيها معنى... اتباعهم لا بد أن يكون فيه ضرر لنا. قد تكون للإنسان مصلحة خاصة في موافقة هؤلاء الكفار، لكن الأصل أنه معنى في الشرع أنه ضرره أكثر. وكما ذكرنا أن ما نهى الله عز وجل عنه إما أن يكون مخالفته أو مفسدته خالصة أو راجحة. قال: "هو يخالف متضمن للمصلحة أو المفسدة، ولو لم يفعلوه". أنا هذا "ولو لم يفعلوه" هؤلاء، لكن نهي الله ونهي رسوله صلى الله عليه وسلم يبين أن فيه مفسدة، أي مفسدة عامة. لكن عبر عن ذلك الموافقة والمخالفة على سبيل الدلالة والتعريف. فتكون موافقتهم دليلًا على المفسدة؛ عندما نوافق هؤلاء الكفار هذا دليل على المفسدة، ومخالفتهم دليلًا على المصلحة. لأنه كما ذكرنا أن الشرع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، وكذلك لا ينهى إلا ما كان مفسدته خالصة أو راجحة. فلهذا فموافقتهم دليلًا على المفسدة، ومخالفتهم أي الكفار دليلًا على المصلحة. واعتبار الموافقة والمخالفة على هذا التقدير من باب قياس الدلالة. وقياس الدلالة هو أن يستدل بدليل العلة، أن يستدل بدليل العلة على الأصل. وقياس العلة هو أن يستدل بالعلة نفسها. وقياس الأولى... طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق.