التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 13

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 13

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في القياس الفقهي وأنواعه

يتناول هذا الفصل شرح أنواع القياس في الفقه الإسلامي، حيث يوضح الفرق بين قياس العلة وقياس الدلالة. كما يشير إلى أهمية العلة في القياس الفقهي.

دلالة القرآن والسنة على تفاصيل الأعمال

يتناول هذا الفصل دلالة القرآن الكريم والسنة النبوية على خصوص الأعمال وتفاصيلها، موضحًا أنواع الدلالة وكيفية تفسير القرآن والسنة لبعضهما.

تحذير النبي من اتباع أهواء الجاهلين والكفار

يشرح هذا الفصل الآيات التي تحذر النبي من اتباع أهواء الذين لا يعلمون، ويبين خطورة موافقة المسلمين لأهل الكتاب في أمورهم والعكس.

ضوابط التعامل مع أهل الكتاب وعدم التشبه بهم

يناقش هذا الفصل أهمية عدم موافقة أهل الكتاب في الأمور العادية إلا إذا كانت موجودة أصلا عند المسلمين، ويحذر من التشبه بالكفار في الأمور التي يميزون بها أنفسهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى ذكره الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من القاعدة التي ذكرها، وهو أن الأمر بموافقة قوم أو بمخالفتهم قد يكون لأن نفس قصد موافقتهم أو نفس مخالفتهم مصلحة. ومعنى الكلام: قلنا إن الإنسان لما يوافق قومًا أو يخالفهم له أمران أو له حالتان: إما أنه يوافقهم لأن نفسه تحب موافقتهم، أو كذلك في المخالفة. وكذلك أيضًا الحالة الثانية: أنه يوافقهم لأن مصلحته في موافقتهم، وكذلك أيضًا المخالفة تكون مصلحته في مخالفتهم. فالأمر يتضمن مصلحة للعبد أو مفسدة. فلهذا فموافقتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصلحة لنا، سواء كان موافقتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة في أنفسنا لذلك معنى للموافقة، أو كذلك للمصلحة التي تكون للعبد، سواء كان مصلحة أو محبة نفسه تحب هذا الشيء. أو كذلك في مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم. لكن كما قال: ففي موافقة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة لنا، مصلحة لنا محققة، سواء كان هذه المصلحة مصلحة خالصة أو راجحة لا بد منها. فلهذا فموافقة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة للعباد، ومخالفة هؤلاء أهل الكتاب والكفار مصلحة للعباد. قال: من باب قياس الدلالة، وعلى الأول من باب قياس العلة في الموافقة؛ لأن العلة تعتبر مفهوم موافقة، العلة هي مفهوم موافقة؛ لأن قياس العلة هو أن يقيس الفرع على الأصل بموجب العلة هذه التي أوجبت هذا الحكم. وهذا الذي يسميه بعض العلماء مفهوم الموافقة، أو يسمونه قياس الأولى. مثلًا قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، فاتفق العلماء على أن هنا العلة المراد بها الأذية، أذية الوالدين. فيذيهم بقوله أف، فلا شك أنه إذا كان المحرم قولك لأمك أو لأبيك أف، فمن باب أولى أنه صياحك عليهم ورفع صوتك عليهم، من باب أولى أيضًا ضربهم وغيرها من عادي الأمور التي هي أولى بالتحريم من التأفف. فهذا يسمى قياس علة. وأما قياس الدلالة هو قياس بدلالة العلة، وليس بالعلة نفسها. ومثلًا الخمر، ممكن أننا نقيسها قياس علة بفرع آخر أو قياس دلالة. فقياس العلة مثلًا بالحشيشة أو المخدرات، هذا يعتبر قياس علة؛ لأن العلة أوجبت التحريم؛ لأن المخدرات أولى من الخمر. وهناك أيضًا علة أخرى في الخمر، وهي الاضطراب والشدة، الاضطراب معنى التغير الذي يحصل في الشراب، والشدة هو النشوة التي تحصل في شربه. فهذه علة كذلك، إذا حصلت في شراب فإنه يكون مثل الخمر، مثل النبيذ، النبيذ حلال لكن إذا اشتد وحصل فيه الاضطراب والتغير فإنه يحرم كالخمر. وعند أكثر العلماء، وإن لم يسكر، إذا حصل فيه الاضطراب فقاسوه بالخمر، أخذوا دلالة العلة وهو الاضطراب والشدة. فهذا معنى قياس الدلالة. وهذا في الأمر الثاني، وهو الموافقة لأجل المصلحة، الموافقة لأجل المصلحة؛ لأن العلة ليست الموافقة هنا، وإنما شيء هو دليل العلة وهو المصلحة. قالوا: قد يجتمع الأمران عن الحكمة الناشئة من نفس الفعل الذي وافقناهم أو خالفناهم فيه، ومن نفس مشاركتهم فيه. وهذا هو الغالب على الموافقة المخالفة المأمور بهما، على أن المصلحة موجودة سواء كان في الموافقة أو المخالفة. قالوا: المنهي عنهما فلابد من التفطن لهذا المعنى؛ فإنه به يعرف معنى نهي الله لنا عن اتباعهم وموافقتهم مطلقًا ومقيدًا. فهناك النهي جاء مطلقًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾، وقال أيضًا في الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم». فنهى الله عز وجل مطلق، وهناك مقيد بأمور أخرى كما ذكرنا من قبل. فلهذا فأمر الله عز وجل مطلقًا، أو أمر الله عز وجل بموافقة النبي عليه الصلاة والسلام مطلقًا جملة وتفصيلًا. فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ جملة وتفصيلًا. وقال الله عز وجل في المخالفة في مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِن تُطِعْهُمْ فَإِنَّهُمْ إِن يَخْذُلُوكُمْ﴾ أو قال الله عز وجل في مخالفته: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: وعلم أن دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها إنما يقع بطريق الإجمال والعموم أو الاستلزام. دلالة الكتاب على خصوص الأعمال وتفاصيلها ممكن أنه يجمل العمل، مثلًا الأمر أو النهي يكون مجملًا لكن تدخل فيه تفاصيل أخرى. أو عام يدخل في عمومه أشياء كثيرة، فليست هناك أدلة تفصيلية على كل شيء. وإنما قد يكون هناك إجمال، قد يكون العموم، قد يكون أيضًا استلزام، استلزام لهذا الشيء من ناحية عدم المفارقة. فالشرع لا يفرق بين المثليات، ولا يجمع بين المتفرقات. فالشرع لا يفرق بين المماثلات، المماثلات شيء مماثل نفسه لا يفرق بينه الشرع هكذا عند أكثر العلماء. وهذه القاعدة يعمل بها الجمهور في أبواب كثيرة. قالوا: إنما السنة التي تفسر الكتاب وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. فنحن نذكر من آيات الكتاب ما يدل على أصل هذه القاعدة في الجملة، ثم نتبع ذلك بالحديث المفسرة في أثناء الآيات وبعدها؛ لأن الله عز وجل أمر نبيه أو قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فآيات الكتاب غالبًا تكون في العموم، أقيم الصلاة، أقيم الصلاة هذا مجمل، فسرته السنة وبينته السنة معنى أن في كيفية الصلاة، في كم صلوات يصلي الإنسان في اليوم الليلة مما افترض الله عز وجل عليه، وغيرها من التفاصيل التي جاءت في السنة بيان لهذا المجمل. وأيضًا هناك عموم، وعموم معنى في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فالتقوى الله عز وجل عموم يدخل فيه كل ما يتقى الله عز وجل فيه. فالتقوى لله هي فعل الأمر وترك النهي، فكل ما يتقى لله عز وجل فهو داخل في هذه الآية. وهكذا فتجد أن آيات الله عز وجل إما تأتي إجمالًا أو عمومًا أو يأتي بالحكم بالاستلزام. ثم ذكر شيخ الإسلام الآيات التي تنهى عن اتباع الكفار، معنى فيها إجمال أو فيها عموم أو فيها استلزام. قال الله عز وجل: ﴿قَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، هذا تفضيل لبني إسرائيل. وكذلك أعطاهم أعظم الأشياء، وهي الكتاب: التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب التي أنزلها الله عز وجل عليه. وعطاهم الحكم والنبوة، أحكموا الناس، وكذلك فيهم الأنبياء: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: وقال جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. انظر: الله عز وجل بين أولًا ذكر فضل بني إسرائيل، وأنه أعطاهم الكتاب والحكم والنبوة، وفضلهم على العالمين في وقتهم. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾، يعني جاءهم العلم وجاءهم الحق والوحي. قال: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، يعني لما جاءهم الحق حصل الاختلاف فيما بينهم والتفرق. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، هذا اختلافهم الله عز وجل يقضي بينهم. لكن بعد ذلك قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي هؤلاء؛ لأنهم مختلفون. فما اختلفوا إلا لأنهم على جهل، أو أنهم لا يعلمون هذا الذي أرسلت به. قال: ﴿إِنَّهُمْ لَن يَغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، ما ستستفيد منهم، ما ستستفيد مما يعطونك من العلم. ﴿إِنَّهُمْ لَن يَغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾، أي لا تتولهم؛ لأن أهل الظلم يتولون بعضهم بعضًا، وتولى الله عز وجل فهو ولي المتقين جل وعلا. وسيفسر شيخ الإسلام هذه الآيات أيضًا بتفسير عظيم وسهل. فقال: أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، اعتداء بعضهم على بعض. وكذلك أيضًا اختلفوا لما جاءهم الحق. وهذا طبيعة الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فرق بين الناس». قال: ثم جعل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون. وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته، كل من خالف شريعته، سواء كان من الأمم المكذبة أو سواء كان من الكافرين أو الملحدين أو سواء كان من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا به صلى الله عليه وآله وسلم. قال: وأهواء هو ما يهوونه وما عليه المشركون من هديهم الظاهر. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هذا فيه نهي للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتبع هدي المشركين الظاهر أو هدي أهل الكتاب الظاهر. قال: الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، إذا وافقهم العبد فهو اتبع ما يهوونه. وهذا الذي نهى الله عز وجل نبيه عنه. قالوا: لهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، أنهم يحبون أن يكون أهل الإسلام تبعًا لهم، يكونون تبعًا لهم. وأعظم فرحهم أن يكونون على دينهم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. قال رحمه الله: يسرون به، ويدون أن لو بذلوا عظيما ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباعهم أهواءهم، فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم. معنى: إذا كان هذا الفعل ليس من اتباع هواءهم، لكنهم فعلوه، فهو أيضًا مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم، وأعوان على حصول مرضات الله في تركها. وأن موافقتهم في ذلك تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره. ويريد أن يبين شيخ رحمة الله عليه أن أصل الموافقة لأهل الكتاب هي معنى مدمومة في الشرع، أصل الموافقة، سواء كان في دينهم أو في عاداتهم وعيادهم. قال: فإن من حام حول الحمى أو شك أن يوافقه أو أن يواقعه، وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر. وهذا يدلك على أن الإنسان حتى في الأمور العادية لا ينبغي أن يوافق أهل الكتاب فيها، إلا إن كان هي عند المسلمين أصلا، ووافقهم هم الذين وفّقوهم. وإلا فالأشياء التي يظهر بها هؤلاء الكفار لا ينبغي للمسلم أن يوافقهم عليها.