الدرس في التعليق على الجواب الكافي 136، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الخلاف العلمي حول دخول المفعول به الجنة ويرد القول بامتناع دخوله بالتأكيد. ويبين أن التوبة مقبولة لمن استوفى شروطها من الندم والإقلاع والعزم ورد الحقوق، وأن الله يعرضها حتى على أفجر الناس.
يستعرض آيات سورة البروج وآية التوبة العامة ويناقش قول بعض العلماء بعدم صحة توبة من يقلع عن معصية مع إصراره على أخرى من نفس الجنس. ويرجح رأي ابن القيم بصحة التوبة إذا تحققت شروطها حتى مع وجود ذنوب أخرى مغايرة.
يوضح أن التوبة النصوح تمحو كل الذنوب كبارها وصغارها حتى الشرك مستدلاً بالآية والحديث. ويبين أن الاستغفار إن تضمن معنى التوبة يمحو الذنوب كلها، أما الإصرار على المعصية فيورث السيئات ويبعد عن حسن الخاتمة.
يذكر أن المجاهرين بالمعصية لا يوفقون للتوبة كما ورد في الحديث النبوي. ويؤكد أنهم يُحال بينهم وبين حسن الخاتمة عند الموت عقوبة على سيئاتهم مع وعد بتفصيل ذلك لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: قال، وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة المفعول به؟ على قولين. سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما. والذين قالوا: لا يدخل الجنة، احتجوا بأمور، منها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يدخل الجنة ولد زنا». وهذا الحديث لا يصح، وقد ذكره الشيخ الألباني في «الضعيفة» برقم 1287، وقال: هو باطل. لكن صح عند أبي داود بلفظ: «ولد الزنا شر الثلاثة»، إذا عمل بعمل أبويه. وجاء: «أو الصحيح: ولد الزنا شر الثلاثة». وهذا أيضا ذكره الشيخ في «الصحيح المسند»: «ولد الزنا شر الثلاثة». شر الثلاثة، معناه: شر من أبيه وأمه، إذا عمل بعمل أبويه. قال: فإذا كان هذا حال ولد الزنا، مع أنه لا ذنب له في ذلك، ولكنه مضنة كل شر وخب، وهو جدير أن لا يجيء منه خير أبدا، لأنه مخلوق من نطفة خبيثة. وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به، فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام؟ وهذا الكلام معنى يحكيه الإمام ابن القيم، لكنه كلام خطأ؛ لأن هذا ولد الزنا ما ذنبه؟ الذنب على أبويه. لكن يكون شرهم إن كان فعلا مثل ما فعلوا. قالوا: والمفعول به شر من ولد الزنا، وأخزى، وأخبث، وأوسخ، وهو جدير أن لا يوفق لخير، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيرا قيض الله له ما يفسده عقوبة له. وقَل أن ترى من كان كذلك من صغره إلا وهو في كبره شر مما كان. أنا إذا كان في صغره هكذا، غالبا يعني: يقول ليس أنه لا بد يحصل هذا، لكنه غالبا ما يكون هذا أيضا في كبره يفعل مثل هذا. قالوا: لا يوفق لعمل صالح، ولا لعلم نافع، ولا لتوبة نصوح. قالوا: التحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورزق توبة نصوحا، وعمل صالحا، وكان في كبره خيرا منه في صغره، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه عن المحرمات، وصدق الله في معاملته، فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنة. والله عز وجل لم يحجب التوبة عن أحد، لم يحجب التوبة عن أحد، وإنما يتوب الله عز وجل على من تاب، إلا من قصرت هذه التوبة فيه: أن قصر في شروط التوبة، إما أنه لم يندم على ما فعل، ولم يقلع عن ما هو عليه، أو كذلك أيضا لم يعزم على الترك، فهذه ليست التوبة صحيحة. عن شروط التوبة ثلاثة معروفة: الندم، والإقلاع، والعزم على عدم العودة. هذه شروط التوبة. وهناك شرط رابع، وهو: إذا كان في حقه من حقوق الناس، أنه لا بد أن يرد هذا الحق، أو يستحل من صاحبه. فهذه شروط التوبة، فإذا حصلت هذه الشروط حصلت التوبة لهذا الشخص. الله عز وجل عرض التوبة على أفجر الناس، عرض التوبة على من ادعى له الولد، وعلى من يقول: ثالث ثلاثة، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾. وعرض التوبة على أيضا الذين حرقوا أولياءه، كما قال الحسن البصري: انظروا إلى رحمة الله، فإنهم قتلوا أولياءه وحرقوهم بالنار، وهو يعرض عليهم التوبة. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ﴾ قال سبحانه وتعالى في سورة الفجر، في حالي، أو أقصد في معنى حالي: هؤلاء الذين حرقوا أهل الإسلام، أصحاب الأخدود. قتل أصحاب الأخدود في السماء، معنى في سورة البروج: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾، أن أرادوا أن يفتنوهم بهذا الحريق، يردوهم عن دينهم، قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ﴾. فهنا بينا أن لهم توبة، مع أنهم فعلوا هذه الأفعال. فلهذا فالله عز وجل عرض التوبة على كل أحد. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾. وأما ما قاله بعض أهل العلم: أن الله عز وجل لا يتوب على العاصي إذا لم يقلع عن المعاصي التي معناها تكون عنده، وأن إذا تاب عن معصية وهو عنده معصية، مثلا: يشرب الخمر وتاب من الزنا، فيقولون: أن هذه التوبة ليست صحيحة. لكن الصحيح الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله، والتحقيق في هذه المسألة: أنه إذا كان الذنب الذي يقع فيه هو هو مثل هذا الذنب الذي يتوب منه، فهذا يعتبر توبته غير صحيحة. مثلا: رجل يتوب من مخدرات وهو يشرب الخمر، أو يشرب الخمر يريد أن يتوب من شرب الخمر وهو يتعاطى مخدرات، أن هذا ما تاب، أن هذا شيء واحد. أو رجل مثلا أراد أن يتوب من اغتصاب النساء وهو يزني، معناه يقول: إذا كان باختيار المرأة ما في شيء، هذا ليس التوبة صحيحة. أو مثلا يتوب من الزنا ويعمل عمل قوم لوط، هذا أيضا ليس التوبة صحيحة. وهكذا إذا كان هذا الذنب مثله أو من نفس النوع، فإن هذه التوبة تكون غير صحيحة من هذا الباب. وأما إغلاق التوبة عليه فليست صحيحة. كذلك الزنديق والمرتد الذي قد تكررت الردة عليه، فصحيح أيضا أن يتوب الله، معنى توبته مقبولة. فلم يمنع الله عز وجل التوبة من أحد. فكذلك هذا الذي عمل قوم لوط، أو كان يعمل به، فإن هذا أيضا إن تاب فيتوب الله عز وجل عليه. وكم من إنسان كان في صغره يفعل هذا، واستهواه الشيطان، وأيضا شياطين الإنس، وأيضا أخذوه لعقل صغره وعدم فهمه في هذه المسائل، لكن لما كبر عرف أن هذا لا يجوز، وهذا معصية عظيمة، فترك هذه الأشياء. فكلام الذي نقله الإمام ابن القيم عن بعض العلماء ليس صحيحا، وهذا التحقيق الذي ذكره تحقيق صحيح: أنه متى ما حسنت التوبة فهي توبة مقبولة. لكن الأمر عند الله عز وجل. لكن جاء الشرع بأن الله عز وجل يتوب على من تاب، فإذا تحققت شروط التوبة في التائب، فالله عز وجل يتوب على من تاب. قالوا: إذا كانت التوبة تمحو كل ذنب، حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك، فلا تقصر عن محو هذا الذنب. وقد استقرت حكمة الله عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وهذا الحديث لا يصح من ناحية أنه حديث، لكنه في المعنى صحيح، وإن كان الشيخ الألباني في بعض كتبه حسنه، كصحيح ابن ماجة، لكن استدرك ذلك في «الضعيفة»، فالصحيح أنه لا يصح. قالوا: قد ضمن الله سبحانه لمن تاب، لكن هذا شيء قد دلت عليه لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. فالتوبة تجب ما قبلها، كما في حديث عمر بن العاص في صحيح مسلم: «التوبة تجب ما قبلها»، أي تمحو ما قبلها. فالتوبة اتفق العلماء على أنها تمحو كل الذنوب، سواء كانت كبيرة أو صغيرة. فمدام أنها تمحو الشرك، فمن باب أولى غيرها. والتوبة ليست كالاستغفار، الاستغفار بعض العلم يقول: يمحو الذنوب الصغيرة، كما هو مذهب مالك وأحمد، وأقصد الشافعي. وعند أحمد أن الاستغفار يمحو الذنوب كلها. لكن الصحيح أن الاستغفار الذي قصده أحمد وغيره: الاستغفار الذي هو على سبيل التوبة، الاستغفار الذي هو على سبيل التوبة، لا أن الاستغفار والتوبة اشتركان. فالاستغفار يكون أعم، لأن الاستغفار قد يكون عن توبة، أي عن ندم وعن إقلاع، وقد لا يكون، فلذا فهو أعم من التوبة. لكن إن استلزم هذا الاستغفار توبة فهو يمحو الذنوب كلها. قال رحمه الله: قد ضمن الله سبحانه لمن تاب، ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك، وقتل النفس، والزنا، وآمن وعمل صالحا، أنه يبدل سيئاته حسنات. وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾. جاء في البخاري وكذلك مسلم عن ابن عباس أنه قال: جاء أناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، زنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا، قالوا: يا رسول الله، هل لنا من توبة؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾. «جميعا» هنا جاءت نكرة، فهي تعم كل ذنب، كل ذنب، جميع الذنوب تدخل في مغفرة الله جل وعلا. قال: فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، ولكن هذا في حق التائبين خاصة. وأما المفعول به، وإن كان في كبره شرا مما كان في صغره، لم يوفق لتوبة النصوح، ولا لعمل صالح، ولا استدراك ما فات، وإحياء ما مات، ولا بدل السيئات بالحسنات، فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة. فمن لا يوفق للخاتمة، هذا من باب فقط ذكر الواقع، لأن مثل هذا لا يوفق للتوبة غالبا، الذي يصر على هذه المعصية. قال: وعقوبة له على عمل، فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بالسيئة أخرى، وتتضاعف عقوبة السيئات بعضها ببعض. معنى: السيئة تولد السيئة. فقد يكون الشخص مثلا على سيئة معينة، ثم كلما كبر وهو مصر على هذه المعصية، تولد هذه المعصية أشياء أخرى، تولد أشياء أخرى. ولهذا تجد أن أهل الشهوات لا يقفون عند حد، أن لا يقفون عند حد في هذه الشهوات، فلذا تتوالد عليهم المعاصي والسيئات. فمثل هذا قد لا يوفق، ولهذا تجد مثل هؤلاء غالبا إذا كبر أو كثر في هذه المعصية، فغالبا يجاهر بها، أنا خلاص، يذهب من قلبه معنى تعظيم الله عز وجل وتعظيم المعصية، فتجده بعد ذلك يجاهر بهذه المعاصي ولا يبالي بالناس. وهؤلاء الذين يجاهرون بالمعصية لا يوفقون للتوبة: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، أي أنهم لا يوفقون للتوبة. قالوا: إذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين، وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة، عقوبة لهم على أعمالهم السيئة. وهذا إن شاء الله تعالى نذكره في الدرس اللاحق. ونكتفي بهذا، والله تعالى شكرا.