التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 42

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 42، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في أسباب المغفرة

يبدأ الشارح بتوضيح الحديث الثاني والأربعين من الأربعين النووية، مشيراً إلى ثلاثة أسباب رئيسية للمغفرة وهي الدعاء مع الرجاء، والاستغفار، والإتيان بقراب الأرض خطايا دون إشراك بالله. الدعاء المقترن بالرجاء يدل على حضور القلب.

شروط قبول التوبة ومغفرة الذنوب

يشرح الشارح شروط قبول الاستغفار ومغفرة الذنوب، مؤكداً على أهمية التوبة التي تتضمن الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، مع التأكيد على شرط التوحيد وعدم الشرك بالله.

فضل التوحيد في مغفرة الذنوب

يُبين الشارح أهمية التوحيد في مغفرة الذنوب، حيث يُشدد على أن التوحيد هو السبب الأعظم لمغفرة الذنوب، بينما يُحرم المشرك من المغفرة. يُرجى للمُوَحِّد المغفرة حتى مع وجود ذنوب كبيرة.

ختام الحديث برسالة الصلاة على النبي

يختتم الشارح بالحديث برسالة الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكداً على أهمية هذه العبادة في الإسلام. يُعتبر هذا الختام تذكيراً بأهمية الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله، في كتابه الأربعين النووية، في ذكره لآخر حديث، قال: الحديث الثاني والأربعون، قال: عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث أخرجه الترمذي في الجامع، وفي إسناده كلام، فهو من طريق كثير بن فائد، عن سعيد بن عبيد الهنائي، ومجهول. وروي موقوفا على أنس، وجاء أيضا من حيث بذر وابن عباس، لعل مجموع هذه الطرق يدل على -يعني- أن الحديث أصلا. قال: إلا أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه، فيصير حسنا. قال: ولفظه من جامع الترمذي، في النسخ التي بأيدينا: «على ما كان فيك»، وهنا التي في المتن: «على ما كان منك». قال: والحديث مجمل على ذكر ثلاثة أسباب عظيمة من أسباب المغفرة. قال: أولها الدعاء المقترن بالرجاء، في قوله: «إنك ما دعوتني ورجوتني»، دعاء مقترن بالرجاء. قال: وقرن الدعاء بالرجاء لإفادة أن الداعي حاضر القلب، مقبل على الله، غير غافل عنه. وهذا من أسباب إجابة الدعاء، أن يكون دعاء الداعي بحضور قلب، واستحضار، وطلب للرجاء -يعني- يدعوه ويرجو أن الله جل وعلا يستجيب له، ويحقق ما دعاه، فبهذا يرجى أن تتحقق له دعوته. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة». فإن الله لا يقبل دعاء عبد، أو لا يقبل دعاء من قلب غافل، كما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فكونه يدعو الله ويرجوه، هذا يدل على أنه حاضر القلب، ليس مجرد كلمات يقولها بلسانه، بل كلمات يقولها بلسانه، وكذلك قلبه حاضر، وراغب، وراج من الله جل وعلا أن يستجيب له. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يرجى له إجابة الدعاء: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي». إذا حصل هذا الدعاء مع الرجاء، فالله جل وعلا يغفر لك على ما كان منك -يعني- من ذنوب وخطايا، كما سيأتي. قال: وثانيها الاستغفار، وحقيقته عند الإطلاق: التوبة مع دعاء المغفرة. يعني: إذا أطلق الاستغفار وأفرد، شمل التوبة التي هي إقلاع العبد عن الذنب، وميله إلى الطاعة والعبادة بقلبه وجوارحه، والاستغفار بلسانه. وذلك بقوله: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء -يعني- أعلى السماء، إلى السحب. قيل: ما ينتهي إليه البصر في العلو، ثم استغفرتني غفرت لك» -يعني- لو كانت ذنوبك كثيرة تصل إلى عنان السماء، ثم استغفرت الله جل وعلا، غفر الله لك. الاستغفار هنا -قلنا- متضمن للتوبة، وذلك بالإقلاع عن الذنب، أن يقلع ويترك ما يدعو الله: «اللهم اغفر لي»، وهو مصر على الذنب، هذا لا يرجى له مغفرة الله عز وجل. يقول ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ يتوبون، يرجعون، يقلعون عن الذنب. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، مما يتضمنه التوبة عدم الإصرار، عدم الإصرار على الذنب، بل يقلع ويترك، ويندم على فعل الذنب، ويعزم أنه لا يعود إليه. أما إذا كان في نيته أنه يعود إلى فعل الذنب، هذه توبة كاذبة، هذا ليس بتائب، يترك الذنب وهو في قرارة نفسه أنه سيرجع إليه، هذا لم يتوب توبة صحيحة. فيتوفرت هذه الشروط، شروط التوبة، مع الاستغفار والإكثار منه، وظهور إظهار العبد لذله وخضوعه وانكساره بين يدي ربه، فهذا مما يرجى به مغفرة الذنوب: «غفرت لك». إذا كان الأمر كذلك، تستغفر الله وتتوب إليه وتندم، فالله عز وجل يغفر لك. والله عز وجل يقول: ﴿فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال: وثالثها توحيد الله، وأشير إليه بانتفاء الشرك في قوله: «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا»، لأن غاية التوحيد إبطال الشرك، لا يجتمع الشرك والتوحيد في عبادة العبد، إما أن يكون موحدا وإما أن يكون مشركا. فإذا قصد غير الله، فقد وقع في الشرك، وإن وحد الله عز وجل، وقصد الله عز وجل وحده، فهو قد وحد الله عز وجل في هذه العبادة. وهكذا ينبغي أن تكون سائر عبادات العبد مقترنة بتوحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة. فإذا وقع في الشرك، فإن الشرك يحبط الأعمال، ويحجب العبد من التوبة، ما تقبل -يعني- أقصد أنه لا يغفر له إذا مات على الشرك، فهو محروم من مغفرة الذنوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. إذا مات على الشرك، لا مغفرة له، بخلاف غير الشرك من الذنوب، مهما عظمت، لو مات -هو يعني- شارب للخمر، أو مرتكب للزنا، أو آكل للربا، أو غيرها من الكبائر، هذا ترجى له المغفرة: «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». أما الشرك، فليس لصاحبه مغفرة. لهذا هنا اشترط لي حصول التوبة اجتناب الشرك: «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا»، أي شيء، لا تشرك بي شيئا، شيئا نكرة في سياق النفي، تفيد العموم، أي شيء، سواء شمسا أو قمرا أو نبيا أو وليا أو حجرا أو قبرا، إلى آخره. قال: وآخره -مع جلالة قدره- أو وآخره -مع جلالة قدره- لعظم آثاره في محو الذنوب -يعني- من أعظم أسباب محو الذنوب التوحيد، أن يكون العبد موحدا، حتى لو كان عنده شيء من التقصير، شيء من التقصير في ترك الواجبات أو فعل بعض المحرمات. وليس هذا على سبيل التزهيد في المحافظة على الواجبات، أو كذلك في ترك المحرمات، ولكن المقصود بيان فضل التوحيد، وأن الموحد يرجى له المغفرة والتوبة بتوحيده، بخلاف المشرك، ولو كان عابدا، لو كان عابدا زاهدا، وهو مشرك، يشرك في عبادة الله، هذا مصيره إلى النار والجحيم، ولا مغفرة له. قال: وهو المذكور في قوله: «لأتيتك بقرابها مغفرة». قال: فجزاؤه الأوفى المغفرة العظيمة. والقراب بضم القاف وكسرها أيضا: قراب وقراب، فيقال: قراب وقراب، وهو ملء الشيء. فالمعنى: لو أتيتني بملء الأرض ذنوبا وأنت موحد، لأتيتك بمثلها مغفرة. انظروا إلى عظيم هذا الثواب: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا -ملء الأرض خطايا والذنوب- لكن في المقابل: ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا»، هو في باب العبودية والطاعة، موحد لله، لا يشرك مع الله عز وجل أحدا. قال: «لأتيتك بقرابها مغفرة» -يعني- بملء الأرض مغفرة. انظر إلى عظيم عفو الله، وعظيم كذلك فضل التوحيد، كيف يغفر الله عز وجل للعبد بسبب توحيده. قال: والعنان في الحديث هو السحاب. إذن، هذا الحديث دل على ثلاثة أسباب من أسباب مغفرة الذنوب، السبب الأول: الدعاء مع الرجاء، دعاء الله عز وجل مع الرجاء. والسبب الثاني: الاستغفار المقترن بالتوبة. والسبب الثالث: هو توحيد الله جل وعلا، وإفراده بالعبادة، والبعد عن الشرك في عبادة الله جل وعلا، بجميع صوره وأنواعه. فإن ذلك من أسباب إجابة الدعاء، وكذلك محو الذنوب والخطايا. وبهذا نكون انتهينا من قراءة أحاديث الأربعين النووية، والتعليق على شرحها. وإن شاء الله سيكون بعد ذلك تكملة الخمسين، لميرجب، بإذن الله جل وعلا. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.