الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 33، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة قبل الإسلام وتفاصيل الحدث. كان عمره آنذاك خمسا وثلاثين سنة.
يشرح هذا الفصل الأسباب التي أدت إلى هدم الكعبة وإعادة بنائها، منها تصدع جدرانها بعد سيل كبير وتردد قريش في الهدم.
يتضمن هذا الفصل تفاصيل عملية هدم الكعبة وإعادة بنائها، بما في ذلك تخوف قريش واستعانتهم بخشب سفينة ونجار رومي.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله المطلع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما أندثر. هذا البيت يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما يتعلق بسيرته وهديه عليه الصلاة والسلام، وذلك قبل مبعثه. وقد تطرقنا في دروس مضت وسلفت حول ما يتعلق بحياته الشخصية من زواجه بخديجة وما يتعلق بأولاده وذريته عليه الصلاة والسلام. وهنا ينتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذكر شيئا من سيرته ومما حضره بنفسه عليه الصلاة والسلام. قال: وبعد خمس وثلاثين حضر بنيان بيت الله لما أندثر. ففي هذا البيت يشير المؤلف رحمه الله تعالى بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام شهد بنيان بيت الله الحرام، وكان عمره حينها خمسا وثلاثين سنة. وهنا مسائل نتطرق إليها في هذا المقام، وأولاها: أيهما كان مقدما على الآخر؟ هل الزواج من خديجة كان قبل بناء البيت أم العكس؟ وهذه مسألة وقع فيها خلاف، وأكثر العلماء يرون أن الزواج من خديجة قد تم وبعد ذلك وقعت حادثة بناء البيت. وقعت حادثة بناء البيت كما أشار إليها الناظم، وهذا الذي عليه أكثر العلماء. ومن أهل العلم من يرى العكس، يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أولا شارك في بناء البيت ثم بعد ذلك تم له الزواج من خديجة، وهذا الذي مال إليه الإمام البيهقي رحمه الله. والصحيح الذي عليه أكثر العلماء وهم الجمهور: أن الزواج قد تم بخديجة ثم بعد ذلك حضر بنيان بيت الله الحرام لما أندثر. المسألة الثانية وهي التعرف على بيت الله الحرام في زمن قريش، كانت الكعبة من حيث البناء متواضعة جدا. وقد ذكر العلماء من أهل التاريخ ما يذكر من رسمها ووصفها كيف كانت. كانت الكعبة من حيث القامة قصيرة، قامتها تسعة أذرع، تخيل تسعة أذرع ليس بالطول الطويل. وكان هذا طولها وقامتها، وكانت مبنية من حجارة، وكانت رضما -قال العلماء: رضم بمعنى حصى فوق حصى- وكانت من غير ملاطة، أي من غير طين، كأنه مبني من غير مطروقة، إنما حصى فوق بعض. ولم يكن لها سقف يومئذ، ليس عليها سقف، وإنما كانت مفتوحة. وكان الستار والستائر الذي توضع على الكعبة في أيام العرب إنما تسدل عليها سدلا. وإذا تصورت الصورة، ستعرف كيف سيكون السدل، أي تطرح طرح الستائر عليها لأنها مفتوحة في الوسط. هذا هو البنيان الذي كانت عليه الكعبة في زمن قريش، كان في غاية من التواضع والقدم. حينها عزمت قريش على هدم الكعبة وعلى تجديد بنائها. واختلف العلماء ما السبب الداعي لأن تفعل قريش ذلك. فمن أهل العلم من ذكر أن السبب يعود بأن نفرا من الرجال استطاعوا أن يتسللوا وأن يتسلقوا إلى داخل الكعبة -كما أسلفنا: هي مفتوحة في الوسط ليس لها سقف- فاستطاع نفر من الرجال أن يتسللوا ويتسلقوا الكعبة وسرقوا كنزها، أخذوا الكنوز الموقوفة على الكعبة. فحينها عزمت قريش على هدم الكعبة وعلى بنائها بنيانا محكما يكون فيها الأمن والأمان لأموالها. وقول آخر من المؤرخين في السبب الداعي لهدم الكعبة وبنائها من جديد: ذلك لما رأوه من تصدع في جدرانها وحصول شقوق فيها، وكان ذلك على إثر سيل كبير مر عليها. هذا قول آخر لبعض العلماء هو السبب، أي أن السيل أثر في الكعبة تأثيرا بالغا، شقق الجدران وصدع البنيان. وهذا القول الأخير له ما يدل عليه من السنة، فقد جاء في البخاري من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: «جاء سيل في الجاهلية فكسى ما بين الجبلين». معنى كسى: أي غطى، غطى ما بين الجبلين، وهم الجبلان المحيطان بالكعبة وبمكة بشكل عام. هذا يدلك على عظم هذا السيل الذي اشتاح مكة واشتاح الكعبة، فكان على إثر هذا السيل التأثير البالغ على بنيان الكعبة. ومن هنا قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، وهو أحد الرواة لهذا الأثر السابق: «إن لهذا الحديث له شان، إن هذا الحديث له شان»، أي حديث مرور السيل على الكعبة، هذا له قصة طويلة. وكأنه رحمه الله تعالى يشير إلى ما كان وما صارت إليه الكعبة بعد مرور السيل: من تكسيرها وهدمها، ومن ثم من بنائها. إذن، هذا -سواء السبب الأول أو الثاني- كان ذلك مدعاة لأن تعزم قريش على هدم الكعبة، فعزمت على ذلك. إلا أنها اشترطت على من أحب أن يعين في بناء الكعبة أن يكون من حل ماله، أن لا يكون النفقة إلا من المال الحلال. ولهذا منع أن يكون الدفع من مال ربوي أو من مهر بغي أو من مظلمة لأحد، هذه الأشياء ما يريدونها. رجل عنده مظلمة سرق واغتصب ونهب أموال خلق يدفع بها لبناء الكعبة، لا، ترد مالا. وهم في الجاهلية يعرفون شؤم المال الحرام وأنه لا بركة فيه، فكانوا يدفعون هذه الأموال على أصحابها ويردونها، ولا يدخلونها في بناء بيت الله المعظم المشرف. أو ما كان من مال ربوي أو ما كان من مهر بغي، هذا كله يرد، فلا يكون إلا المال الحلال. وحين جاء الوقت الفعلي لهدم الكعبة، اتفقوا، جمعوا الأموال، أتوا بالإرادات والقدرات التي بها يكون البناء. جاء وحان الوقت الفعلي لهدم الكعبة، لكن يا ترى من هذا الذي سيتجاسر على هدم الكعبة؟ لا أحد، لا أحد يتجاسر. العرب يعرفون شرف الكعبة وأنها بيت الله المعظم المشرف المقدس، فما استطاع أحد أن يمد يده تكسيرا للكعبة، لعظمة وخوفا مما عسى أن يناله مما غبت فعله. وهم لا زالوا يستذكرون ما كان قد حصل لأصحاب الفيل عندما هموا على هدم الكعبة، كيف أن الله انتقم منهم وقتلهم شر قتله وأرسل عليهم طيرا أبابيل. وقد مر معنا ما يتعلق بحادثة أصحاب الفيل، فكانت هذه الحقائق ماثلة أمام قريش، فما استطاع أحد أن يقدم على هدم الكعبة إلا ما كان من أمر الوليد بن المغيرة. الوليد بن المغيرة هو الذي تبنى وقال: أنا أبدأكم في هدمها. فقام الوليد وأخذ المعول لكي يبدأ بالهدم، وقال: «اللهم لم نزغ ولا نريد إلا الخير، اللهم لم نزغ» أي: ما خرجنا عن تعظيمك وعن تعظيم بيتك وجنابك، ما خرجنا عن هذا، ما ضللنا، نحن لا زلنا على التعظيم الأول. «وما نريد إلا الخير» أي: هذا الهدم ما هو إلا إنشاء وإعمار لبيتك المعظم. فقام وبدأ بالهدم. وهل قام الناس بالهدم؟ لا، ما استعجلوا، وإنما سيعطون فرصة للوليد أن يبيت بخير ليلة كاملة، يعطونه لهذا الرجل. فكان من أقوالهم: قالوا ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، يعني: إذا أصبحنا وبلغنا أن الوليد أصابه شيء، إذا نعلم أن هذه دلالة على أن الله ما يريد منا أن نغير شيئا من بيته، ما هدمت شيء وأرجعنا كل شيء على ما كان عليه. قالوا: وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله عن ما صنعنا، إذا ما أصابه الله بشيء علمنا أن الله راضي عن هذا الفعل. قال الراوي: فأصبح الوليد غاديا يهدم، أصبح الوليد بخير، معه المعول، وسيستمر في الهدم. حينها تتابع الناس على هدم الكعبة، تتابع الناس على هدم الكعبة. عندما هدموا الكعبة والبنيان الأعلى حتى وصلوا إلى القواعد وما يسمى عندنا بالساس، فإذا بالساس عبارة عن حجارة كبيرة كالأسنمة، أي القواعد، البيت بنيت على هذه الحجارة الكبيرة، شبهت بأسنمة البعير. هذه الحجارة كل حجارة في حجر آخر، على قواعد البيت. وفي الطبراني من حديث أبي الطفيل جاءت رواية مطولة بذكر بعض الحوادث التي وافقت ورافقت بناء الكعبة. فمما جاء في رواية الطبراني من حديث أبي الطفيل: أن في تلك الفترة تحطمت سفينة في ساحل جدة، وهي قادمة من أرض الروم، قيل: ذاهبة إلى أرض الحبشة، هذه رحلتها من بلاد الروم إلى بلاد الحبشة، لكنها تحطمت. ثم رست ورسا حطامها إلى ساحل جدة، فإذا بالعرب أخبروا بخبرها، فإذا بها عبارة عن خشب سفينة تحطمت مصنوع من خشب. فأخذوا هذا الخشب والحطب، وقالوا: نبني به بيت ربنا، أي جعلوا هذا الحطام والخشب الكبير سيجعل لبناء الكعبة. ووجدوا عند هذا الحطام رجلا روميا على قيد الحياة، وكان هذا الرجل الرومي نجارا، قالوا: نستعين به في بناء الكعبة. فكان هذا من توفيق الله، وكان ذلك في فترة بناء الكعبة. وفي روايات الطبراني أيضا مما جاء من المشاهد: أن العرب عندما بدؤوا بهدم الكعبة، خرجت عليهم حية عظيمة، وكان من وصفها أنها سوداء الظهر بيضاء البطن، وكانت تفتح فاها وتلحق لكل من دنى من البيت، تجري خلفه، أي واحد ترى يقرب من البيت تجري هذه الحية خلفه. فابتعد الناس، ما استطاعوا أن يعملوا وأن يشتغلوا وأن يكملوا هدم الكعبة حتى يبنوها من جديد. فما كان من أمرهم إلا أن اجتمعوا -أي أهل قريش- عند المقام وتضرعوا وألحوا على الله بالدعاء بأن الله عز وجل يكفيهم شر هذه الحية التي منعتهم من الاستمرار. فبينما كانوا في تضرع ودعاء، إذ بصوت يأتي من السماء، فإذا بطائر كبير ضخم، وكان كذلك وصفه: أسود الظهر أبيض البطن، وكان له مخالب كبيرة عظيمة، وكان أعظم من النسر -أي من حيث الحجم- فإذا بهذا الطائر الكبير يهجم على الحية وأخذها من قفاها ورفع بها وطار بها بعيدا، فاستراح الناس من شر هذه الحية، ثم أقبلوا على هدم الكعبة. هذا إخواني في الله شيئا مما يذكر من بناء الكعبة، وسيأتي معنا مسائل كثيرة كذلك متعلقة حول تقسيم العمل في بناء الكعبة وما يتعلق بمشاركة النبي الفعلية لبناء الكعبة إلى آخر مسائل هذا الباب، فيترك إن شاء الله هذا في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.