الدرس في كتاب البيوع 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
العارية هي إباحة المنافع مع بقاء الأصل، وتُعتبر مستحبة لكونها من الإحسان والمعروف. تُضمن العارية في حالات معينة مثل اشتراط الضمان أو حصول التعدي أو التفريط.
يجب على المستعير رد العارية عند الطلب أو انتهاء المدة أو الفراغ من الاستعمال، ولا يجوز له أن يعيرها أو يؤجرها بدون إذن المعير. كما يُشترط حفظها مثل حفظ الأمثال لها.
الوديعة تحفظ عند شخص ما وتستحب لمن لديه أمانة وقدرة على حفظها، ويجب حفظها في مكان آمن ولا يجوز الانتفاع بها بدون إذن صاحبها. تُضمن عند التلف أو الضياع بدون إذن.
إذا تجاوز المستعير مدة العارية أو استعملها بدون إذن، فعليه دفع أجرة المثل للأيام الإضافية. أجرة المثل تحسب بناءً على قيمة تأجير الأشياء المماثلة للعارية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الأنساعد رحمه الله في كتابه "منج السالكين"، في كتاب البيوع، باب العارية والوديعة. قال: العارية: العارية إباحة المنافع، وهي مستحبة؛ لدخولها في الإحسان والمعروف. قال صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة". إن شرط ضمانها، أو تعدى، أو فرط فيها، وإلا فلا. قال: والوديعة: من أودع وديعة، فعليه حفظها في حرز مثلها، ولا ينتفع بها بغير إذن ربها. العارية بتشديد الياء، ويقال العارية بتخفيفها، وهناك لغة ثالثة وهي "عارة" من غير ياء، بمعنى جاء وذهب. وقيل للسارق "عيار"؛ لأنه يجيء ويذهب. واصطلاحا: هي إباحة المنافع، كما قال: دون الرقبة، أي مع بقاء الأصل، إباحة المنافع مع بقاء الأصل. فالعارية تكون في الأشياء التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، مثل الدور، السيارة، الدراجة، المسجلة، الجوال، الفأس، وآلة الحراثة، ونحو ذلك من الأشياء التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها. فهذه أخذها يسمى عارية، والانتفاع بها يسمى عارية. وهل يجوز عارية الدراهم والدنانير؟ هل تكون -يعني- أخذها من العارية؟ قال أهل العلم: إذا أخذت رهنا، فتكون عارية، وأما إذا أخذت لأجل استعمالها في بيع وشراء، فتكون قرضا. قال: العارية إباحة المنافع، نعم منافع العين، وأما الأصل فيبقى. وأما ما لا يبقى أصله، هذا لا يسمى عارية، وإنما يسمى هبة. مثل طعام: إنسان أعطاك طعاما، هذا ما يسمى عارية؛ لأنه لا يبقى، يذهب. أعطاك مالا، هذه هبة؛ لأن المال إذا استعملته وذهب. قال: وهي مستحبة؛ لدخولها في الإحسان والمعروف، أي العارية مستحبة أن الإنسان يعير غيره إذا طلب شيئا لينتفع به. والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ويقول: ﴿أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهي من باب المعروف والإحسان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "كل معروف صدقة". اختلف أهل العلم في إعارة الدلو والفأس: هل هو واجب أو مستحب؟ إعارة الدلو والفأس، وهكذا ما كان بمعنى ذلك من الأشياء اليسيرة، هل إعارتها واجبة أو مستحبة؟ من أهل العلم من ذهب إلى الوجوب، واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ في ذم من فعل ذلك. قال ابن مسعود: "كنا نرى الماعون العارية". وسئل الله أيضا بحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام في الإبل: "ومن حقها إعارة دلوها، وإعطاء قدرها، ومنحة لبنها". قالوا: هذا الدل يدل على أنه يجب إعارة الدلو. وجمهور أهل العلم على أنه مستحب. قال: إن شرط ضمانها، أو تعدى، أو فرط فيها، وإلا فلا. إذن العارية لها حالتان: الحالة الأولى أن يشترط صاحبها الضمان، وهنا تكون مضمونة مطلقا، سواء تعدى أو فرط، أو لم يتعد أو يفرط، وهنا يضمن مطلقا. مثاله: قلت لفلان: أستعير منك السيارة، قال: تفضل، لكن بشرط أنك تضمن إن حصل لها شيء من التلف. فقلت: رضيت. وهنا يضمن مطلقا. لو أنه يمشي بالسيارة -يعني- مشيا معتدلا، فجاء آخر وصدمه، ضمن. يعني يقول: أنا ما تعديت ولا فرط. يقال: ولو هذه عارية مضمونة، هذه عارية مضمونة، عليك ضمانها مطلقا. وأما إذا لم يشترط الضمان، وهذه الحالة الثانية، فهنا لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. التعدي في الاستعمال، أو في فعل ما يجب تركه، والتفريط في فعل ما لا يجوز، أو نقول: التفريط يكون في الحفظ. فإذا حصل منه تعد أو تفريط، ضمن، وإلا ليس عليه الضمان. مثلا استعار فأسا، وضرب بهذا الفأس حصى قوية ما يضرب بمثلها الفأس، فانكسر، هو ضامن؛ لأنه تعدى في الاستعمال. وهكذا مثلا استعار ذهبا، ثم وضع هذا الذهب في صالة البيت أو حوش البيت، فسرق، وهنا ضامن؛ لأنه فرط في حفظه. لكن استعار الذهب، ووضعه في الصندوق، فسرق هذا الذهب، وسرق -يعني- شيء آخر من ماله مثلا، وهنا ليس عليه ضمان؛ لأنه لم يتعد أو يفرط. والتلف في يد الأمين كالتلف في يد صاحبه. إذا استعار بهيمة، وحصل لها شيء من النقص، فإن كان هذا النقص شيئا يسيرا مما جرت به العادة أن يحصل لمثلها، فلا ضمان. مثل أن يصيبها شيء من الضعف خلال وقت العارية، وهذا شيء يحصل -يعني- في استعمال البهيمة بمثل هذا الاستعمال. لكن إذا ماتت هذه البهيمة، أو قصرت، هل يضمن في هذا؟ خلاف الصحيح أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط. منها: هل يجوز للمستعير أن يعير العارية لغيره؟ أنا استعرت مسجلة من محمد، هل لي أن أعير هذه المسجلة لعلي؟ الجواب: لا، ليس لي ذلك إلا إذا أذن لي المعير، أما من غير إذنه، فلا يجوز. مسألة أخرى: هل للمعير أن يطلب العارية متى شاء؟ أنا أعطيت السيارة لمحمد، استعارها مني لمدة يوم أو يومين، فأعرته إياها، هل لي أن أطلب السيارة متى شئت؟ الجواب: نعم، لي أن أطلب العارية متى شئت، ما لم يكن عليه ضرر. فإذا طلبت منه السيارة بعد أن أعطيته إياها، لا حرج عليه في ذلك، لكن إذا كان عليه ضرر، فلا. مثلا استعار مني السيارة لمدة يوم، أخذ السيارة وهو في نصف اليوم -يعني- ذهب مع أهله ليقضي حاجة، أو يذهب إلى قرية أخرى، اتصلت عليه وأريد السيارة، هنا عليه ضرر؛ كونه مع أهله وقد خرج من قريته، وفيه شيء من الضرر عليه، في هذا الحال لا يجوز -يعني- أن أطالبه بردها حتى يقضي حاجته أو تنتهي المدة. أما إذا لم يكن عليه ضرر، فهنا لا بأس، لي أن أطالبه برد العارية. متى يجب رد العارية؟ في هذه المسألة لها أحوال: الحالة الأولى إذا طلبها صاحبها، فإنها ترد إليه، يجب ردها إليه ما لم يكن ثم ضرر. الحالة الثانية أن ينتهي وقت العارية، هو استعار هذه العين لمدة يوم، انتهى اليوم، هنا يجب رد العارية لصاحبها. الحالة الثالثة إذا فرغ من استعمالها، وهنا يجب كذلك رد العارية لصاحبها. الحالة الرابعة إذا مات المعير، وجب رد العارية؛ لأنها أصبحت حقا للورثة. الحالة الخامسة إذا مات المستعير، فهنا يجب رد العارية لصاحبها. هل يجوز أن يؤجر هذا المستعير هذه العارية لغيره؟ الجواب: إذا أذن المعير، فلا بأس. إذا أذن المعير: أنا عندي استعارت مسجلة، هل لي أن أؤجر هذه المسجلة لشخص آخر؟ إذا استأذنت من صاحبها، وقال: لا بأس، يجوز. وإذا لم يأذن، لا يجوز أن أؤجرها من غير إذن منه، أو لم يأذن بتأجيرها، لا يجوز أن أؤجرها. فإذا أذن، جازت إجارته. وفي هذه الحال، هل يجوز للمعير أن يطلبها متى شاء؟ الجواب: لا، إذا أجرت، ليس للمعير أن يطلبها حتى ينتهي وقت الإجارة؛ لأن عقد الإجارة عقد لازم، وأما عقد العارية فهو عقد جائز. قال: الوديعة: الوديعة "فعيلة" بمعنى متروكة، هو ترك الشيء. واصطلاحا: هو حفظ -يعني- ترك الإنسان ما له عند غيره ليحفظه له. وهي أيضا -يعني- حكم حكم العارية، حيث استحب قبولها متى إذا علم الإنسان من نفسه أنه سيحفظها لصاحبها. إذا علم من نفسه أن عنده أمانة وقدرة على حفظها، فيستحب له أن يقبلها، وإلا فلا. إذا علم من نفسه أنه ما عنده استطاعة ولا قدرة على حفظ الوديعة، فإنه لا يقبلها. والدليل على -يعني- مشروعية الوديعة قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وهذا قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وجاء في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، كانت له ودائع، فوضعها عند أم أيمن، وأمر عليا رضي الله عنه بردها إلى أصحابها. قال: ومن أودع وديعة، فعليه حفظها في حرز مثلها. إن كانت الوديعة مالا أو ذهبا، ففي الصندوق. أن المال يحفظ في صندوق يقفل عليه. إن كانت الوديعة بهيمة، توضع في الزريبة. إن كانت الوديعة كتابا، توضع في المكتبة. إن كانت الوديعة سيارة، توضع تحت البيت -مثلا- بجانب البيت، وهكذا على حسب الوديعة، فتحفظ الوديعة في حرز مثلها. قال: فإذا وضعها في حرز مثلها، فحصل لها تلف من غير تعد أو تفريط، فلا ضمان عليه. كما مر معنا الكلام في العارية، الوديعة حكمها حكم العارية في نسبة للضمان. فإذا تعدى أو فرط، ضمن. نعم، فإذا تعدى أو فرط منها، فرط في حفظها، وضع المال في الحوش، أو الذهب في صالة البيت، وهي محل لدخول وخروج الناس، فسرق الذهب، هو ضامن؛ لأنه فرط في حفظه. أو دعه بهيمة خارج البيت، فأكلها السبع، هو ضامن؛ لأنه فرط في حفظها. وهكذا إذا تعدى في الاستعمال، أعطاه وديعة ذهب، أعطاه لزوجته تتجمل به في العرس، فتلف، هو ضامن؛ لأنه تعدى في استعماله. قال: ولا ينتفع بها بغير إذن ربها، لا ينتفع بهذه الوديعة إلا بإذن صاحبها. لو قال: احفظ هذا الذهب عندك، لا يجوز له أن يأخذه ويعطيه لزوجته تتجمل به إلا بإذن من صاحبه. أعطاه سيارة وديعة، لا يجوز له أن يذهب يسوقها ويتمشى بها ويقضي مشاويره بهذه السيارة إلا أن يستأذن من صاحبها. ولا ينتفع بها بغير إذن ربها، فإن أذن له، فلا بأس، وإن لم يأذن له، فلا يجوز أن يستعمل لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه". لو وضع عنده مالا، قال: هذه وديعة فضاء عندك، ما يجوز له أن يستعمله، يستعمل هذا المال إلا أن يستأذنه إذا احتاج أن يستعمل شيء منه، يستأذنه، فإن أذنه، وإلا لا يستعمل شيئا منه. إذا طلب صاحب العارية عاريته وتأخر المستعير -يعني- مثلا استعار السيارة مدة يوم، بعد اليوم، قال المعير: يا فلان، هات السيارة، قال: طيب. مضى اليوم الأول، اليوم الثاني، اليوم الثالث، أرجعها بعد ثلاثة أيام، هل للمعير أن يطالب المستعير بأجرة المثل في هذه الأيام؟ الجواب: نعم، له أن يطالبه بأجرة المثل؛ لأنه استعمل السيارة في الأيام التي زادت على الوقت المحدد، العارية بغير إذن. فهنا له أن يطالبه بأجرة المثل. يقال: أنت الآن استعملت السيارة ثلاثة أيام بعد انتهاء وقت العارية، والسيارة هذه مثلها -يعني- تؤجر في اليوم بثلاثة آلاف، عليك تسعة آلاف أجرة ثلاثة أيام، فيعطيه أجرة ثلاثة أيام إلا إذا -يعني- سامحه، وإلا فله أن يطالبه بالأجرة، له أن يطالبه بأجرة المثل. صلى الله عليه وسلم على النبي محمد، وآله وصحبه أجمعين.