الدرس في كتاب البيوع 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع، ويشترط فيه أن يكون على جهة بر وسلم من الظلم. ينعقد الوقف بالقول الدال عليه ويرجع في مصارفه وشروطه إلى شرط الواقف إذا وافق الشرع.
الأعمال التي تستمر بعد الموت هي الصدقة الجارية والعلم النافع والولد الصالح، والعلم هو أفضلها لأنه يبقى لفترات طويلة. يفصل المقطع في أنواع هذه الأعمال وأمثلتها.
يجوز بيع أرض الوقف إذا لم يعد لها نفع، واستخدام ثمنها في بناء مسجد آخر يحقق النفع. هذا الإجراء يعتبر من حسن التدبير والاستفادة من الوقف.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في كتابه «منهج السالكين»، في كتاب البيوع، باب الوقت، قال: وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع، وهو من أفضل القرب وأنفعها إذا كان على جهة بر وسلم من الظلم، لحديث: «إذا مات العبد، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم. وعن ابن عمر، قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: «يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط، هو أنفس عندي منه»، قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يهب، فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول مالا، متفق عليه. وأفضله أنفعه للمسلمين، وينعقد بالقول الدال على الوقف، ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع، ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، فيباع ويجعل في مثله أو بعض مثله. باب الوقف: الوقف في اللغة هو التحبيس والتسبيل، شرعا: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع. تحبيس الأصل أن يحبس الأصل، متصرف فيه ببيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك من التصرفات، وتسبيل المنافع: أي تستمر منفعته وينتفع بها، مثل أرض توقف مسجدا، أو مدرسة لتحفيظ القرآن، أو لتعليم علوم الشرعية، أو عمارة وقفت لطلاب العلم، أو للمساكين، فأصلها محبوس، ومنفعتها جارية مستمرة. قال: وهو من أفضل القرب وأنفعها إذا كان على جهة بر، فهو من أفضل القربات التي تقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أنفعها؛ لأن أجرها مستمر. أجرها مستمر إذا ما بقي الوقف، بقي أجره، لو بنى إنسان مسجدا، فما أقيم في هذا المسجد من صلاة، من تعليم، من قرآن، من محاضرات، من دروس، يجري أجرها لباني هذا المسجد ما دام المسجد باقيا. وهكذا إذا حفر بيرا يستقي منها الناس، إذا أوقف عمارة، إذا أوقف أرضا، وغير ذلك من أنواع الوقف الذي هو على بر، فيجري نفعه لصاحبه. هذا كان من أفضل القرب والطاعات. قال: إذا كان على جهة بر، وسلم من الظلم، كذلك لابد أن يسلم هذا الوقف من الظلم، ومن ذلك أن يوقف على بعض أولاده دون البعض، هذا من الظلم، أو يوقف وقفا على بعض زوجاته دون الأخريات، هذا من الظلم. الواقف مثل ذلك العدل، إذا أراد أن يوقف شيئا لأولاده، يوقف للجميع، أو أراد أن يوقف شيئا لزوجته ومعه زوجات أخرى، يوقف للجميع زوجاته حتى يسلم من الظلم. قال: لحديث: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، يعني إذا مات الإنسان انقطع عمله الذي يعمله في حال حياته من أعمال البر والطاعات والقربات، فإنها تنتهي إلا هذه الثلاث الأعمال مما يجري له عمله بعد موته: صدقة جارية، وهي الوقف، الصدقة الجارية هي الوقف، فهي جارية، يعني مستمرة نفعها، فيستمر له أجرها. أوقف مسجدا، عمارة، مدرسة، تحفيظ قرآن، مركز العلوم الشرعية، سيارة للدعوة، غير ذلك من الصدقات الجارية، هذا مما يبقى عمله للإنسان بعد موته. أو علم ينتفع به، أي علم العلوم الشرعية، خلف علما، درس طلابا، أخذوا منه العلم، ثم عملوا بهذا العلم وعلموه لغيرهم، جرى نفعه له. أو ألف كتبا، هذا أيضا مما يجري به وينتفع به بعد موته من العلم النافع. أو ولد صالح يدعو له، كذلك الولد الصالح هو من عمل الإنسان، فيجري له كذلك عمله بعد موته، كل ما دعا له هذا ولد صالح، كل ما انتفع بذلك. وأفضل هذه الأعمال الثلاثة هي العلم، فالعلم يبقى ما بقي ذكر صاحب العلم، أما الصدقات الجارية وإن كان فيها نفع، لكنها قد تذهب مع مرور السنوات، تذهب هذه الأوقاف وتنتهي، لكن تجد أن العلم باقيا، يتوارث طلاب العلم هذا العلم خلفا عن سلف، وهكذا، فينتفع به هذا الميت انتفاعا عظيما. ثم ذكر حديث عمر، أن عمر رضي الله عنه أصاب أرضا بخيبر، لما فتحت خيبر، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، وكانت خيبر أرض زراعية فيها نخيل، وقسمها النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه، فأصاب عمر رضي الله عنه أرضا كانت من أنفس أمواله، فجاء يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يطلب أمره ماذا يفعل في هذه الأرض، وهو يريد أن يتصدق بها ويتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، قرب ينتفع بها. فأشار الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يوقفها، قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، وهذا هو الوقف، يعني أن توقفها، تحبس الأصل وتتصدق بهذه الأرض وينتفع بها. قال: تصدق بها عمر، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب، هذا فيه أن الوقف لا يجوز بيعه، الوقف لا يجوز بيعه إلا إذا تعطلت منافعه كما سيأتي، ولا يورث كذلك، ما يرثه أقارب الموقف، بل هو وقف لله، يبقى وقفا في حال حياة الموقف وبعد موته، ولا يوهب، يعني ما يستطيع الوقف أن يهب هذا الوقف، يقول: أنا أهب هذه الأرض لفلان، أو قبيلة فلانية، أو كذا، لا، هذه وقف، ليس لك أن تتصرف فيها لا ببيع ولا بهبة. قال: فتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، ومن السبيل، والضيف، وهذا فيه أنه لا بأس أن يكون الجهة الموقفة عليها هذا الوقف جهات متعددة، لا مانع، يوقف إنسان عمارة لطلاب العلم، وللمساكين والفقراء، ولمن السبيل، وللضيف، لا حرج بذلك، أن تتعدد جهات الوقف. قال: لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، يعني الناظر الناظر على الوقف الذي يقوم على هذا الوقف ويقوم برعايته، ليس عليه جناح أن يأكل من هذا الوقف بالمعروف، أن يأكل بالمعروف، بما جرت به العادة، أن من قام مثل ذلك له، أو يستحق مثلا في الشهر ثلاثين ألفا، لا بأس أن يأكل ثلاثين ألفا كل شهر. قال: ويطعم صديقا غير متمول مالا، يعني إذا جاءه صديق مثلا، هذا الوقف عبارة عن مزرعة نخيل، لا بأس أن يطعمه شيء من التمر، أو من ثمرة هذه الأرض، غير متمول، يعني من غير أن يحمل معه شيء، وإنما يطعمه، لا بأس بذلك مما جرت به العادة. قال: وأفضله أنفعه للمسلمين، أفضل الوقف أنفعه للمسلمين، يعني ما الذي يحتاج له المسلمون، يحتاج المسلمون إلى بير، عندهم الشحة في الماء، يحتاجون إلى بير حتى يستقون الماء، فيكون الأنفع في هذه الحال أن يوقف بيرا. قال: وينعقد بالقول الدال على الوقف، ينعقد بالقول الدال على الوقف، الوقف ينعقد إما باللفظ الصريح، وإما باللفظ الذي هو كناية، يعني محتمل للوقف مع النية، أو قد يكون بالفعل. اللفظ الصريح مثل: أوقفت، أو حبست، أو وقفت، أو حبست، أو سبلت، هذه ألفاظ صريحة في الوقف. والكناية التي هي دالة على الوقف مثل: تصدقت صدقة جارية، أو أبت هذه الأرض، طيب. وبالفعل، كأن يوقف أرضا، ثم يؤذن، يؤذن ويعلم الناس بدخول الوقت لأجل أن يصلوا، معنى هذا أنه أوقفها مسجدا، عنده أرض جعل فيها مؤذن وإمام، ودعى الناس إلى الصلاة، معنى هذا أنها وقف، أنها مسجد. قال: ويرجع في مصارف الوقف وشروطه إلى شرط الواقف حيث وافق الشرع، هذا الواقف الذي أوقف هذه الأرض، أو أوقف هذه العمارة، أو أوقف هذه البير، ينظر هل عنده شرط في هذا الوقف؟ فإن قال: أنا أوقفت هذه الأرض، أو هذه العمارة لطلاب العلم، إذن لا يسكنها إلا طلاب العلم، إذا قال: هذه العمارة وقف للمساكين، فلا يسكنها إلا المساكين، وهكذا، ينظر في شرطه، فيعمل به إذا وافق الشرع. أما إذا قال: فالشرع فلا يعمل به، لو أوقف وقفا، وقال: هذا الوقف للزيارة الفلانية، وهي من الزيارات الشركية التي يشرك فيها بالله سبحانه وتعالى، هذا ما يعمل به، لماذا؟ لأنها معصية وذنب، فيغير هذا الوقف إلى ما هو أنفع لهذا الموقف. قال: ولا يباع إلا أن تتعطل منافعه، فيباع ويجعل في مثله أو بعض مثله، يقول: لا يباع الأصل، هذا الأصل أن الوقف لا يباع، لحيث عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: على أنه لا يباع أصلها، لكن إذا تعطل الوقف، تعطل الوقف، عندنا مسجد مناء، أصبح هذا المسجد مهجورا، أهله انتقلوا من هذه القرية إلى قرية أخرى، أصبحت القرية مهجورة وأصبح المسجد مهجورا، الآن تعطل هذا الوقف، تعطل، لا بأس إذا أراد أحدا أن يشتري هذه الأرض التي فيها المسجد، يباع، ثم يبنى به مسجد آخر في موضع آخر، يصلي فيه الناس حتى يحصل النفع للموقف. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم أجمعين.