الدرس في آداب الكلام والخطاب 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول آداب إعادة الكلام في الحوار والخطابة، ويحدد أسباب وأسلوب التكرار. يُشدد على أهمية الإفهام والتأكيد مع الالتزام بالحد الأقصى للتكرار وهو ثلاث مرات.
يُناقش أهمية الاستماع الجيد والإقبال على المتكلم، ويُستدل من القرآن والسنة على استقبال الخطيب واستحباب ذلك في خطبة الجمعة.
ينبغي للمسلم التحدث بالعربية والافتخار بها، وعدم خلطها بلغات أجنبية إلا عند الضرورة، لأنها لغة القرآن والوحي وأهل الجنة.
يختتم بالحديث عن أهمية الدعاء والتأثير الإيجابي للكلام، والصلاة على النبي، والتأكيد على علم الله تعالى في كل ما يُقال.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فأواصل إخواني في الله فيما يتعلق بآداب الكلام وباب التحدث والحوار، ما يكون من إعادة الكلام، أي التكرار. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه. فهذا الحديث أفاد أدبًا من آدابه عليه الصلاة والسلام عند الكلام وعند الحوار، وهو ما يكون من إعادة الكلام. وهنا مسائل نُنبِّه عليها في هذا الحديث، منها أن إعادة الكلام، إخواني في الله، في الحوار وفي الخطابة إنما يكون في حق الذي ما فهم. أما من فهم العبارة فلا يحتاج أن تكررها عليه، ويدل على ذلك هذا الحديث الذي بين أيدينا، قال أنس: كان عليه الصلاة والسلام إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه. أحيانًا أنت في كلامك وخطابك تتحدث، ولربما المستمع ما فهم العبارة التي أنت ذكرتها، فلك أن تعيد حتى تُفهم عنك، فهذا من أوجه إعادة الكلام إذا كان القصد الإفهام. وأحيانًا يكون إعادة الكلام من باب التأكيد، وهذا كذلك جاء في السنة كثيرًا، تجد أن الراوي إذا نقل حديثًا عن رسول الله قال: فأعادها ثلاثًا، وفي رواية: فكررها ثلاثًا، عليه الصلاة والسلام. فتكراره أحيانًا يأتي من باب التأكيد على هذا الحكم أو على هذا الوعيد الذي جاء ذكره، فإذًا يكون التكرار عند الحاجة، إما لقصد الإفهام وإما لقصد التوكيد كذلك. وفي هذا الحديث وفي هذا الأدب بشكل عام، فيه بيان على أن الكلام ينبغي أن يكون مفهومًا، هذا القصد من الكلام، ليس القصد من الكلام أن تتلفظ بالعبارة، لكن القصد من الكلام أن تُفهم العبارة. ومن هنا قرر عن نبينا أنه كان من دأبه وأدبه أنه إذا تكلم ووجد أن قومًا ما فهموا كلامه أعاد، لأن هذا هو القصد وهذا هو المغزى من الكلام، ومن الكلام الإفهام أن يفهمه. فمن الخطأ ما يقوم به بعض الناس أن يتكلم ويتكلم، فتجد أن المستمع يقول: يا أخي إيش تقول؟ فكون المستمع يقول: إيش تقول؟ دل على أنك ما أفهمت، وهذا خلاف السنة. السنة أنك إن تكلمت أفهمت، ولو أدى الأمر إلى التكرار، كرر العبارة كما كان هذا من دأبه عليه الصلاة والسلام إذا احتاج الناس إلى إفهام. وكذلك ثالثًا من فوائد هذا الحديث أن أقصى التكرار ثلاثًا، فمن فهم فهم، ومن لم يفهم فليس عليك أن تزيد عن ذلك، بل إن الزيادة عن الثلاث ملل ويجلب السآمة. فلك أن تأتي بالحديث أول مرة، ثاني مرة، ثالث مرة وهي الأخيرة، وبعد ذلك ليس عليك أن تكرر. فمن الخطأ أنك تكرر أكثر من ثلاث، لأن هذا هو الحد الأعلى الذي ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الأدب. إذا من آداب الكلام، إخواني في الله، ما يكون من إعادته وتكريره، كما قلنا إما لقصد الإفهام وإما لقصد التوكيد كذلك. ومن آداب الكلام والخطاب والحوار ما يكون من الإقبال بالوجه، وهذا من أدب الحوار، إذا تكلم متكلم بكلام فينبغي على من يستمع لكلامه أن يتوجه إليه، يقبل عليه ليس فقط بأذنيه، بل حتى بوجهه، تقبل عليه يا عبد الله وتستمع إلى كلامه وعباراته، وهذا هو الأدب. فليس من الأدب في الخطاب والحوار أنك يا عبد الله تعطي جنبك لمن يتكلم معك. وقد ذكر العلماء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، ذكر في تفسير هذه الآية أنك تعطي للناس خدك متى ما تكلموا معك، أي أنك ما تلتفت إليهم، دل على أن هذا من قلة الأدب والأخلاق الذي ما ينبغي أن يتصف بها المسلم المستمع. وإنما من آداب الاستماع لمن تكلم معك يا عبد الله أن تقبل عليه بأذنيك وهكذا بوجهك، ولا تصعر خدك للناس. وتأمل فيما يتعلق في أمر الصلاة، فقد جاء في الحديث الصحيح أن الله جل في علاه يوجه أو ينصب وجهه اتجاه وجه عبده في الصلاة ما لم يلتفت، سبحان الله، من عظيم قدر الصلاة عند الله جل في علاه أن الله ينصب وجهه إلى وجه عبده وهو يصلي، لكن ما لم يلتفت. فإذا التفت العبد كان يتحرك يمنة أو ينظر يسرة أو ينظر إلى الأعلى، فإذا التفت قال نبينا: أعرض الله عنه. وهكذا إخواني في الله، مما يجر الحديث في هذه المسألة من أدب الإقبال بالوجه على المتكلم ما يكون في خطبة الجمعة، في خطبة الجمعة يقوم الإمام ويخطب على المنبر، فكان من الأدب في هذا المقام أننا نحن الحضور نتوجه إليه بماذا؟ بوجوهنا، نستقبل هذا الخطيب. وكان من دأب السلف، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد وهو يتحدث عن هذه السنة، قال: وكان إذا خطب قائمًا في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم، أي الحضور ومن شهد الجمعة من أصحاب رسول الله، كانوا يستديرون إليه ماذا؟ بالوجوه، لأنه يتحدث معهم. قال ابن القيم: وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قبلهم في وقت الخطبة، فالخطيب ونبينا كان خطيبًا يختتم كلامه، وجهه إلى وجوه أصحابه ووجوه الأصحاب إلى وجهه. وهذا الذي عليه العمل، قال إمام الترمذي رحمه الله تعالى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب. فكان هذا مذهب جماهير العلماء، ومنهم من ألحقه بالوجوب، لكن هو من الأفعال المستحبة. أن إذا قام الخطيب يتحدث، الأدب أن نتوجه إليه بوجوهنا. ومن هنا نعلم خطأ بعض من يحضر للجمعة ولا يأتي بهذه السنة، فتجده ما يستقبل الخطيب، وإنما يستقبل الناس، كيف هذا؟ مثاله في بعض المساجد إذا صعد الخطيب إلى المنبر ويخطب، تجد أن بعض المصلين يستند إلى الجدار، الخطيب هنا صعد، وهذا الخطيب الحضور والحاضر للجمعة يأتي ويستند إلى الجدار الذي به يقوم الخطيب، إذن أين يكون وجه الحاضر؟ يكون للناس، أعطى ظهره للخطيب. هل هذا يجوز؟ هذا غلط، أو في السواري تجد أحد الناس للسارية يستقبل الخطيب، هذا لا إشكال فيه، شخص آخر أنه من وراء السارية يتوجه للجدار، وهذا غلط، هذا ليس من السنة في شيء. فإن تذكروا حفظكم الله، فإن من أدب الحوار أن من خاطبك ومن كلمك تتوجه إليه، وإن الأمر يعظم في حق المتكلم إن كان من أهل الفضل ومن أهل العلم. إذا كان المتكلم معك من أحد والديك، فلا ينبغي يا عبد الله ولا يجوز بحال أنك تعطيه ظهرك مثلًا أو تعطيه جنبك، والناس يغضمون. فكم من حوارات وكم من عبارات لاذعة يتكلم بها المتكلم إذا رأى المستمع أعطاه ظهرك، يا أخي اتق الله، إيش هذا؟ أتكلم معك وتعطيني ظهرك أو تعطيني جنبك؟ انظر إلي، لأن هذا يمس بسمعتهم، فكيف إذا كان هذا مع كلام عامة الناس؟ فما ظنك مع والديك أو من كان مع أهل العلم يتكلمون معك وأنت تعطيهم جنبك أو تعطيهم ظهرك؟ هذا ليس من الأدب يا عبد الله. بل إن كان مع الوالدين فإنه يخشى أن يكون من العقوق إن قصدت بذلك الترفع وعدم الانصياع لحديثهم. فهذا إذا من آداب الكلام، إخواني في الله، الإقبال بالوجه على المتكلم. وأختم به المقام ما يكون من الكلام باللغة العربية، طبعًا هذا الحديث إنما ينصب في المجتمع العربي ومن يتكلم باللغة العربية. ما الذي عليك يا عبد الله أن تتكلم به؟ تكلم بلغتك، بلهجتك، تكلم يا عبد الله باللغة العربية الذي هي لغتك ولغة من تتكلم معه. أما من كان أعجميًا فكل بلغته ولهجته. وإن من المؤسف له ما نجده من بعض الناس في مثل هذه الأزمان أنه يدخل اللغات الأجنبية في لغته، تجده يأتي بكلمة عربي وكلمات أجنبية، وقصد في ذلك المفاخرة وأنه يعرف في اللغة الإنجليزية أو في اللغة الفرنسية مثلًا. أو أنه أراد بذلك أن يترفع على أقرانه أو أن يظهر التمدن وأنه إنسان يعني رفيع المستوى وأنه يليق وأنه يفهم العصر وأن العصر يحتاج لهذه اللغة وهي اللغة الأجنبية، هذا كل يا عبد الله ما يجوز، ولا ينبغي أن يقع فيه أحد من المسلمين أنك تخلط بلغتك العربية مثل هذه اللغات الأجنبية. اعلم يا عبد الله وعليك أن تفتخر بهذه اللغة التي حباك الله بها، هي لغة جعلها ربنا جل وعلا لغة نبيه، وجعلها ربنا جل وعلا لغة كتابه، وجعلها ربنا سبحانه وتعالى هي لغة السامية للأمة الإسلامية. وما كان هذا عن لا شيء حاشا، وإنما لمغزى إذ أن الله جل وعلا كرس لهذه الأمة وهي آخر الأمم الفضيلة في كل باب. فجعل نبيها من أفضل الأمم، وجعل كتابها من أفضل الكتب، وجعل لغتها من أفضل اللغات على وجه الإطلاق، فهي اللغة العالمية. لا تظن يا عبد الله أن اللغة العربية هي لغة ما يسمى بالجنس الثالث أو ما يتعلق بالأمم المتخلّفة، فهذا عندك أنت، لكن عند من يعرف قيمة اللغة العربية يعلم أن اللغة العربية هي لغة الإعجاز، بل هي لغة الشعوب بالأمس القريب. لما كان الإسلام قد ازدهر وحتى وصل إلى ودخل إلى قعر أوروبا، غرناطة وقرطبة والأندلس وأشبيلية، تلك البلدان الإسلامية التي غزت أوروبا في قعرها، وظهر العلم ما كان من علم الدين ومن علم كذلك الصناعات والتمدن هناك، أهل أوروبا هم بأنفسهم كانوا يتعلمون اللغة العربية. بل جاءت الأخبار على أن الشباب من الأوروبيين من كان يفتخر على أقرانه على أنه يعرف اللغة العربية، سبحان الله، هكذا كان حال الغرب عندما كان أهل الإسلام أهل قوة ومكنة، وكان لهم الصولة والجولة والحضارة والتقدم، كان غيرهم من الشعوب والحضارات كأوروبا كانوا يتطفلون على لغتنا. وكان الواحد منهم يفرح ويفتخر على أقرانه إن مكن أن ينطق بكلمات من العربي، قل: تعال، أنا محمد، يفرح بهذا الكلمة ويقولون: يتكلم هذا عربي، يفتخرون بهذا. لكن لما آلت الأمور إلى ما آلت إليه، رأينا الإنهزامية في المسلمين، تجد أحد المسلمين إذا تكلم يحاول أن يظهر ماذا؟ الرطانة الأعجمية، يتكلم بالأعجمية وتكلم باللغة الإنجليزية، لا تفعل هذا. ولهذا كان من فتاوى العلماء الكراهة أنك تتكلم برطانة الأعجميين، وذلك لغير حاجة، وذلك لغير حاجة، بل تكلم يا عبد الله باللغة العربية. وقال العلماء: وهل معنى ذلك أن لا تتكلم أبدًا؟ لا، إذا احتاج الناس أن يتعلم اللغات الأجنبية له، يتعلم ذلك كما يتعلم اللغة الأجنبية أو الفرنسية أو اللغة الأفريقية أو اللغة الفارسية، وذلك للحاجة للتعليم ومعرفة للترجمة، وكذلك لنفع الإسلام والمسلمين، لحاجة من فعل ذلك لحاجة لا لعبث. فهذا ليس فيه شيء، بل جاء كذلك بعض النقولات عن بعض السلف في جواز هذا الباب. فالشاهد إخواني في الله في باب اللغة العربية ينبغي أن تكون هي اللغة الذي يتكلم بها المسلم في يومه وليلته، في صباحه ومسائه، ويفتخر بهذا، فهي اللغة القرآن، وهي اللغة التي ارتضاها الله لآخر الأمم. هذا ما يذكر في هذا المقام من مسائل وأحكام متعلقة بآداب الكلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.