كتاب الطهارة 3

كتاب الطهارة 3

الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث حلول ميتتين ودمان

يشرح الحديث النبوي الذي يستثني ميتتين ودمان من التحريم، حيث يبيح أكل ميتة الجراد والحوت والطحال والكبد من الدماء. يُوضح الأصل في تحريم الميتة والدم واستثناءات هذه القاعدة.

حكم الذباب والشراب عند وقوعه فيه

يتناول الحديث النبوي حول كيفية التعامل مع الذباب إذا وقع في الشراب، حيث يُبين أن أحد جناحيه يحتوي على داء والآخر على شفاء. يُستدل بهذا الحديث على طهارة ميتة الحشرات التي ليس لها دم سائل.

حكم قطع البهيمة وهي حية وتفسير الحديث النبوي

يشرح حكم قطع جزء من البهيمة وهي حية، ويُبين أن ما قطع منها يعتبر ميتة إذا كانت ميتتها محرمة، مع استثناءات لبعض الحالات. يُفسّر الحديث النبوي "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" ويُرتبط ببيت شعر يدل على جواز أخذ المسك من الغزال الحي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أو الحديث الرابع عشر، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد». أخرجه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعف. نعم، هذا الحديث لا يصح مرفوعا كما أشار إليه الحافظ رحمه الله عند ذكره لهذا الحديث في البلوغ، وصح موقوفا من قول ابن عمر رضي الله عنهما، وله حكم الرفع؛ لأن قوله «حلت لنا» له حكم الرفع عند أهل العلم؛ لأن الذي له التحليل هو النبي عليه الصلاة والسلام. فـ«هذا الحديث يدل على استثناء من أصل محرم»، أما الأصل الأول وهو الميتة، وأما الأصل الثاني فهو الدم. فالأصل في الميتة التحريم؛ الأصل في الميتة التحريم، قال الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهكذا الدم: ﴿وَالدَّمُ﴾ هذه الآية تدل على تحريم هذين الأصلين، وهو الميتة والدم. الميتة: كل ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية، كل ما مات حتف أنفه يعني أدركه الموت والهلاك من غير أن يذكى بأن يذبح أو ينحر، فهذا يسمى ميتة، والأصل فيها التحريم كما سمعتم في الآية. إلا أنه استثني من الميتة ميتتان كما في هذا الحديث: «حلت لنا ميتتان»، وقال: «فأما الميتتان فالجراد والحوت». كذلك أيضا الدم، الأصل فيه التحريم: ﴿وَالدَّمُ﴾ أي لا يجوز شربه أو أكله، هذا الأصل، واستثني أيضا من الدم دمان. أما الميتتان فالجراد والحوت، الجراد: الحشرة المعروفة التي تأتي على الأشجار، فالجراد حلال، وميتته حلال، يعني وجد الإنسان ميتا له أن يأكله، لا يشترط فيه التذكية، لك أن تأخذ الجراد وهو ميت فتأكله، فميتته حلال، إلا إذا كان موته بسبب تسمم أو شيء من ذلك، فهنا ما يأكل؛ لأجل دفع الضرر. وهكذا الحوت، الحوت يعني السمك، فالسمك كذلك ميتته حلال؛ لهذا الحديث «والحوت»، فإذا وجد الإنسان حوتا ميتا طافيا على سطح الماء أو مرميا في الساحل، له أن يأكله، له أن يأكله. والله عز وجل يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ متاعا لكم وللسيارة، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ صيد البحر كما قال ابن عباس: ما صيد منه حيا، وطعامه ما قذفه ميتا، فهو حلال، إلا كذلك أن يكون سبب موته تسمم أو شيء من ذلك، فهنا يترك؛ لأجل دفع الضرر. إذا الجراد والحوت ميتتهما حلال، وغير ذلك من الميتات فالأصل فيها التحريم. إنسان ماتت عليه شاة، هل يجوز له أن يأكلها؟ نقول: لا، لا يجوز؛ لأنها ميتة، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ماتت عليه ناقة أو بقرة، فهي محرمة، لا يجوز له أن يأكلها. قالوا: «وأما الدمان فالطحال والكبد»، الطحال: القطعة من الدم تكون معلقة في الكرش، عندما تذبح الشاة وتخرج كرشها تجد فيها قطعة من الدم ملصقة بها، هذا يسمى الطحال، هذه حلال، يجوز أكلها. كذلك الكبد المعروفة، فهي عبارة عن دم، ومع ذلك يجوز أكلها. وغير ذلك من الدماء فهي محرمة، لا يجوز الإنسان أن يشرب دم البهيمة عند ذبحها، هذا لا يجوز، لا يجوز شرب شيء من الدماء أو أكل شيء من الدماء إلا هذين فقط: الطحال والكبد. إذا دل الحديث على أن الأصل تحريم الميتة والدم، ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والحوت، ويستثنى من الدماء الطحال والكبد. قال: «الحديث الخامس عشر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء». أخرجه البخاري، أبو داود، وزاد: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء». هذا الحديث أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه إذا وقع الذباب -والذباب كل حشرة صغيرة كالذباب المعروف وما كان مثله- فإنه يأخذ حكمه، فيدخل فيه النحل، وربما البعوض أيضا ونحوها. إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب إذا وقع في الشراب أن يغمس يعني تغمسه كاملا. لماذا؟ قال: «ثم لينزعه» يعني تغمسه ثم تخرج هذا الذباب. قال: «فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء»، في أحد جناحيه داء يعني مرض، وفي الآخر أي الجناح الآخر الشفاء. فهو إذا وقع في الشراب يتقي كما في رواية أبي داود «بجناحه الذي فيه الداء» يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فحينئذ إذا غمسته يلتقي الجناحين، يلتقي الجناحان: الجناح الذي فيه الداء مع الجناح الذي فيه الدواء، ويحصل بذلك السلامة من هذا الداء. فدل الحديث على أنه يفعل ذلك في الشراب إذا وقع فيه الذباب، أنه يغمس ثم يرمى. فإن قال قائل: أنا نفسي لا تتحمل أن أشرب الشراب وقع فيه الذباب، نقول: طيب، لا بأس، إذا ما قبلت هذا نفسك، لكن لا تنكر هذه السنة أو تعارضها. إذا كان لا تقبل ذلك اغمسها وانزعها وعطها لغيرك يشرب هذا الشراب، وليس في هذا شيء. أما كونك مثلا ترد هذا الحديث بعقلك أو رأيك كما يفعل بعض العقلانيين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به في هذا الحديث، وأن هذا يعني شيء يتعلق بالطب وكذا، ورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم بعقله ورأيه، لا هذا لا ينبغي ولا يجوز. إن استطعت أن تفعل ذلك وتشرب الشراب فالحمد لله، ما استطعت اغمسه وعطيه لغيرك يشرب هذا الشراب. والشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب -باب المياه- أن غمس الذباب في الشراب لا شك أنه سيؤدي إلى موته، وخاصة إذا كان الشراب حارا ستموت هذه الذبابة، وإذا ماتت صارت ميتة، وهي حينئذ تغمس في الشراب، ثم أوصل النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن يشرب أن تغمس وترمى ويشرب الإنسان هذا الشراب، معنى هذا أن هذا الشراب طاهر، أنه طاهر. وأن غمس هذه الذبابة في الشراب لا يؤثر في هذا الشراب، واستدل به أهل العلم على أن الذباب وما كان مثله أو في معنى أن ميتته طاهرة، أن ميتته طاهرة، وهو كل حشرة ليس لها دم سائل، ليس لها نفس سائلة أو دم سائل، فهذه ميتتها طاهرة كالذباب وما كان مثله، العنكبوت، نعم، ونحو ذلك من مثل هذه الحشرات التي ليس لها دم يسيل، فميتتها طاهرة. النمل ونحو ذلك، واستدلوا بهذا الحديث؛ لأن غمس الذباب في الشراب سيؤدي إلى موته، ومع ذلك فإنه يشرب هذا الشراب، فلا تؤثر هذه الميتة، ولو كانت نجسة لما أمر بشرب الشراب بعد غمسها، لو كانت نجسة لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغمس في الشراب، فكونه أمر بذلك دل هذا على طهارتها. ولهذا قال العلاس: «في تحريم الميتة هو احتقان الدم»، هو احتقان الدم في جسدها، ولهذا إذا ذكيت إذا ذكيت وذبحت حلت؛ لأن الدم يخرج منها، وإذا ماتت من غير تذكية يبقى الدم يعني في عروقها وفي جسدها، فلهذا حرمت؛ لأن في ذلك ضرر في أكلها مع وجود الدم في داخلها، والله أعلم. قال: «الحديث السادس عشر، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة». أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه. نعم، هذا الحديث «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»، البهيمة مثلا الشاة، إذا أراد الإنسان يقطع منها جزءا وهي حية، وهي حية مثلا يقطع ذيلها، تكون مثلا كالضان مثلا ذات ذيل مليء بالشحم، فيقول نقطع منها قطعة ونطبخ لنا مرقا بدلا نذبحها، نجعلها حية ونأخذ شيء من مؤخرتها ونطبخه مرقا ونشربه، فهذا الذي يقطع منها وهي حية حكمه أنه ميتة، والميتة محرمة، هذا معنى الحديث. «ما قطع من البهيمة وهي حية» وهي حية هذه الجملة الاسمية في نصب الحال، حالة كونية حية، حية فهو ميتة، يعتبر ما قطع حكمه حكم الميتة، والميتة محرمة، لا يجوز أكلها. إذا قطع الإنسان يعني شيء من اللحم من فخذ البهيمة مثلا أو من أي موضع من جسدها وهي حية، فيعتبر حكمه حكم الميتة، حكمه حكم الميتة. طبعا هذا إذا كانت هذه البهيمة ميتتها حرام، إذا كانت ميتتها محرمة كبهيمة الأنعام ونحوها، الخيل كذلك مثلا، الغزال، الوعل، إلى آخر ذلك مما يجوز أكله وهو ميتته محرمة. لكن إذا كانت ميتته حلال، إذا كانت ميتته حلال، وهذا مما يستثنى من هذا الحديث، ما كانت ميتته حلال، فما قطع منه وهو حي فليس بميته، ما كان ميتته حلال فما قطع منه وهو حي فليس بميته، مثل الجراد والحوت، مرة معنا في حديث من عمر أن مما يستثنى من الميتة الجراد والحوت، فإذا قطع الإنسان شيء من الحوت وهو حي أو إذا نعم وهو حي، فهو حلال، ليس بميته؛ لأن ميتته هو إيش حلال، ميتة الحوت حلال، فلو قطع منه هو حي قطعة فهو حلال. كذلك الجراد ميتته حلالة حلال، وأن إنسان قطعه بالنص مثلا وهو حي فهو ليس ميتة؛ لأن ميتته حلال، فيجوز أكله. إذا ما كانت ميتته طاهرة أو حلال، فما قطع منه فهو حلال، وما كان ميتته محرمة فما قطع منه وهو حي فهو ميتة، يعني يكون حكم ما قطع حكم ما قطع منه حال موته، إن كان حلالا فهو حلال، وإن كان محرما فهو محرم. واستثنى كذلك أهل العلم مما قد يقطع من البهيمة ويحي ولا يكون ميتة، استثنوا من ذلك غير السمك والجراد ما قطع بين المهيمة حال تذكيتها، من قطع من البهيمة حال تذكيتها فإنه يكون حلالا. يعني أرادوا أن يذبحوا شاتا أو يصيدوا غزالا أو ينحروا ناقة فاستعصت عليهم، استعصت عليهم وحاولوا إمساكها فما استطاعوا، فهذا يضر من هنا وهذا من هنا، وهذا قطع قطعة حتى أتوا عليها فذكيت، فما قطع منها حال إرادة تذكيتها هذا يلحق بأصلها، يعني يكون حلالا، يكون حلال ما قطع منها حالة تذكية لقصد تذكيتها، فهذا حلال. طيب، كذلك أيضا استثنى أهل العلم المسك، المسك تعرفون هذا المسك الطيب، هو أطيب الطيب كما قال نبي عليه الصلاة والسلام، المسك من أين يستخرج؟ من الغزال، هو عبارة عن دم يتجمع في صورة الغزال، ثم يعني يربط أو كذا فيجري حتى يسقط منه، فإذا سقط منه وجف وكذا يرجع مسك طيب، هذا الطيب حلال باتفاق أهل العلم، حلال باتفاق أهل العلم، مع أنه يستخرج من الغزال هو حي، والغزال ميتته محرمة، والغزال ميتته محرمة، ومع ذلك فهو حلال، هذا مما يستثنى من هذا الحديث. وفي هذا يقول القائل: «وَإِنْ تَفِقِ الْأَنَامُ وَأَنْتَ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ» وإن تفق الأنام يعني الخلق والناس، وأنت منهم أنت من الناس، فإن المسك بعض دم الغزال، مع ذلك فالمسك ليس كالدم في الطيب وحسن الطيب، الرائحة والنفع. نعم، هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة». إلى هنا صلى الله عليه وسلم ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.