التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 16

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 16

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في صفات المنافقين والمؤمنين

يبدأ شيخ الإسلام ابن تيمية بشرح صفات المنافقين والمؤمنين كما وردت في القرآن والسنة، مبينا الاختلاف بينهم في القلوب والأعمال. يوضح أن المنافقين يتشابهون لتحقيق مصالح مشتركة بينما المؤمنين يحبون وينصرون بعضهم البعض.

تفصيل أقسام الأعمال وصفات الفريقين

يتطرق المقطع إلى أقسام الأعمال التي يقوم بها الإنسان، سواء كانت فعل أو ترك، أو أمر أو نهي، ويوضح صفات المؤمنين والمنافقين في مختلف هذه الأعمال مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنفاق في سبيل الله.

تفسير ابن تيمية للمجاز في القرآن وتطبيقه

يشرح ابن تيمية رأيه في المجاز في اللغة والقرآن ويقارن بين آيات المنافقين والمؤمنين، ويوضح معاني بعض الآيات مثل قبض الأيدي والزكاة والصلاة، مما يبين الفرق بين الفريقين.

تمهيد لدرس قادم وتوضيح الغرض

يتم في هذا الجزء تمهيد قاعدة لما سيذكره لاحقا، ويتم الإشارة إلى أن التفصيل سيأتي في درس قادم إن شاء الله، مما يدل على أهمية ما سيتم شرحه لاحقا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعدما ذكر بعض المقارنات بين الكفار وبين أهل الإيمان في قول الله جل وعلا: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، قال: «منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهاجر إلى المدينة، صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن، ومنافق، وكافر». فأما الكافر، فهو المظهر للكفر، فأمره بين. وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة، فإنها هي التي تخاف على أهل القبلة. يعني يقول شيخ الإسلام: إن الكافر المظهر للكفر أمره بين، لكن الذي يخاف هو ما جاء عن المنافقين وصفات المنافقين، لأن النفاق كما ذكرنا قبل عن الحسن: «ما أمنه إلا مؤمن، ولا خافه إلا منافق». وكان الصحابة رضي الله عنهم يخافون على أنفسهم النفاق، حتى جاء في البخاري أن حذيفة وقف على حلقة عبد الله بن مسعود، كما قال أبو غياث، فقال: «قد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على من هو خير منكم، فأكبهم الله عز وجل في النار». فابتسم عبد الله بن مسعود، وقام على أنه اكتسى معنا، تأييدا لما قاله حذيفة: «وأن الله عز وجل أدخل ناسا النار من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام»، فلهذا أمرهم يخاف على أهل القبلة. قال: «فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض». ونحاول إن شاء الله تعالى أن نعلق تعليقا يسيرا، لأن الكتاب كبير. ومعنى أفضل ما يعطى: أننا نفهم ما في الكتاب. قال: «وقال في المؤمنين: بعضهم أولياء بعض». وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم، وهم مع ذلك «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى»، فليست قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يأمونه مشتركا بينهم. هذا قد قررناه في باب الذكر، ثم يتخلى بعضهم عن بعض، بخلاف المؤمن، فإنه يحب المؤمن وينصره بظهر الغيب. وأما أهل النفاق، فإنما يتوادون للمصلحة. وهذا أيضا الذي ذكره الله عز وجل عن اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال: «وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان، أن أهل الإيمان يحب بعضهم بعضا وإن تناءت بهم الديار، تباعدت الديار، وكذلك تباعد الزمان». فقال الله عز وجل في أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. قال: «ثم وصف سبحانه كل واحدة من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم وفي غيرهم». وكلمات الله جوامع، وكلمات الله جوامع، وذلك أنه لما كانت أعمال المرء متعلقة بدينه، فهي نوعان: أحدها أن يعمل ويترك، والثاني أن يأمر غيره بالفعل والترك. هذا حاصل للأعمال: إما عمل، وإما ترك، أو أمر بالفعل، أو بالترك. قال: «ثم فعله إما أن يكون يختص هو بنفعه، أو بنفع به غيره». وصارت الأقسام ثلاثة، ليس لهم رابع. أحدها: ما يقوم بالعامل، ولا يتعلق بغيره، كالصلاة مثلا. والثاني: ما يعمل لنفع غيره، كالزكاة؛ لأنه يعطي غيره هذا المال. والثالث: ما يأمر غيره أن يفعله، فيكون الغير هو العامل، وحظه هو الأمر به. وقال سبحانه في صفة المنافقين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، بإزائه في صفة المؤمنين: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. يعني يأمر غيره أن يفعله، وينهى غيره أن يتركه، لكن العكس صار عند المنافقين: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. قال: «والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، والمنكر اسم جامع لكل ما نهى الله عنه». ثم قال: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال مجاهد: «يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله». فعنى في صفة المنافقين. قال: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، يعني ما ينفقون في سبيل الله؛ لأنهم لا يرجون ثواب الله. وقال قتادة: «يقبضون أيديهم عن كل خير». فمجاهد أشار إلى النفع بالمال، وقتادة أشار إلى النفع بالمال والبدن: «أن يقبضون أيديهم عن كل خير»، ما يساهمون في الخير مع الناس، إذا كان سينفع غيرهم إلا رياء وسمعة. وأما عن إخلاص لأجل أن ينتفع غيرهم، فلا يفعلون. قالوا: «قبض اليد عبارة عن الإمساك»، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. قال في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. فالقبض هنا أراد الشيخ رحمه الله نبين أن المراد بقبض اليد هو عبارة عن الإمساك عن المال. قالوا: «هي حقيقة عرفية ظاهرة من اللفظ، أو هي مجاز مشهور». وأراد بالمجاز المشهور: أنه ما يذكرونه على أنه مجاز، ومعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يرى المجاز في اللغة ولا في القرآن، من باب أولى. وإنما هو أسلوب من أساليب العرب. وأيضا لم يذكر هذا المجاز عن أحد من الأئمة المعروفين: كمالك، وأحمد، واللوزاعي، والشافعي، وغيرهم. ولا أيضا أئمة النحو: أئمة النحو لم يذكر المجاز كسيبويه والخليل وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم. فلهذا فهو إنما جاء متأخرا عن بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة. قال رحمه الله: «وفي قوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، بإزاء قبض الأيديهم قوله في المؤمنين: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾». يعني يقابل قبض الأيدي عند المنافقين يقابله عند المؤمنين: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. إن الزكاة وإن كانت قد صارت حقيقة عرفية في الزكاة المفروضة، فإنها اسم لكل نفع للخلق من نفع بدني أو مالي. فالوجهان هناك كالوجهين في قبض اليد. قال: «ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾». ونسيان الله ترك ذكره. وبإزاء ذلك في كلامه على المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وهنا قال: وبإزاء ذلك في صفة المؤمنين: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. فإن الصلاة أيضا تعم الصلاة المفروضة والتطوع، وقد يدخل فيها كل ذكر الله: إما لفظا، وإما معنى. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة، وإن كنت في السوق». وهذا لم يثبت، أو لم يأت. والظاهر أنه ذكره بالمعنى. جاء عن بعض التابعين، أما عن ابن مسعود لم يأت. قال: «وقال معاذ: مدارسة العلم تسبيح طيب». هذا الآن أراد الشيخ الإسلام نبين أن من ارتبط بالله وأقام الصلاة، وكذلك أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو مع الله وفي عبادة الله جل وعلا. وأما أولئك المنافقون، فهم نسوا الله وتركوا عبادة الله، فتركهم الله عز وجل. وأيضا يتركهم جل وعلا في العذاب كما تقدم. ثم ذكر ما وعد الله به المنافقين والكفار من النار، ومن اللعنة، ومن العذاب المقيم. وبإزائه ما وعد المؤمنين من الجنة والرضوان من الرحمة. ثم معنى أنه يقارن بين كلام الله عز وجل في المنافقين وكلامه في أهل الإيمان. ومن ذلك الجزاء الذي رتبه الله عز وجل للكفار المنافقين، وكذلك لأهل الإيمان بالجنة والرضوان. ثم في ترتيب الكلمات وألفاظها أسرار كثيرة، ليس هذا موضعها. وإنما الغرض تمهيد قاعدة لما سنذكره إن شاء الله. طيب إن شاء الله نكتبه، هذا ونفرده لدرس قادم إن شاء الله.