الدرس في التعليق على الجواب الكافي 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح تأثير الذنوب على العبد في الدنيا والآخرة وتأثيرها على قلبه وعبادته. الذنوب تضر العبد وقد تؤدي إلى البعد عن الله.
يتحدث عن تحول إبليس إلى الكفر وعقوبة الله للكافرين مثل قوم نوح وعاد وثمود. يشمل أيضًا آراء الفقهاء في عقوبة اللوطي.
يذكر أمثلة على العقوبات الإلهية للأمم السابقة بسبب ذنوبهم مثل قوم شعيب وفرعون. ويبين أن عدم الإيمان والعصيان يؤدي إلى العقوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، فلنقضِعْ إلى ما كنا فيه من ذكر دواع الذنوب الذي إن استمر أفسد دنيا العبد وآخرته. قد تقدم معنا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن العبد إذا عمل بالذنب نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإن هو عاد فإن هو تاب سُقِلَ قلبه، فإن هو عاد عادت حتى تعلو على قلبه الرَّان الذي قال الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، فإذا جعل الله عز وجل على قلبه الرَّان فيصده عن الخير، فيكون فسادًا له في الدنيا والآخرة». قال: فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ وضررها محقق، وقد لا يشعر الإنسان بضررها. يظن بعض الناس أن الضرر هو العقوبة التي يراها، فقد يكون ضرر الذنوب على الإنسان نفسه في عبادته، في بعده عن الله، أنه يجد نفسه أنه ليس كما كان بسبب هذه الذنوب، فيبعد عن الله عز وجل وتقل عبادته. قال رحمه الله: فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ إنه الذنب. أخرج الأبوين من الجنة آدم وحواء. قالوا: من الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، وجعل صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع؟ إنه الله عز وجل بيّن أنه ماكر وأنه من أخبث الخلق وأنه يوسوس للإنسان، فلهذا فباطنه أقبح من صورته وأشنع. قالوا: وبدل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنًا، وبالجمال قُبْحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبفعل التسبيح والتقديس والتهليل -لأنه كان مع الملائكة- سجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش. معنى أنه تبدل أمره إلى هذه الأمور بعدما كان من أهل التسبيح والتقديس. قالوا: بلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت، فأرداه فصار قوادًا لكل فاسد ومجرم، على قدوة لكل هؤلاء، هو الذي يقودهم إلى ذلك، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذًا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك. وهذا سبب تكبره، أنه لا يريد أن يسجد لآدم تكبرًا، وكان من الكافرين. قالوا: أهلك الله عز وجل أهل الأرض كلهم، حتى على الماء فوق رؤوس الجبال، كقوم نوح. ومن الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم ودوابهم ومواشيهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ ومن الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ ومن الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم؟ ولإخوانهم أمثال ذلك من العقوبات، وليسوا من الظالمين ببعيد. أي: هذه العقوبة ولهذا استدل ابن عباس بهذه الآية على أن اللوطي يرمى من فوق شاهق، ثم يرمى عليه الحجارة حتى يموت. قال: وأفتى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنهم يحرقون بالنار. وقد اتفق كما قال ابن القيم وغيره، اتفق الشيخ الإسلام أيضًا، قال: اتفق الصحابة على قتله -أي على قتل اللوطي- وإنما اختلفوا في الكيفية. وذهب جمهور العلماء على قتله، ولم يخالف إلا أبو حنيفة، فقال: فإن عقوبته عقوبة الزنا. وإلا فإنه يقتل، وهذا الذي اتفق عليه الصحابة. قال: وما الذي أرسل على قوم شعيب من سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟ قالوا: هذا لما أرسل الله عز وجل عليهم سحابة الظلل، ظنوا أنها تظلهم، فلما صارت فوقهم أمطرت على رؤوسهم نارًا. مثل ما فعل الله عز وجل أيضًا بعاد الأخرى، أنه أرسل عليهم سحابًا، فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم، قالوا: هذا عارض ممطرنا، هذه السحاب فتمطر. فقال الله عز وجل: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب شديد﴾. قالوا: من الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب ياسين الصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال؟ ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرًا؟ إن كل هذا عقوبات من الله بسبب الذنوب. قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم -هو العباس الدمشقي- قال: حدثنا صفوان بن عمر -وهو أيضًا دمشقي- قال: حدثني زبير -عبد الرحمن بن جبير بن نفير- عن أبيه -جبير بن نفير- وهو حضرمي لكنه من سكان الشام، قال: نزلوا بالشام، قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: «ويحك يا جبير، ما أهول الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى». وهذا الأثر صحيح، صحيح عن أبي الدرداء. كانوا نصارى على دينهم الصحيح، لكنهم لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به، فعصوا الله عز وجل وانهمكوا في الذنوب والمعاصي، فجاء الله عز وجل بعقوبته فصاروا إلى ما ترى.