الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمه جبريل الوضوء والصلاة، وكان ذلك بداية رسالته. ثم توقف الوحي لفترة قبل أن يعود مرة أخرى.
علم جبريل الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية الوضوء والصلاة، وكانت الصلاة ركعتين محكمتين في هذا الوقت. استند ذلك إلى حديث زيد بن حارثة.
اختلف العلماء في أول صلاة فرضت على الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال ركعتان في الفجر والعصر، ومنهم من قال قيام الليل مستدلين بآيات وأحاديث مختلفة.
اختتم الدرس بالتأكيد على متابعة أحكام الوحي في دروس قادمة، ودعا الله أن ينفع بما قاله ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم في المئية: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان محكمة. بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الأبيات السابقة، والتي من خلالها علمنا ما يتعلق بنزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في غار حراء، وكان ذلك في يوم الاثنين مع اختلاف في الشهر، هل هو في رمضان أم في غيره؟ ومر الكلام على ذلك، ذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى ما كان من نزول الأحكام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: ثم الوضوء والصلاة علمه، أي بعدما إنزال ما كان من الآيات القرآنية من ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، قال: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان محكمة. والمؤلف رحمه الله تعالى لم يتطرق إلى مسألة فتور الوحي، وهي المدة التي تأخر فيها الوحي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أن بعد حادثة نزول الوحي في غار حراء وما كان من خوفه عليه الصلاة والسلام من ذلك، انقطع الوحي فترة من الزمن، انقطع الوحي فترة من الزمن حتى أن من العلماء من ذكر أن هذا الانقطاع دام لسنوات، وهذا ليس بصحيح. والذي عليه العلماء كما أثر هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن انقطاع الوحي استمر لعدة أيام، لعدة أيام هذا هو الصواب، ورجح ذلك جماعة من أهل العلم. وما يذكر كذلك في مسألة فتور الوحي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصعد إلى الجبال، وكان ربما كان يقف على الشواهق من الجبال لكي يتردى من فوق، لشدة حزنه وما وجد في قلبه من الوحي، فكان جبريل يظهر له ويقول له: «إنك لرسول الله حقا»، يثبته ويصبره، فكان يغير رأيه الذي قد عزم على أن يتردى صلى الله عليه وسلم. هذا كذلك، وإن كانت له شهرة في كتب السيرة، إلا أن هذا لا يصح، وهذا الأثر وهذه اللفظة من صعوده إلى شاهق وما كان من نية التردي، هذا إن جاء في البخاري لكن ليس على شرط البخاري، إذ أنها جاءت منقطعة، فهي من بلاغات الزهري كما أشار إلى ذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، فهي معضلة. فهي من حيث الإسناد لم تصح، وهي ليست على شرط البخاري. زد على ذلك أن من حيث المعنى هي كذلك منكرة، كما انتقد ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، إذ أن فيه أن النبي عزم على الانتحار، وهذا لا يمكن أن يصدر من رسول الله عليه الصلاة والسلام. فما يذكر من أن النبي وصل به الحزن إلى هذا الحد إلى أن يفكر جديا في الانتحار لم يثبت، فلم يصح هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. بقي مسألة: لماذا تأخر الوحي؟ قال العلماء: وذلك لأمرين اثنين، تأخر الوحي عمدا عن رسول الله لأمرين اثنين. الأمر الأول: وذلك لإبعاد حالة الخوف والذعر التي أصابته عليه الصلاة والسلام حتى يهدأ روعه فيذهب ما به من خوف. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: لكي يشتاق ليأتيه الشوق والمحبة والتطلع والتلهف لنزول الوحي مرة أخرى. وكان كذلك، فكان رسول الله يتقصد أن ينزل عليه الوحي مرة أخرى، فكان هذا من حكمة الله جل وعلا في مسألة فتور الوحي. ثم نزل الوحي مرة أخرى، ونزول الوحي قد أخبرنا عنه نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه، فكما جاء من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، ورفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني في حراء جالس على كرسي بين السماء والأرض»، جالس على كرسي بين السماء والأرض، قال: «فرعبت منه فقلت: زملوني»، أي ذهب إلى بيته وهو خائف من هذا المنظر للمرة الثانية، لكن على حقيقة جبريل عليه السلام. وجاء في رواية: «وله ستمائة جناح»، وله ستمائة جناح، قال: «فقلت: زملوني زملوني»، وأنزل الله: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. ثم قال الراوي: قال: «فحمي الوحي وتتابع»، فحمي الوحي أي استمر بالنزول مباشرة وتتابع على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذه هي مسألة ماذا أول الآيات نزولا بعد انقطاع الوحي؟ أن نزل عليه أوائل سورة المدثر. قال ابن كثير رحمه الله تعالى مبينا هذه المرحلة وما كان من التغيرات: «وقام حينئذ رسول الله في الرسالة أتم القيام، وشمر عن ساقي العزم، ودعا إلى الله القريب والبعيد والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد». فقام نبينا بأمر الدعوة، علم من خلال الوحي أنه مرسل من قبل ربه جل وعلا. فقال الناظم رحمه الله تعالى: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان محكمة. أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يبين من أوائل ما نزل من الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام بعدما حمي وتتابع ما كان من فريضة الطهارة، أي الوضوء مع الصلاة، فكان ذلك من أول ما نزل من الأحكام. ويدل على ذلك ما جاء من حديث زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن جبريل عليه السلام أتاه أي أتى رسول الله أتاه في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء والصلاة». وهذا الأثر رواه أحمد وابن ماجه والطبراني، وصححه شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. وإن كان جماعة من العلماء على تضعيفه وإعلاله، إلا أن الحديث له شواهد. قال: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان محكمة. ثم بعدما تعلم نبينا صلى الله عليه وسلم من جبريل أمر الطهارة والصلاة، علم أهله، علم خديجة رضي الله تعالى عنها. وهذا، فإن كان من دلالة دلالة على عظم أمر الصلاة؛ لأنها هي صلة بين العبد وبين ربه. أما مسألة الوضوء، فلا إشكال فيها من أنها فرضت مع الصلاة، إذ أنه لم يعرف ولم يؤثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه صلى صلاة من غير وضوء، وهذا بالإجماع كما حكى ذلك ابن عبد البر رحمه الله. بالإجماع لم يعرف ولم يُعهد أن رسول الله صلى صلاة من غير طهارة، بل الصلاة جاءت مقرونة بالطهارة، مقرونة بالطهارة. فكانت الصلاة قد فرضت ومعها الطهارة، هذا أمر متفق عليه. بقي أمر الصلاة: ما هي الصلاة التي صلاها نبينا عليه الصلاة والسلام حينما بعثه الله بالنبوة والرسالة؟ كما قلنا: الذي يعرفه الناس قاطبة أن الصلوات الخمس متى فرضت؟ فرضت في حادثة الإسراء والمعراج، وهذا قد وقعت بعد سنوات من نبوته. فمن خلال نبوته إلى مسألة الإسراء، هنا في هذه الفترة أمر الله نبيه أن يصلي، ما هذه الصلاة التي صلاها نبينا عليه الصلاة والسلام؟ وكما قلنا: وعلى قول أي صلاة، فهي كانت بطهارة، وهذا متفق عليه. وإنما وقع الخلاف بين العلماء في تحديد ما هي الصلاة التي صلاها نبينا عليه الصلاة والسلام. هنا الناظم رحمه الله في هذا البيت قال: ثم الوضوء والصلاة علمه جبريل وهي ركعتان ركعتان محكمة. الذي نقل عن جماعة من أهل العلم على أن الصلاة التي أول ما فرضت على رسول الله عليه الصلاة والسلام عبارة عن صلاتين يصليهما، وهما كذلك عبارة عن ركعتين، فهما صلاتان وكل صلاة عبارة عن ركعتين، هذا أول ما بدأ به نبينا عليه الصلاة والسلام صلاة، وكان مفروضا، وكانت هذه الصلاة مفروضا عليه فرضا. ومن ذهب إلى هذا القول استدل بقول الله عز وجل: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾، قالوا: تأويل هذه الآية إنما يتعلق بالصلاة التي فرضت على نبينا في أول أمره. فالصلاة الأولى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، قالوا: وهي صلاة الفجر، قبل أن تطلع الشمس، وهي صلاة الفجر، هذه قد فرضت عليه أول ما فرضت. والصلاة الثانية: قبل غروب الشمس، قبل أن تغرب الشمس، كان نبينا يقوم ويصلي ركعتين، قالوا: إذن هي في وقت العصر، هي في وقت العصر. وهذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، قال: وهما ركعتان محكمة، ركعتين صليمة في الفجر وركعتين في العصر قبل غروب الشمس، فقط ما كان هناك غير هذه الصلوات التي كان يصليها نبينا عليه الصلاة والسلام. طبعا هذه المسألة ليس فيها دليل صحيح صريح، من يقول بهذا القول، ومن يتبنى هذا القول ليس عليه دليل صحيح صريح. نعم، قول مشهور اشتهر عند كثير من أهل العلم من المتأخرين، خاصة الكثير تبنى هذا القول، وإن كان في الأقدمين قلة من تبنى هذا القول. لهذا نقل عن قتادة وعن بعض العلماء. وكدليل نصي ليس لنا في هذا سنة متبعة بحيث نستمسك بها، وجاءت أحاديث كما قلنا، لكنها ضعيفة معلة، لم يثبت منها شيء، وضعفها جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم من قال: بل حتى هذا القول لا يلتفت إليه، إنما هو اجتهاد محض، اجتهاد محض. طيب إذا قلنا: هل هناك قول آخر؟ نعم، هناك قول آخر لبعض العلماء في موضوع الصلاة التي كان نبينا يصليها قبل صلوات الخمس، وما هي؟ قال: قيام الليل، قيام الليل، هذا مما فرض على نبينا كصلاة يصليها، ثم جاء النسخ بعد ذلك. ومن ذهب إلى هذا القول استدل بما جاء من حديث سعد بن هشام أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن قيام رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت: «ألست تقرأ يا أيها المزمل؟»، قال سعد: بلى، فقالت: «إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله وأصحابه حولا كاملا»، أي سنة كاملة على ذلك، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. وعلى هذا القول، هذا قول أشار إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم على أن الصلاة أول ما فرضت من الصلوات هي قيام الليل. وكان حتى أن قيام الليل في وقته، أي في وقت مبعثه، لم يكن هناك لها وقت محدد، ولا عدد محدد، وإنما يصلي يصلي هو وأصحابه ومن آمن به، يصلون ما شاء من العدد في أي الأوقات الليلية، يصلون ما شاء من الصلاة يتقربون إلى الله بذلك جل وعلا. ثم بعد ذلك رفع حكم القيام، أي فرضا، وجعل ماذا؟ سنة وندبا، وجعل سنة وندبا. هذا، ما يتعلق بأمر الصلاة التي فرضت على رسول الله في أول مبعثه، فهم على أقوال. فمن أهل العلم كالناظم ذهب إلى أن أول ما فرض من الصلاة عبارة عن ركعتين ركعتين يصليهما في الصباح في الفجر وفي العصر فقط. ومنهم من قال: لم تنفرض عليه شيء من هذه الأوقات، وإنما فرض عليه قيام الليل، ثم بعد ذلك نزلت الصلوات الخمس. هذا ما يذكر في هذه المسائل، وإن شاء الله يترك ما يتعلق بأحكام الوحي وتتابعه في دروس قادمة. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.