التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 188

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 188

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 188، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم إنزال المحاصرين على حكم الله واختلاف العلماء

يناقش المقطع النهي عن إنزال أهل الحصن على حكم الله مطلقاً خشية خطأ المجتهد، مبيناً قولين للعلماء في عموم النهي وخصوصه بزمن التشريع. ويرجح ابن عثيمين وابن باز أن يقول القائد: سأنزلكم على ما أجتهد فيه من حكم الله.

آداب سؤال المفتي ووجوب الوفاء بالعهد مع الكفار

يوضح المقطع آداب سؤال المفتي محذراً من إلزامه بالعصمة في المسائل الاجتهادية، مستدلاً بأجر المجتهد. ثم ينتقل لبيان أحكام العهد مع الكفار من وجوب الوفاء ما استقاموا، وسقوطه وجواز القتال إذا نقضوه، مع تحديد مدته.

نقض اليهود للعهود وقاعدة نبذ العهد عند الخيانة

يستعرض المقطع نقض قبائل اليهود لعهودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وما ترتب عليه من محاصرة وإجلاء، مبيناً قاعدة نبذ العهد عند الخوف من الخيانة. ويقارن بين التزام الإسلام بتحريم قتل غير المقاتلين وإحسان المعاملة، وبين وحشية الكفار وسعيهم للمصالح الدنيوية.

مبادرة الكفار بنقض العهود وقتال الناكثين

يؤكد المقطع أن المسلمين قاتلوا من نقض العهد في المرتين الثانية والثالثة فقط، مبيناً أن المبادرة بالنقض كانت من الكفار لا من المسلمين. ويشير إلى وجود فروق أخرى بين الجهاد الإسلامي وغيره سيتم تناولها في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه لباب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وقفنا عند قوله: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا». قوله هنا: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله»، ما معنى أن تنزلهم على حكم الله؟ يعني قالوا: أنزلنا على شرع الله، نريد أن تنزلنا وتحكم فينا بشرع الله. فقال هنا: «لا تنزلهم على حكم الله»، لماذا؟ علل ذلك في آخر الحديث قال: «فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا». بمعنى: لعلك إن قلت لهم: نعم، سأحكم فيكم بحكم الله، تكون مجتهدًا فتخطئ في الحكم الشرعي. هذا هو المراد. ولكن قل لهم: أنزلكم بحكمي، فإن أصبت الشرع فالحمد لله، وإن لم تصب الشرع فيكون الحكم حكمك، لا حكم الشرع. وهنا مسألة اختلف فيها العلماء، وهي: هل هذا الأمر خاص بوقت النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أنه وقت التنزيل والتشريع، ولربما وقت النسخ، أم أنه عام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيما بعده من عصور أهل الإسلام؟ على قولين: القول الأول: أن هذا الحكم خاص بزمن التشريع. ما هو الحكم؟ أن لا ينزل العدو على شرع الله أو على حكم الله. هذا قالوا: خاص بزمن التشريع، لأن الشرع لم يثبت بعد، فقد يكون هذا الحكم قد نسخ، أو لربما كذلك ينزل فيه النسخ. وأما بعد زمن التشريع فيجوز لك أن تقول لهم: نعم، سأنزلكم على شرع الله. وهذا ترجيح ابن عثيمين، لكن قال: الأفضل أن يقول لهم: سأنزلكم على ما نفهم من حكم الله ورسوله. والشيخ ابن باز يقول: ننزلكم على ما نجتهد فيه من حكم الله عز وجل، لأن العالم لربما خفي عليه بعض أحكام الشرع فيحكم بحكم يخالفه الشرع، لأسباب منها: لعدم وصول هذه المسألة إليه، ومنها كذلك استدلاله مثلًا بحديث ضعيف أو نحو ذلك. فإذا، كما ذكر الشيخ العثيمين، أن هذا الحكم خاص بزمن التشريع، لكن بعد زمن التشريع تقول لهم: نعم، سنحكم فيكم بشرع الله، لكن بما نجتهد فيه أو بما نفهم من كتاب الله. وأما القول الثاني: فهو القول بأن هذا الحكم ليس خاصًا بوقت التشريع، بل هو عام في وقت التشريع وغيره، لعموم هذا النهي. فحتى في زماننا هذا لا ينزل العدو على حكم الله، لا ينزل العدو على حكم الله، وإنما يقال: سأنزلكم على حكمي. وما الفرق بين القول الأول والثاني؟ القول الأول: تقول لهم: نعم، سأنزلكم على حكم الله، لكن فيما أجتهد فيه. لكن القول الثاني: لا تذكر حكم الله ولا تذكر شرع الله، تقول لهم: لا، سأنزلكم على حكمي. والراجح في هذه المسألة - والله أعلم - ما ذكره الشيخ ابن عثيمين: أنك تقول لهم: سأنزلكم على شرع الله فيما أعلمه، وفيما أجتهد فيه، وفيما أجتهد فيه، حتى إذا أخطأت لم يكن عليك لوم ولا عتب ولا انتقاد، لأنك قلت لهم: فيما أجتهد فيه، أو فيما أعلم، أو نحو ذلك. ولذلك ذكر الشيخ ابن عثيمين أيضًا مسألة لم يذكرها هنا الشارح، وهي: هل يجوز للسائل أن يقول: ما حكم الإسلام في كذا وكذا، أو ما حكم الدين في كذا وكذا؟ هذه المسألة فيها تفصيل: إذا كانت المسألة مما علم بالدين بالضرورة فلا بأس أن يقول السائل ذلك، يقول السائل: ما حكم الشرع، أو ما حكم الإسلام في كذا وكذا؟ مثل سائل يسأل عن حكم الزنا، هذا مسألة معلومة من الدين بالضرورة، فيجوز له أن يقول ذلك، لأن المفتي لا يجتهد في هذه المسألة. أما في المسائل الشائكة، أو المسائل الاجتهادية التي تحتاج إلى استدلال ونظر، فهنا لا يجوز أن يقول السائل: ما حكم الإسلام؟ لأن هذا المفتي لربما أفتاه بغير ما جاء في الإسلام، لأنه سيجتهد في هذه المسألة. فالأفضل أن يقول السائل: ما تقولون فضيلة الشيخ في كذا وكذا؟ أو ما حكم كذا وكذا؟ لا يذكر الإسلام ولا يذكر الدين، لأنه لو ذكر الإسلام والدين لوجب أن تكون تلك الفتوى موافقة للشرع، وجواب المفتي قد يصيب وقد يخطئ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». الحاكم يعني المفتي، أو من كان في معنى من أهل القضاء. فإذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر. إذن الحاكم قد يخطئ وقد يصيب، قد يخطئ وقد يصيب. قال الشيخ ابن عثيمين من فوائده على هذا الباب: قال: ما نفعله مع المعاهدين، يعني الذين نعاهدهم من الكفار. أولاً: قسمه إلى ثلاثة أقسام. أولًا: يجب الوفاء بالعهد إذا استقاموا هم عليه، بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. بينك وبين الكفار عهد وذمة وصلح، فاستقاموا على هذا الصلح، لم يخرموا ولم يخالفوا بندًا من بنود هذا العهد، فهنا وجب على المسلمين الوفاء بهذا العهد، بغض النظر عن الخلاف الموجود بين العلماء: هل يكون العهد مع الكفار إلى الأبد أو إلى حين؟ والصحيح أنه إلى حين، لا يكون العهد إلى أبد، بمعنى: نعاهدكم ونصالحكم إلى قيام الساعة، لا. وإنما يقال: لأن العهد مع الكفار لمصلحة للمسلمين، كأن يكونوا في ضعف، أو يريدون أن يتفرغوا لجهة أخرى، ولعدو آخر، وإلى غير ذلك. فهنا تكون هذه الهدنة أو هذا العهد لفترة محددة، فترة معينة، وليس إلى الأبد. فالكافر إذا استقام على هذا العهد يجب على أهل الإسلام أن يستقيموا عليه، وأن لا ينقضوا هذا العهد مع الكافر. هذا النوع الأول. النوع الثاني: إذا نقضوا العهد يسقط العهد ويحل قتالهم، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾. النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت في المدينة - أو كانت في المدينة - ثلاث قبائل من قبائل اليهود: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير. فعاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم وصالحهم، فلما نقضوا العهد: أولاً بنو قينقاع، ثم بنو قريظة، ثم بنو النضير، فلما نقضوا العهد، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نقض العهد معهم وحاصرهم وأخرجهم من المدينة. وكذلك في صلح الحديبية، لما نقض المشركون العهد، فالنبي صلى الله عليه وسلم نقض العهد معهم وغزاهم في قعر دارهم. هذا القسم الثاني. القسم الثالث: إذا ترددنا في العهد. معنى ترددنا: يعني ما نأمن غدر هذا العدو، ما نأمن غدرًا. فقال هنا: نرده عليهم. أيش معنى نرده عليهم؟ يعني لا نستمر فيه، أو لا نعقده معهم، بل يبقى بيننا وبينهم العداوة والحرب، لأننا لم نطمئن لمصداقيتهم ولالتزامهم بالعهد والصلح. ولذلك قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: رد هذا الأمر إليهم بأن لا تصالحهم ولا تعاهدهم. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. ثم ذكر المؤلف هنا خلاصة الفرق في قتال المسلمين ومعاملتهم للكفار، وفي قتال الكفار ومعاملتهم للمسلمين. فقال: ما يفعله المسلمون في جهادهم للكفار: تحريم قتل الأطفال والنساء والعباد والمرضى، كما مر معنا في الحديث، لما يوصي النبي صلى الله عليه وسلم الأمير أمير الجيش، يقول لهم: «ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا». ولا تقتلوا وليدًا يعني صغيرًا، وما كان بمعنى، وجاءت في بعض الروايات: «ولا امرأة، ولا عابدًا»، ونحو ذلك. أما الكفار فلا يبالون بهذا، فيقتلون الأطفال والنساء والعباد والمرضى. وتعلمون في هذه الأيام ما قد حصل في زمن غير بعيد مما فعله اليهود بإخواننا في غزة: دمروا هذه البلاد تدميرًا، وقتلوا الآلاف من الأطفال والنساء والكبار، وأما المقاتلون والشباب فهم مختبئون، ما قتلوا منهم إلا القليل. أكثر القتلى في الحرب التي مضت هو قتل الأطفال والنساء والعباد والمرضى. وهذا يأباه الإسلام، يأباه الإسلام، ولا يفعله المسلمون مع عدوهم، مع عدوهم. وذكر من المفارقات أيضًا: أن الكفار قتالهم لمصلحتهم، نحن ما نقاتلهم إلا لمصلحتهم هم. وما هي هذه المصلحة؟ إنقاذهم من أيش؟ من النار، إنقاذهم من النار. أما الكفار، على ماذا يقاتلون؟ يقاتلون على الدنيا، يقاتلون على الدنيا، من أجل أن يتسلطوا على البلاد وينهبوا ثرواتها، وكذلك يأخذون أموالها ونحو ذلك. فهذا أيضًا من المفارقات. فالمسلمون لا يقاتلون من أجل الدنيا، وإنما يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل إخراج البشرية من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، وهكذا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ومن المفارقات التي ذكرها أيضًا: أن أهل الإسلام يوفون لهم بالعهود، ما يغدر المسلم ولا ينقض، ويبتدي بنقض العهود، بخلاف الكفار، فكثيرًا ما ينقضون العهود. قد مر معنا من الذي نقض العهود من قبائل اليهود الذين صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: هم اليهود، قبيلة قبيلة. والنبي صلى الله عليه وسلم لما نقضت قبيلة قينقاع لم يقاتلهم جميعًا، إنما قاتل من نقض. وهذا من عدل الإسلام، وهذا من عدل الإسلام. فلما نقضت الأخرى قاتلها، ولما نقضت الثالثة قاتلها. فلم يبتدئ المسلمون بنقض العهود، وإنما الذي يبتدئ هم الكفار، هم الكفار. وذكر فروق أخرى، ولانتهاء الوقت لعلنا نأخذها في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.