الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 38

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 38

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

بداية الوحي والاستعداد للنبوة

بدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة في النوم، ثم ميله للخلوة في غار حراء. كان هذا تمهيدًا لاستقبال الرسالة النبوية.

فضل الخلوة والتفكر في خلق الله تعالى

الخلوة والتفكر في خلق الله تهدئ الفطرة وتجمع الفكر وتؤدي إلى المحاسبة والتفكر في خلق السماوات والأرض. وهي طريق للوصول إلى الحقيقة.

الاعتكاف الشرعي وأهميته في إصلاح النفس

الاعتكاف هو الاختلاء بالنفس لإصلاحها وتفريغها للعبادة والتفكر، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في غار حراء. يحمي الإنسان من الفتن ويعينه على إصلاح نفسه.

ختام الدرس والدعاء بالصلاة على النبي

المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع قول الناظم رحمه الله تعالى في بيان ذكر حاله عليه الصلاة والسلام عند بعثته، فقال: وبعد عام أربعين أرسل في يوم الاثنين يقينا فانقل. وأشرنا في درس أمس، إخواني في الله، إلى ذكر مسألة مهمة في بيان كيف أن الله اصطفى نبينا عليه الصلاة والسلام لهذا الدين، بأن الله عز وجل صانه عما يمس بدينه وعقيدته وأخلاقه وعقله، وصانه من أعمال المشركين مع أنه قد عاش بين أظهرهم. وهكذا صانه عن الابتداع فيما كان من دين إبراهيم عليه السلام، وصانه كذلك من الأفعال المشينة، وصانه من الأخلاق الرذيلة، فجبله على محاسن الأخلاق وعلى أحسن الآداب عليه الصلاة والسلام. كل ذلك توطئة لما سيأتي في حياته عليه الصلاة والسلام من النبوة والرسالة. ومما يذكر في هذا المقام، وهو من باب التوطئة لحاله عليه الصلاة والسلام وتهيئة لاستقباله للوحي، ما جاء في الصحيح في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، عندما قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبُّد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحق. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة، والتي تُعتبر تمهيدًا وتوطئة لرسول الله عليه الصلاة والسلام قبل أن ينزل عليه الوحي. فمما جاء في هذا المقطع من الحديث، ما كان من أمر الرؤيا الصادقة. والرؤيا الصادقة، كما يقول العلماء، عبارة عن رؤيا جميلة ينشرح لها الصدر. فكان عليه الصلاة والسلام يرى الرؤيا الجميلة فيصحو منشرح الصدر منفتح النفس، ويجد ما رآه على أرض الواقع واضحًا جليًا لا يغيب شيء عن ذلك. وتأمل في وصف عائشة رضي الله تعالى عنها حين قالت: فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ما يخرج عنها شيء، أي مما رآه في منامه. وكان هذا من دلائل نبوته وتمهيدًا لرسالته عليه الصلاة والسلام. قال العلماء: الحكمة من الرؤية الصادقة التي كانت تعرض لرسول الله عليه الصلاة والسلام قبل بعثته، وذلك حتى لا يتفاجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الملك لأول وهلة، فكان ذلك تمهيدًا لهذا الأمر ولهذا الباب. قال العلماء: أن هذه الفترة، والتي كان فيها نبينا عليه الصلاة والسلام يرى الرؤية الصادقة، استمرت معه ستة أشهر، كما ذكر ذلك الإمام البيهقي رحمه الله تعالى. ثانيًا، مما جاء في هذا الحديث، أن من الأمور التي كان عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، أن حُبِّبت إليه الخلوة بأن يختلي بنفسه. فتقول عائشة رضي الله عنها: ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء. فكان هذا كذلك من باب التوطئة، أنه عليه الصلاة والسلام يتلذَّذ بأن ينفرد لنفسه ويبقى لوحده. وفي هذه الخلوة، إخواني في الله، أن الإنسان يتفكر في خلق السماوات والأرض، وخاصة في هذا المكان، وفي هذا المحل، ينظر إلى حال البشر، وينظر إلى الجبال، وينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض وما حوت. كل ذلك مما يهدئ الفطرة ويهديها إلى ربها عز وجل. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. وفيها التفكر لما أوجد الله عز وجل. كذلك في هذه الخلوة والاختلاء، إخواني في الله، فيه ما يكون من الانقطاع عن الدنيا، لأن الانغماز في الدنيا مشغلة. ولما كان نبينا عليه الصلاة والسلام منشغلًا بهذه الخلوة، كان ذلك ابتعادًا عن الدنيا وعن مشاغلها. كذلك مما يذكر العلماء من فوائد الخلوة والاختلاف بالنفس، أن فيها تفرغًا للقلب والروح. تختلي بنفسك، تنظر إلى قلبك، إلى روحك، تسمو مع هذا التفكر وما يجلب عليه من محاسبة النفس. تحاسب نفسك يا عبد الله عما فعلت وما كسبت وما اقترفت. فلا يزال هذا حالك. وهذه من أعظم المقامات التي دعا لها العلماء، ألا وهو مقام المحاسبة. كما قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: رحم الله عبدًا قال لنفسه خلوة يختلي، قال لنفسه ألا استصاحب كذا، ألا استصاحب كذا، ثم ذمها، فخطمها كتاب الله، ذمها أي أنبها وعاتبها على ما كان من تقصيرها. قال العلماء: أن في الاختلاء والخلوة تجميع للفكر، الذي يثمر هذا الفكر الفهم. هذا يحتاج إلى نوع اختلاء، لا أن تكون مع صحبة الناس، مع معمعة الناس. ما يمكن هذا من أراد أن يصل إلى نتيجة، وخاصة من خلال تفكره وتدبره. قال ربنا سبحانه وتعالى، آمرًا الكفار الذين تكالبوا على رسول الله في الطعن في دينه وفي عقله: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾. قل إنما أعظكم بواحدة، وهي أمر واحد خاصة، خذوها مني إنصافًا، أن تقوموا لله متجردين لله في حكمكم، لكن مثنى وفرادى، لا تكثروا الجمع، ما يمكن الصخب هذا ما يؤدي إلى نتيجة. لكن تفكر لوحدك إذا أمكن، أو اختر من هو أعز الناس إليك، هذا محمد، هل هو مجنون، صحقًا رجل عاقل؟ فدلت هذه الآية على أن التفكر مما يعين عليه الانفراد، أن تقوموا لله مثنى وفرادى. فكان في خلوته عليه الصلاة والسلام وحده، ما يكون من جمع الفكر والعقل والفهم حتى يصل إلى هذه النتيجة. كذلك ما يكون، إخواني في الله، من هذه المسألة من حكم كثير. ولعظيم المصالح الموجودة في مسألة الاختلاء والخلوة بالنفس، جاء بعد ذلك مسألة الاعتكاف التي ندب إليها الإسلام. فالاعتكاف الشرعي ليس الاعتكاف الذي درج عليه الكثير من المتأخرين، جعله سمر وسهر وجلسة وقيل وقال. لا، هذا ليس كما قال ابن القيم في الزاد، ليس هذا الاعتكاف النبوي. أن تجعل الاعتكاف محل سمر ومسامرة، لا. الاعتكاف الشرعي الذي أمر به الإسلام وشرعه نبينا وقام به، أنك تبقى في زاوية لوحدك تقبل على نفسك، لماذا؟ لما في الاعتكاف من الاختلاء، لما فيه من إصلاح النفس والعقل والضمير والقلب والعقل. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولابد للعبد من أوقات ينفرد بها في نفسه بنفسه، أي ينفرد بها بنفسه، قال: في دعائه، في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه. هذا كله من ثمار الاختلاء بالنفس. وأنك يا عبد الله تبقى مع نفسك ولو لحظة، فإن هذا أدعى إلى إصلاحها. ولهذا أثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: خذوا حظكم من العزلة. وكل ذلك مستفاد مما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الخلوة بغار حراء. كذلك استفاد العلماء من فعله عليه الصلاة والسلام الابتعاد عن الناس، وخاصة في أيام الفتن وفي ظهور الشرك والفساد. لأن وقته عليه الصلاة والسلام وقت كفر وشرك وجاهلية، ولهذا نأى بنفسه وابتعد عنهم. ولقد دلت الأدلة على أن الإنسان في آخر الزمان إذا عمت الفتن وطمت، فإنك يا عبد الله حاول أن تنشغل بنفسك، كما في أحاديث كثيرة، وعليك بخاصة نفسك. وذلك إذا رأيت سفهاء الأحلام وصغار العقول هم الذين انتشروا وهم الذين حكموا هذه البلاد وهذه المعمورة. كذلك، إخواني في الله، مما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها، مما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام قبل بعثته، ما كان من تعبده. لأن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه. قال الراوي: قال في معنى التحنث، ما هو التحنث؟ قال: وهو التعبد. فكان عليه الصلاة والسلام يتعبد وهو في الغار. واختلف العلماء ما هو التعبد الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أن الرسالة ما نزلت والنبوة لم تعط له، فكيف يتعبد؟ قال العلماء: أن تعبده عليه الصلاة والسلام عبارة عن إطعام للمساكين والمحتاجين. إذ أن الناس قد علموا بوجوده عليه الصلاة والسلام في الغار، فكان يأتيه من يأتيه من السائلين، فكان يطعم. كان هذا من تعبده لربه. وقيل: أن تعبده عبارة عن تفكر وانقطاع عن الناس. وهذا له وجاهة، كما قلنا، لأن من فوائد الخلوة والاعتزال التفكر في خلق السماوات. وكفاها عبادة وقربة أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، مع ما كان من انقطاعه عن الناس وعدم الانشغال بدنياهم. كذلك قيل: أن تحنثه لله كان عبارة عما كان قد بقي من دين إبراهيم عليه السلام، لأنه كما قلنا لا زالت هناك بقية باقية من دين إبراهيم، لا زال عليها العرب. فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ شيئًا من بقايا دين إبراهيم، فكان يتعبد الله جل وعلا فيه. فكان هذا، إخواني في الله، من التوطئة التي وقعت لرسول الله قبل نزول الوحي عليه. وإن شاء الله في درس غد نكمل ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسألة نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.