كتاب الطهارة 8

كتاب الطهارة 8

الدرس في كتاب الطهارة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح أحاديث المضمضة والاستنشاق

تناول شرح أحاديث تتعلق بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، وبيان ضعف حديث يفيد الفصل بينهما واستحباب الجمع بينهما ثلاث مرات. تم الاعتماد على أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.

كيفية مسح الرأس في الوضوء

شرح كيفية مسح الرأس في الوضوء استنادًا إلى أحاديث نبوية، وبيان أن مسح الرأس يكون مرة واحدة مع توضيح كيفية ذلك. تم ذكر روايات متعددة تصف كيفية مسح النبي صلى الله عليه وسلم لرأسه.

مسح الرأس والأذنين وحكمهما

بيان كيفية مسح الرأس والأذنين في الوضوء استنادًا إلى الأحاديث النبوية، ومسح الرأس كله أو معظمه هو الصحيح. كما تم توضيح استحباب مسح الأذنين مع الرأس بماء واحد وأنه مستحب وليس واجبًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله في باب الوضوء: الحديث الرابع والخمسون، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق. أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف. نعم، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين المضمضة والاستنشاق، يعني يأخذ ماء للمضمضة، ثم يأخذ ماء للاستنشاق. وهذا الحديث ضعيف، أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف، ضعفه أبو داود والبيهقي، وقال النووي: لم يثبت في الباب حديث أصلا. وسبب ضعف الحديث أن فيه ليث بن أبي سليم، وهو مختلط، وكذلك جهالة مصرف، والد طلحة، والعلة الثالثة: الاختلاف في صحبة جده الذي هو والد مصرف، أو جد مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده. نعم، جده هذا مختلف في صحبته، فهذه السلسلة ضعيفة، حتى إن سفيان بن عيينة كان يقول: ما طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، يعني يستنكر هذه السلسلة. فالحديث لا يصح. وورد في حديث -يعني موقوف- عن عثمان رضي الله عنه، أنه توضأ وفصل بين المضمضة والاستنشاق، ثم قال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. والحديث أصله صحيح -يعني في ذكر صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم-، وأما ذكر الفصل بين المضمضة والاستنشاق، فهذا لا يصح. فأصل الحديث صحيح من غير ذكر الفصل بين المضمضة والاستنشاق، فكما قال الإمام النووي: لم يثبت في الباب حديث أصلا -يعني في الفصل بين المضمضة والاستنشاق-. وسيأتي في الحديث الذي بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما بماء واحد. قال الحديث الخامس والخمسون، عن علي رضي الله عنه، في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ثم تمضمض واستنشق ثلاثا من الكف الذي يأخذ به الماء. أخرجه أبو داود والنسائي، واللفظ له. وهذا هو الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق ثلاثا من الكف الذي يأخذ به الماء، يعني ماء واحد للمضمضة والاستنشاق، يتمضمض ببعضه ويستنشق بالبعض الآخر. هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون المستحب في المضمضة والاستنشاق أن تكون ثلاثا، بثلاث غرفات، بكل غرفة يتمضمض ببعضها ويستنشق بالبعض الآخر، ثلاث مرات، ولا يفصل بين المضمضة والاستنشاق. قال الحديث السادس والخمسون، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنهما، في صفة الوضوء، قال: ثم أدخل صلى الله عليه وسلم يده، فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثا. متفق عليه. نعم، هذه الرواية أيضا صريحة بأن المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، ثلاث مرات، يأخذ الماء بكفه، فيتمضمض ببعضه ويستنشق بالبعض الآخر. قال الحديث السابع والخمسون، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر. متفق عليه. هذا الحديث فيه وجوب الاستنشاق والاستنثار، فليجعل في أنفه ماء، هذا هو الاستنشاق، يستنشق الماء إلى داخل الأنف، ثم لينتثر، الاستنثار هو إخراج الماء من داخل الأنف. هذا الحديث فيه أمر بالاستنشاق والاستنثار، فليجعل في أنفه ماء، فليجعل: لام الأمر، ثم لينتثر، أي يخرج الماء من داخل الأنف. فالحديث يدل على الأمر بالاستنشاق والاستنثار، وهو يدل على أن الاستنشاق واجب، أنه واجب من واجبات الوضوء، أن يستنشق المتوضئ بإدخال الماء إلى داخل أنفه، ثم الاستنثار، أن يخرجه. والمستحب أن يكون الاستنشاق باليد اليمنى، والاستنثار باليد اليسرى. وهو واجب، لكن ليس وجوبه كأركان الوضوء التي غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل القدمين، لأن الله جل وعلا لم يذكر غير هذه الأعضاء الأربعة في الآية، وإنما هذا دلت عليه السنة، وهذا مجرد أمر لا يدل على الشرطية أو الركنية، وإنما أنه واجب من الواجبات. لو أخلى به الإنسان لصح وضوه مع الإثم، على القول بالوجوب. قال حديث الثامن والخمسون، عن علي رضي الله عنه، في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ومسح برأسه واحدة. أخرجه الثلاثة بإسناد صحيح، بل قال الترمذي: إنه أصح شيء في الباب. نعم، وحديث علي رضي الله عنه كذلك في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، هو من الأحاديث الصحيحة التي عليها الاعتماد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في السنن، أخرجه الثلاثة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، مع حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث عثمان رضي الله عنه في الصحيحين. وفي حديث علي في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ومسح برأسه واحدة، يعني لم يكرر النبي صلى الله عليه وسلم مسح الرأس ثلاثا، مع أنه غسل سائر الأعضاء ثلاثا، إلا مسح الرأس، فمسحه واحدة. إذن المشروع في مسح الرأس أنه يمسح مرة واحدة. وجاء في بعض الروايات في حديث عثمان في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثا، وهذه الرواية شاذة، والمحفوظ أنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه واحدة. قال حديث التاسع والخمسون، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، في صفة الوضوء، قال: ومسح برأسه، ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه، فأقبل بيديه وأدبر. متفق عليه. وفي لفظ لهما: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. هذه الرواية فيها كيفية مسح الرأس، قال: ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه، فأقبل بيديه وأدبر. ظاهر الرواية أنه بدأ بمؤخر الرأس، فأقبل بهما وأدبر وردهما إلى الخلف. لكن الرواية الأخرى توضح هذه الرواية، قال: بدأ بمقدم رأسه مراسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. فتكون هذه الرواية مفسرة للرواية التي قبلها، فالتي قبلها: أقبل بيديه وأدبر، ليس المراد بها على ظاهرها، المراد بها مطلق المسح، أنه مسح رأسه فأقبل بيديه وأدبر، لكن كيف أقبل وأدبر؟ تفسرها الرواية الأخرى: أنه بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. فيكون مسح الرأس على هذه الصفة هكذا. نعم، الواجب مسح الرأس كله، مسح الرأس كله، أو معظم الرأس، هذا هو الصحيح، لقول الله جل وعلا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والباء في الآية على الصحيح للالتصاق، أي ملتصقين أيديكم برؤوسكم، وليست للتبعيض. ويؤيد ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لما مسح رأسه كما في حديث عبد الله بن زيد، مسح رأسه كله، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. ولم يثبت في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بعض رأسه، إلا إذا مسحه مع العمامة، إذا كان لا يبسط العمامة، فثبت عنه أنه كان يمسح الناصية ومقدم الرأس، ثم يكمل على العمامة، هذا جائز. قال الحديث الستون، عن عبد الله بن عمر، في صفة الوضوء، قال: ثم مسح برأسه وأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وبالسبابتين باطن أذنيه. أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. نعم، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه مع مسح رأسه، كذلك مسح أذنيه، وهو يدل على استحباب مسح الأذنين مع الرأس. ثم مسح برأسه وأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه -يعني الخارج من الأذن-، والسبابتين باطن أذنيه، فيحصل بهذا تنظيف الأذن من الخارج ومن الداخل. وهذا الحديث كما سمعتم يدل على استحباب مسح الأذنين، أنه مجرد فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب. قال حديث الحادي والستون، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وهو المحفوظ. إذن الرواية التي قبلها شاذة، الرواية التي فيها الفصل بين ماء الرأس وماء الأذن، هذه شاذة، يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه، معنى ذلك: يأخذ ماء لرأسه فيمسح رأسه، ثم يأخذ ماء ويمسح أذنيه، هذه الرواية شاذة، والمحفوظ أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد. قال حديث الثاني والستون، عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس. قال: وكان يمسح رأسه مرة، ويمسح المأقين. ورواه ابن ماجه، وفي سنده مقال. والصواب أن قوله: الأذنان من الرأس، موقوف على أبي أمامة، كذلك رواه أبو داود، وقاله الدارقطني. نعم، هذا الحديث -حديث أبي أمامة- ضعيف، أنه موقوف، والصواب الوقف، ورجحه الدارقطني وغيره من الحفاظ، فالصواب في هذا الحديث أنه موقوف. وعلى هذا، فمسح الأذنين يعتبر من مستحبات الوضوء، يمسح الأذنان مع الرأس، لأن الثابت هو مجرد فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قلنا: مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب. نقف هنا إن شاء الله.