كتاب الطهارة 12

كتاب الطهارة 12

الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

نواقض الوضوء والأدلة من السنة

يتناول نواقض الوضوء مستشهدا بأحاديث نبوية، ويشرح معنى الحدث وتأثير النوم على الوضوء. يستند إلى أحاديث متعددة عن الصحابة للتفريق بين أنواع النوم وتأثيرها.

حكم المستحاضة ودم الاستحاضة

يشرح تعريف المستحاضة ودم الاستحاضة، ويبين أن المستحاضة تُعتبر طاهرة وتصلي إذا كان لها عادة سابقة أو إذا ميزت بين دم الحيض ودم الاستحاضة.

أحكام المستحاضة وتوضئها وصلاتها

يحدد حكم المستحاضة وتوضئها وصلاتها، حيث تُحدد مدة حيضها بناءً على عادة أقاربها وتتوضأ لكل صلاة وتصلي دون إعادة الصلاة.

ختام بالصلاة على النبي

يختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرا عن التقدير والاحترام للنبي، وهو فعل يحث عليه الدين الإسلامي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: باب نواقض الوضوء. والنواقض جمع ناقض، وأصل النقض هو حل المبرم، يعني فك الرباط. فنواقض الوضوء هي الأشياء التي إذا وقع فيها المتوضئ بطل وضوءه وانتقض وضوءه. فالوضوء له نواقض، إذا حصلت من المتوضئ فإن وضوءه يبطل. فذكر المصنف في هذا الباب عدة أحاديث تدل على بعض نواقض الوضوء. قال: الحديث السابع والتسعون، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، متفق عليه. نعم، هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله عز وجل لا يقبل صلاة من أحدث. المراد بالحدث، كما سئل أبو هريرة، قيل له: ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط. وهذا ليس على سبيل التحديد، وإنما على سبيل المثال. على سبيل المثال، وإلا فالمراد بالحدث يعني كل ما ينتقض به الوضوء، كخروج الريح أو الضراط أو البول أو غيرها من الأحداث. لكن الغالب الذي يخرج من الإنسان في الصلاة هو الفساء أو الضراط، أو قد يكون شيء من البول أو المذي أو الودي. فقول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله»، المراد بنفي القبول هنا نفي الصحة، نفي الصحة. أي لا يقبل الله سبحانه وتعالى صلاة من أحدث، أي أن صلاته غير صحيحة. وقد يطلق نفي القبول ويراد به نفي الكمال أو نفي الأجر والثواب مع صحة العمل، مثل خبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الله لا يقبل صلاة العبد الآبق»، أي الهارب. وهكذا أيضا صلاة المرأة العاصية لزوجها، وهكذا أيضا صلاة من أتى كاهنا فسأله ولم يصدقه، «لم تقبل له صلاة أربعين يوما». هنا نفي القبول المراد به نفي الأجر والثواب مع صحة العمل إذا أتمها بشروطها وأركانها. وقد يطلق نفي القبول ويراد به نفي الصحة. طيب كيف نفرق؟ نقول: إذا كان نفي القبول في الحديث قد دل الدليل على أن وجوده هو شرط من شروط هذه العبادة، فيكون النفي هنا نفيا للصحة. وأما إذا لم يكن شرطا من شروط العبادة، فهو نفي للكمال ونفي للأجر والثواب. فهنا الطهارة شرط من شروط الصلاة، إذا نفي القبول هنا نفي للصحة. «لا يقبل الله» أي لا تصح عبادة من صلى وهو محدث. «لا يقبل الله صلاة»، وصلاة نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم. فيدل هذا الحديث على أن هذا الحكم عام في جميع الصلوات، حتى صلاة الجنازة لا تصح إلا بوضوء على القول الصحيح، وقول جمهور أهل العلم؛ لأنها صلاة. لا يقبل الله صلاة، كذلك صلاة النافلة، كذلك لا بد من طهارة. ويسدل به كذلك على عدم وجوب الطهارة لسجود التلاوة وسجود الشكر؛ لأنه ما ليس بصلاة. إلا إذا كان سجود التلاوة داخل الصلاة، فهو تبع للصلاة، لا بد من طهارة. أما إذا كان خارج الصلاة، فلا يشترط له الطهارة. قال: «لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، إلا ويدل الحديث على أن الحدث ناقض للوضوء. وهذا الحدث كل ما دل الدليل يعني على أنه ينتقض به الوضوء، فيكون ناقضا للوضوء. والحدث وصف يقوم بالإنسان، يمنعه من الصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة. وقول: «حتى يتوضأ»، يعني يرتفع الحدث بالوضوء، هذا إذا كان الحدث أصغر. وإذا كان الحدث حدثا أكبر، فإنه يرتفع بالغسل، كالجنابة ونحوها. قال: الحديث الثامن والتسعون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون»، أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم. وأخرجه البيهقي بلفظ: «لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون». ورواه أبو يعلى بلفظ: «كانوا يضعون جنوبهم فينامون، منهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ». نعم، هذه الأحاديث كما سيأتي بعد قليل، استدل بها أهل العلم على أن النوم غير ناقض للوضوء. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا ينتظرون العشاء، يعني صلاة العشاء، فيأتيهم النوم حتى تخفق رؤوسهم، يعني تسقط رؤوسهم هكذا من النوم والنعاس. قال: «ثم يصلون ولا يتوضأون»، معنى هذا أن هذا النوم ليس بناقض. وفي رواية أخرى: «أكبر أن وراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقظون للصلاة»، يعني أحدهم ينام حتى إنه لا يسمع لأحدهم غطيطا - معروف صوت الذي يخرجه النائم أثناء نومه - يدل على تعمقه في النوم. قال: «ثم يقومون ولا يتوضأون». نعم، وهكذا أيضا رواية أبي يعلى: «يضعون جنوبهم فينامون، منهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ». وهذه الأحاديث أما حديث أنس، الرواية الأولى التي أصلها في مسلم، فتحمل على النوم الخفيف، بداية النوم، النعاس. فهذا لا ينتقض به الوضوء؛ لأن الإنسان يشعر بنفسه، لو أحدث أو خرج منه شيء فإنه ينتبه. فمثل هذا لا ينتقض به الوضوء. وأما الروايات الأخرى، فإنها تحمل على أنه كان قبل الأمر بالوضوء من النوم، قبل الأمر بالوضوء من النوم. فالأحاديث التي فيها أن النوم ناقض الوضوء تكون ناسخة لهذه الأحاديث، أو أنها تحمل كذلك على النوم الخفيف. إلا أن قوله: «يسمع لأحدهم غطيطا»، هذا يدل على أنه نوم عميق. فهذا يحمل كما ذكرنا على أنه قبل أن يعلموا بأن النوم ناقض للوضوء. ويدل على نقض الوضوء بالنوم حديث صفوان بن عسال قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم». فقرن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالوضوء من أو مسح الخفين من الحدث الأصغر - البول والغائط - وقرن معها النوم. والبول والغائط ناقضان للوضوء باتفاق، فدل هذا على أن النوم ناقض للوضوء. لكن جمعا بين هذا الحديث وبين حديث أنس: «أن الصحابة كانت تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون»، حمل أهل العلم حديث صفوان على النوم العميق المستغرق الذي لا يشعر النائم بنفسه. نوم ما يشعر أنه أحدث، مثل هذا ينتقض الوضوء؛ لأن النوم على الصحيح مظنة لنقض الوضوء، وليس هو ناقضا بنفسه. ويحمل حديث أنس على أن بدايات النوم أو النعاس الخفيف أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن النائم يشعر بنفسه. وبهذا تجتمع الأدلة، وهذا القول هو القول الأرجح في هذه المسألة. قال: الحديث التاسع والتسعون، عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»، رواه أحمد والطبراني، وزاد: «ومن نام فليتوضأ». وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي رضي الله عنه دون قوله: «استطلق الوكاء». وفي كلا الإسنادين ضعف، وهو كذلك كما قال الحافظ رحمه الله. ولهذا أعل الحديثين أبو حاتم وأبو زرعة، فهما حديثان معلان. وفي حديث معاوية: الوضين بن عطاء، وهو منكر الحديث. واسدل بهذا الحديث على أن النوم ناقض للوضوء. فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه العين بالوكاء، أي الرباط. شبهه بالرباط، والسه المراد بها حلقة الدبر. فقال: «فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»، يعني الإنسان لما يكون مستيقظا يكون شاعرا بنفسه، يشعر إذا خرج منه شيء. فإذا نام يسترخي محل خروج الريح، فقد يخرج منه من غير ما يشعر. هكذا كحال القربة إذا فك رباطها، فإن ذلك مظنة لخروج الماء منها. لكن الحديث كما سمعتم لا يصح. قال: الحديث المائة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي»، متفق عليه. وللبخاري: «ثم توضئي لكل صلاة». وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. قال: الحديث الثاني والمائة، عنها رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «صلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير»، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. هذا الحديث في أن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها استحيضت. والاستحاضة هو خروج الدم من المرأة على غير وقته المعتاد، على جهة الاستمرار. يخرج باستمرار. ودم الاستحاضة هو دم مرض، يخرج من عرق من المرأة، يقال له: العاذل. وأما دم الحيض فهو دم جبلة وطبيعة، يخرج من المرأة عند بلوغها. خلقه الله جل وعلا لأجل حكم منها: أنه ينقلب طعاما للجنين إذا حملت المرأة، انقلب هذا الدم طعاما لجنينها. ولهذا تجد أن الحامل ما تحيض، ما تحيض إلا نادرا. هذا الدم يجعله الله تعالى على غذاء لجنينها في بطنها. فإذا ولدت، لم يكن لبقاء الدم حاجة، فيخرج منها. ولهذا المرأة التي لا تحيض لا تحمل. المرأة التي لا تحيض لا تحمل. طيب، فدم الحيض دم جبلة وطبيعة. لكن دم الاستحاضة دم مرض. وأما دم النفاس فهو الدم الخارج من المرأة بعد الولادة. هذه ثلاثة دماء يعني تصيب المرأة: دم الحيض، ودم النفاس، ودم الاستحاضة. ففاطمة بنت أبي حبيش استحيضت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أي أصابها الدم. ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق، ليس له رائحة نتنة. بخلاف دم الحيض، فهو دم أسود غليظ له رائحة منتنة. فجاءت تستفتي النبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر»، يعني يخرج مني الدم باستمرار لا ينقطع، «أفأدع الصلاة؟» يعني أترك الصلاة، ما أصلي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، إن ذلك عرق»، يعني هذا الدم الآن الذي يخرج منك ليس بحيض، وإنما هو دم يخرج من عرق يسمى العاذل، «وليس بحيض». إن دم الاستحاضة ليس بحيض. قال: «فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة». كيف تقبل الحيضة وهي يعني يخرج منها الدم باستمرار؟ هنا أرشدها النبي عليه الصلاة والسلام أن تجلس أيام عادتها لتعتاد مجيء الحيض فيها، فتجعل هذه الأيام هي أيام عادتها. قال: «فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة»، يعني الأيام التي تحيضين فيها وتعتادين مجيء الحيض فيها، فاجعل هذه الأيام أيام الحيض، اترك الصلاة فيها. «فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي»، اغتسلي وكوني في حكم الطاهرة وتصلين، ولو كان الدم - دم الاستحاضة - ما زال يخرج. هذا حكم المستحاضة أنها إذا استمر بها الدم وكان لها عادة تعتادها في مجيء الحيض، كان يأتيها الحيض مثلا كل شهر سبعة أيام من كل شهر، الأولى سبعة أيام، ثم استمر بها الدم ولم ينقطع. في هذه الحال ترجع إلى عادتها، فكل أول سبعة أيام من كل شهر تعتبر فيها حائض، تترك الصلاة والصيام. انتهت سبعة أيام اغتسلت وصلت وصامت، وصالَت بحكم الطاهرات. طيب هذا إذا كان لها عادة. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أرشدها إلى العمل بعادتها. إذا لم يكن لها عادة، يعني قبل استمرار الدم بها، مرة يأتيها الحيض أول الشهر، ومرة يأتيها وسط الشهر، ومرة يأتيها آخر الشهر. فهذه تعمل بالتمييز، إذا كان تمييز الدم. فالأيام التي ترى فيها الدم فيه صفات دم الحيض - أسود منتن ذو رائحة كريهة - تترك الصلاة وتكون في حكم الحائض. فإذا انتهت هذه الأيام اغتسلت وصلت، وصالَت بحكم الطاهرات. إذا لم يكن لها عادة تعمل بالتمييز. طيب إن لم يكن لها عادة ولا تمييز، ليس لها عادة من قبل تعتاد مجيء الحيض فيها، ولا تمييز الدم، الدم عندها على صورة واحدة. فهذه تجعل سبعة أيام أو ثمانية على حسب عادة أقاربها من بنات جنسها، كأمها وأختها ونحوهن. تنظر كم أيام يأتيهن الحيض وتفعل مثلهم. تجعل ستة أيام، سبعة أيام، ثمانية أيام على حسب عادتهم، فتكون فيها حائض، ثم تغتسل وتصلي. هذا خلاصة حكم المستحاضة. وهل تتوضأ لكل صلاة؟ في رواية البخاري: «ثم توضئي لكل صلاة»، يعني أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتوضأ لكل صلاة. وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. قال مسلم: «وهنا لفظ تركناه عمدا»، يعني هذه الرواية الصحيحة أن تفرد بها أحمد بن زيد، تفرد بها أحمد بن زيد، فهي شاذة. فهذه الرواية لا تثبت. لكن يبقى ما حكم الوضوء لكل صلاة؟ هل يلزم المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة؟ جمهور أهل العلم على ذلك: أن تتوضأ لكل صلاة. وإن لم تصح هذه اللفظة، لكن هذا الحكم صحيح؛ لأن نزول الدم يعتبر حدثا مستمرا. فلهذا إذا دخل وقت الصلاة، فتتوضأ عند دخول وقت الصلاة، ثم بعد ذلك تصلي ما شاءت من الصلوات. وهكذا حكم صاحب السلس - سلس البول، وسلس الريح - إذا دخل وقت الصلاة يتوضأ، ثم ما خرج بعد ذلك لا يضر. والرواية التي بعدها: «أن تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير»، هذه الرواية فيها ضعف، فهي من طريق حبيب أبي ثابت، عن عروة، ولم يسمع منه، فهي منقطعة. وإن كان معنى الحديث صحيح: أن المستحاضة تصلي وإن خرج منها الدم. المستحاضة تصلي وإن خرج منها الدم؛ لأن الدم دم الاستحاضة، فهي صاحبة حدث مستمر، فتصلي وهي مضطرة لذلك، ولا شيء عليها. قال: الحديث الثالث والمائة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ»، أخرجه الدارقطني، وليّنه، يعني أشار إلى ضعفه. فالحديث ضعيف. واسدل به على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، وهو صحيح. أن الحجامة لا تنقض الوضوء. يحتجمه المسلم وهو على طهارة، فلا يلزمه أن يتوضأ. ليس هناك دليل على أن الحجامة تنقض الوضوء. وإنما ينتقض الوضوء بخروج الدم من السبيلين، إذا خرج من القبل أو الدبر، فهذا تنتقض به الطهارة. وأما خروج الدم من غير السبيلين، يعني من يده أو من قدمه أو من أنفه أو من فمه، فلا دليل على نقض الوضوء به. قال: الحديث الرابع والمائة، عن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أصابه قيء أو رعاف أو رفاع أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبني على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم»، أخرجه النسائي وضعفه أحمد. نعم، هذا الحديث ضعيف لا يصح. فيه أن من أصابه قيء - والقيء خروج الطعام من المعدة - أو رعاف - خروج الدم من الأنف - أو قلس - خروج الطعام من المعدة إلى الفم - أو مذي - ماء رقيق يخرج عند التفكير بالجماع أو عند المداعبة - فإنه ينصرف، يخرج من الصلاة ويذهب ويتوضأ. معنى هذا أن هذه الأشياء ناقضة للوضوء. والحديث كما سمعتم ضعيف لا يصح. فخروج القيء: الصحيح أنه لا ينتقض به الوضوء؛ لعدم الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على ذلك. والأصل بقاء الطهارة. والرعاف: خروج الدم من الأنف، الصحيح لا ينتقض به الوضوء. وهكذا القلس. أما المذي فنعم، المذي ينتقض به الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء منه. حديث علي رضي الله عنه قال: «كنت رجلا مذاء - كثير المذي - فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله، فقال: يتوضأ»، قال: «يقصد ذكره ويتوضأ». فالمذي ناقض للوضوء. قال: «ثم ليبني على صلاته»، وفي ذلك لا يتكلم. يعني إذا خرج من الصلاة لأحد هذه الأسباب يتوضأ، ثم يرجع ويكمل صلاته. مثلا خرج من الركعة الثانية يتوضأ ويرجع ويكمل الصلاة، يصلي ثالثة ورابعة. هذا معنى الحديث: أنه يبني على صلاته إذا أحدث. ولكن الحديث ضعيف لا يصح. والصحيح أنه إذا خرج من الصلاة فإنه يستأنف الصلاة من جديد، يستأنف الصلاة من جديد. قال: حديث الخامس المائة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنت رجلا مذاء»، يعني كثير المذي. قال: «فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال: فيه الوضوء»، متفق عليه. وللبخاري: «توضأ واغسل ذكرك». ولمسلم: «توضأ وانضح فرجك». نعم، هذا الحديث يدل على أن خروج المذي، المذي ناقض للوضوء. والمذي كما سمعتم ماء رقيق يخرج عند التفكير في النساء أو عند المداعبة. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء منه. قال: «اغسل ذكرك وتوضأ»، أو «توضأ وانضح فرجك». المراد من النضح هنا الغسل. وفيه أيضا أدب من الآداب، وهو أن الرجل إذا ذكر شيئا مما يتعلق بمعاشرته لأهله، لا يخاطب به صهره - كوالد زوجته - بمثل هذه الأشياء التي يستحي منها، من باب الأدب. فلا يصارحه بها. ولهذا علي رضي الله عنه لما أراد أن يسأل عن هذا الأمر، وهو متزوج بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، استحيا أن يخاطبه بذلك. فأمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا جاء في بعض الروايات: «فاستحييت أن أسأله لمكانة ابنته مني». فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله. وهذا أدب ينبغي أن نتأدب به. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.