كتاب الصلاة 39

كتاب الصلاة 39

الدرس في كتاب الصلاة 39، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير آيات قرآنية خاصة بالصلاة والوحي

نزلت الآيات لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم حول كيفية القراءة في الصلاة والتوسط بين الجهر والإسرار، وكذلك لتخفيف عن النبي في استقبال الوحي وعدم التعجل في قراءة القرآن.

أحكام وآداب الاستماع للقرآن الكريم

يتم التأكيد على أهمية الاستماع والإنصات للقرآن الكريم، وبيان الفرق بينهما وبين السماع، وأثر ذلك في الأجر والثواب، مع الإشارة إلى نزول الوحي وتفاصيل حول استقبال النبي له.

الفرق بين الاستماع العمد والإصغاء غير المقصود

يتم توضيح الفرق بين من يستمع للغناء عمدًا ومن يسمعه دون قصد، مع بيان الحكم الشرعي في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم: حدثنا الحجاج، أبو الحسين، أن يسابور القشيري، رحمه الله، بصحيحه، حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، وعمر الناقد، جميعًا، عن هشيم. قال ابن الصباح: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾، قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ بمكة -يعني متخفيًا عن المشركين- قال: فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ فيسمع المشركون فيسبوا قراءتك. فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ولا تخافت بها﴾ -أي عن أصحابك- أسمعهم القرآن. ولا تجهر بذلك الجهر، وابتغي بين ذلك سبيلا. يقول: بين الجهر والمخافتة، لا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك -يعني لا ترفع صوتك بالقرآن- وقال: «لا تجهر بصلاتك»، المراد بالصلاة القراءة في الصلاة؛ لأنها من أعظم ما يقال في الصلاة، وقراءة الفاتحة ركن، وهي أعظم أركان الصلاة. فلا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك، فيسبوا القرآن، ويسبوا من أنزله، ويترتب على ذلك هذه المفسدة العظيمة. ولا تخافت بها -يعني لا تسر بها- فلا يسمع من معك شيئًا من القرآن. وابتغي بين ذلك سبيلا -يعني لتكن القراءة متوسطة، لا هي مرتفعة جدًا بحيث يسمعها المشركون، ولا هي مخافتة جدًا بحيث تكون سرًا فلا يسمع من معك من المسلمين شيئًا، بل تكون وسطًا بين ذلك-. فهذا فيه التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية. ولهذا بوّب الإمام النووي، رحمه الله، على هذا الحديث «باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية». هذا إذا خيف من الجهر مفسدة. ولهذا قال رحمه الله: «باب التوسط في القراءة بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة». أما إذا لم يكن في الجهر مفسدة، فلا بأس أن يجهر بالقرآن، وأن يرفع به صوته. وهذا الحديث فيه دليل للقاعدة الشرعية، وهي: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح». فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. فالجهر بالقراءة فيه مصلحة من إظهار القرآن وإعلانه وبيانه وسماع الناس له، لكن لما كان يترتب على هذا الجهر مفسدة، وهو سماع المشركين للقرآن فيسبوا القرآن ويسبوا من أنزله، أمر عليه الصلاة والسلام بعدم الجهر -عدم الجهر الذي يسمعه المشركون- درءًا لهذه المفسدة. قال رحمه الله: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا يحيى بن زكريا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله عز وجل: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾، قالت: «أنزلت في الدعاء». قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا حماد -يعني ابن زيد-. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، ووكيع. قال: وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، كلهم عن هشام، بهذا الإسناد مثله -يعني عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة-. فروى هذا الحديث الإمام مسلم، رحمه الله، عن يحيى بن يحيى، وعن قتيبة بن سعيد، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وهكذا عن أبي كريب محمد بن العلاء. فرووا هذا الحديث عن هؤلاء المشايخ كلهم، عن هؤلاء المشايخ كلهم. ورواية هؤلاء كلهم عن هشام: تسمى «متابعة تامة». حيث روى عائشة في قوله جل وعلا: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾، قالت: «أنزلت في الدعاء». قالت: «أن هذه الآية أنزلت في الدعاء» -يعني إذا دعوت فليكن دعاؤك وجهرك بالدعاء متوسطًا بين الجهر والإخفات، بين الجهر والإخفات، لا ترفع به صوتك وتجهر به جهرًا كبيرًا، ولا تخافت فتسر، وليكن ذلك وسطًا-. هكذا قالت، رضي الله تعالى عنها. وأشار للإمام النووي، رحمه الله، إلى أن هذا القول اختاره الإمام الطبري وغيره. قال: «والمختار الأظهر ما قاله ابن عباس، القول الأول الذي قاله ابن عباس: أن في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وهو متوارٍ بمكة». قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن جرير، قال أبو بكر: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله عز وجل: ﴿لا تحرك به لسانك﴾، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فاشتد عليه -يعني ذلك- فكان ذلك يعرف منه -يعني من رأاه- يعرف ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ أخذه لتعجل به أخذه، إن علينا جمعه وقرآنه، إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرأه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك». فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- كان يتعجل القرآن، يريد أن يقرأ ما يسمعه من جبريل عليه السلام، فكان يشتد عليه ذلك -يعني معالجة القرآن وقراءته وتلاوته- مخافة أن تفوته القراءة إذا انتهى جبريل من القراءة، فلا يستطيع أن يقرأ أو لا يحفظ ما تلاه وقرأه عليه. هذا من الحرص من حرصه عليه الصلاة والسلام ورغبته. وهذا قد يقع مثله للإنسان المتعلم الذي عنده رغبة في التعلم والقراءة، ربما يسابق المعلم إذا قرأ، إذا لقنه مثلاً القرآن، فتجد أنه يريد أن يقرأ معه، يسارع ويسابق حتى يقرأ. فهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام: كان إذا قرأ عليه جبريل القرآن، فكان يحرك لسانه وشفتيه يريد أن يقرأ معه. فقال الله عز وجل له: «لا تعجل، لا تحرك به لسانك لتعجل به -يعني تعجل بالقراءة- إن علينا جمعه وقرآنه -يعني نحن سنجمعه- نجمع القرآن في صدرك، وسوف تتلوه وتقرأه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه -يعني إذا قرأه جبريل وانتهى من قراءته- سوف تقرأه بعد ذلك. فأمره الله عز وجل بالاستماع، أن يستمع لقراءة جبريل، فإذا انتهى فإنه سيقرأه كما قرأه جبريل عليه السلام، وسيكون محفوظًا في صدره». قالوا: «لهذا قال ابن عباس: فكان إذا أتاه جبريل أطرق -يعني استمع له- فإذا ذهب قرأه كما وعده الله». قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة». وسبب الشدة -كما قال الإمام النووي، رحمه الله- هو هيبة المقام، هيبة الملك جبريل عليه السلام، أشرف الملائكة. وهكذا أيضًا شدة التنزيل، شدة الوحي وقوته، كما قال الله جل وعلا: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾. فالوحي ثقيل وعظيم. قد كان النبي عليه الصلاة والسلام -ثم تقول عائشة-: «ينزل عليه الوحي في اليوم البارد، فلا ينفصم عنه إلا وجبينه يتفصد عرقًا من شدة ثقل الوحي». قال: «فكان يحرك شفتيه». فقال له ابن عباس: «أنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما» -يعني حرك ابن عباس شفتيه كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه-. قال سعيد -أي ابن جبير-: «أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما» -يعني كما رأى ابن عباس حرك شفتيه، فحرك سعيد بن جبير رحمه الله شفتيه-. قال: «فحرك شفتيه». هذا يسمى عند أهل الحديث «مسلسل الحديث». المسلسل: مسلسل القول، أو مسلسل الفعل، أو وصف أتى، مثل: «أما والله، أنبأني الفتى كذاك، قد حدثنيه قائمة، أو بعد أن حدثني تبسما». أن يذكر كل راوٍ -يعني لفظًا معينًا، أو حركة معينة- يرويها، مثلاً الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعي عن الصحابي، وهكذا من أخذ عن التابعي، كل يذكر نفس هذه الحركة. قال: «فأنزل الله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾، إن علينا جمعه وقرآنه». وفائدة المسلسل: يعني ضبط الحديث. فائدته: أن الحديث يعني قد ضبط وأتقنه في حفظه وفي روايته. إلا أن أكثر الأحاديث المسلسلة ضعيفة، أكثر الأحاديث التي فيها يعني السلسلة فيها ضعف. قال: «إن علينا جمعه وقرآنه، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه، ثم تقرأه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، قال: فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه». قال: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه». وهذا فيه الأمر بالاستماع للقراءة والإنصات، كما قال الله جل وعلا: ﴿فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾. الاستماع: الإصغاء، أن يصغي للقراءة ويحضر قلبه لما يتلى ويقرأ حتى ينتفع بذلك. والإنصات: ترك الكلام، وترك الانشغال، السكوت، وترك الانشغال بما يشغله عن الاستماع. وأكد ما يكون ذلك في الصلاة، أكد ما يكون ذلك في الصلاة إذا جهر الإمام بالقراءة. لكن بالنسبة للمأموم، على الصحيح: فإنه يقرأ الفاتحة، ثم يستمع بعد ذلك. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». إذا الاستماع والإنصات مطلوب عند قراءة، عند سماع القرآن، تستمع، تصغي للقراءة، وتنصت، أن تسكت ولا تتكلم، ولا تنشغل بشيء يشغلك عن الاستماع. وهذا تعظيمًا لكلام الله سبحانه وتعالى، الذي هو القرآن، أفضل الحديث، وأصدق الحديث، وأفضل الكلام. وكذلك هناك فرق بين الاستماع والسماع. فمثلاً إذا كان هناك من يقرأ قرآن، وهناك من يستمع له، هذا المستمع الذي هو مصغي لقراءته ومحضر لقلبه لما يسمع، فهذا يؤجر على استماعه. وإذا مر بآية فيها سجود تلاوة، فإنه يسجد، هذا القارئ، ويسجد المستمع الذي يستمع لقراءته. أما السامع: كان يمر إنسان فيسمع هذا القارئ يقرأ، وهو لم يتقصد أن يستمع له، فإنه لا يسجد معه، ولا يتابعه في سجود التلاوة. وهكذا أيضًا بالنسبة للأجر، إذا لم يكن عنده قصد للاستماع، فإنه لا يؤجر. وهكذا أيضًا في العكس، في ترتب الإثم، في ترتب الإثم. فمثلاً إذا كان هناك صوت غناء، صوت غناء ومزامير، وهناك من يستمع لصوت الغناء، فهذا يأثم الذي يصغي لهذا الغناء ويستمع له، فإنه يأثم. لكن إذا مر الإنسان مرورًا، فسمع صوت الغناء، هو لم يقصد لسماعه، ولم يصغي له، ولم يرد سماعه، هذا لا يأثم. هذا لا يأثم. ففرق بين المستمع وبين السامع.