الخطبة بعنوان تفسير سورة القدر، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 25 رمضان 1442هـ الموافق 7 مايو 2021م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ليلة القدر هي الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم، وتُعد خيرًا من ألف شهر لعظمتها وقدرها عند الله تعالى. عوض الله بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما قصرت أعمارهم مقارنة بالأمم السابقة.
يجب على المسلم تحري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، خاصة في الليالي الوترية، والاجتهاد فيها بالطاعات لينال الأجر العظيم. من حرم أجرها فقد حرم خيرًا كثيرًا.
ليلة القدر لها علامات مثل أن تكون صبيحتها الشمس بلا شعاع، وليلة سمحة لا حارة ولا باردة. ينبغي على المسلم الاجتهاد في العشر الأواخر ككل لتحري ليلة القدر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾. هذه السورة العظيمة، وإن كانت قصيرة، لكنها احتملت معاني عظيمة في هذه الليلة، في ليلة القدر، سماها الله عز وجل ليلة القدر لقدر عظمتها ولقدرها عند الله جل وعلا. وقيل: سميت ليلة القدر لأن الله عز وجل يقدر فيها مقادير الخلائق. وقيل: سميت ليلة القدر لأن من تحراها ومن عبد الله عز وجل فيها صار قدره عظيمًا عند الله، صار قدره عظيمًا عند الله. فلهذا كانت ليلة القدر، فهي كما قال الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، فمن أعظم فضائلها أنها أنزل فيها هذا القرآن العظيم الذي جعلها أعظم ليلة أنزل فيها القرآن، فصارت أعظم ليلة. وكما قلنا: إن الله عز وجل جعل هذا القرآن مباركًا وبركة، فأنزله في هذه الليلة، فكانت خير الليالي، خير ليالي الدهر أو خير ليالي السنة. وأنزله جبريل، فكان خير الملائكة وأفضلهم، وأنزله على نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان أفضل الأنبياء، وأنزله على هذه الأمة، فكانت هذه الأمة أفضل الأمم: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾. فلهذا عباد الله، وهذا يدل على قدر هذا القرآن العظيم. فمن أعظم هذه الفضائل لهذه الليلة أنها أنزل فيها هذا القرآن: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منزلين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾، هذه الليلة مباركة، سماها الله عز وجل مباركة لأن البركة فيها كثيرة، ويزداد فيها الخير، ويذهب فيها الشر، فيجعل الله عز وجل فيها السلامة للمؤمنين، والسلامة كذلك من البلايا. فلهذا عباد الله، كانت هذه الليلة خير الليالي لما احتوته من الأشياء العظيمة. فأولًا: نزول القرآن، كما قال ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة، ثم خرج منجمًا، أي خرج بحسب الحوادث مفرقًا. وأيضًا كذلك عباد الله، قوله جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر﴾، وربنا جل وعلا إذا قال: «ما أدراك»، يريد تعظيم هذا الشيء وتعظيم شأنه. فقال: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾، قال جل وعلا: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾، هذه الليلة جعلها الله عز وجل ليلة مباركة عظيمة. قال بعض السلف، وجاء كذلك عن مالك وعن غيره: أن هذه الليلة إنما هي بمثابة هذه المدة العظيمة، إنما جعلت كذلك لقصر أعمار أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما ذكر مالك وغيره، وعوضهم الله عز وجل بهذه الليلة. وقد كان الناس أعمارهم كبيرة يعبدون الله، وجاء في أثر مجاهد بن جبر: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر رجلًا من بني إسرائيل عبد الله ألف شهر، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وإن كان هذا مرسلًا، لكنه معناه صحيح، على أن الله عز وجل عوض هذه الأمة بهذه الليلة العظيمة، عوضهم بهذه الليلة العظيمة التي يكون أجرها أجر دهر وأجر عمر كامل، ثلاثة وثمانين سنة وبضعة أشهر. ألف شهر خير من ألف شهر، خير من ألف شهر، قال مجاهد: أي في صيامها وفي قيامها وفي عملها، أي ليست فقط في الصيام والقيام، وإنما في كل الأعمال التي يعملها العبد إذا عمل شيئًا في هذه الليلة، صار هذا العمل كأنه عمله ألف شهر، كأنه عمله ألف شهر، فهذا فضل الله عز وجل الواسع، فضل الله عز وجل العظيم على هذه الأمة. قال الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر﴾، صارت هذه الليلة بألف شهر في طاعاته، إذا أطاع العبد ربه جل وعلا، فإنه يتحصل على هذا الأجر العظيم. فيا أخي، فلماذا تفوت هذا الأجر على نفسك؟ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلوات الله وسلام عليه، كان يتحرى ليلة القدر، وكان يقول: «تحروا ليلة القدر»، «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر»، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تحروا، تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر، فإن عجزتم، فإن عجزتم فاطلبوها في السبع البواقي»، «إن عجزتم فاطلبوها في السبع البواقي». قال أيضًا أبو سعيد: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تحرواها في أوتار، فإن غلبتم فتحروها في السبع البواقي»، السبع البواقي، أي من ثلاث وعشرين وما بعدها، فيجتهد العبد في هذه السبع ويتحرى ليلة القدر، فإنه من قام هذه الليالي واجتهد فيها، لا شك أنه سيصيب ليلة القدر. وليلة القدر هي ليلة لا بد أن تكون، والذي جاءت به الدلالة أنها في العشر الأواخر، أنها في أوتارها، وأرجى ليلة كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، أرجى ليلة فيها ليلة سبع وعشرين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، وفي حديث علي وغيره، وحديث ابن عمر: «قال: أرى رؤياكم قد تواطأت على سبع وعشرين»، «قال: أرى رؤياكم قد تواطأت على سبع وعشرين، ألا فتحروها في السبع البواقي». فهذا كله من الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام تبين أن المسلم يتحرى هذه الليلة لفضلها ولأجرها، ويتحراها في العشر الأواخر، فإن عجز عن ذلك فليتحراها في أوتارها، فإن عجز عن ذلك فليتحراها في السبع الأواخر أو سبع البواقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا عباد الله، فإن الله عز وجل قال: «هي خير من ألف شهر»، «خير من ألف شهر»، فيجب على المسلم أن يحرص عليها، فهي فرصة عظيمة. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم أجرها فقد حرم». وجاء في حديث أنس: «من حرم أجرها فهو محروم»، «من حرم أجرها فهو محروم»، أي من ضيع هذه الليلة فلا حرمة أو فلا أجر ضيعه على نفسه، من تضيعه لهذه الليلة العظيمة، فلا شك أنه قد حرم أجرًا عظيمًا جعله الله عز وجل بركة لهذه الأمة، يبارك الله عز وجل في أعمالها. فلهذا الواجب علينا عباد الله أن نجتهد وأن نحرص على تحري هذه الليلة، وعلى قيامها، والأعمال الصالحة التي تكون فيها، من قراءة القرآن، ومن التسبيح، ومن الدعاء والذكر، وغيرها مما شرعه الله عز وجل من الطاعات، فيجتهد العبد فيها حتى يوفقه الله عز وجل، فيتحصل على هذا الأجر العظيم في ليلة واحدة، يتحصل على أجر عمر كامل. وقال بعض العلماء: إن قول الله عز وجل: ﴿خير من ألف شهر﴾، إنما هو كالمثال، لأن العرب كانت إذا أرادت أن تذكر عددًا كبيرًا لا نهاية له ذكروا ألفًا، ذكروا ألفًا، كما قال الله عز وجل في قول: ﴿يُعَمَّر ألف سنة﴾، «يُعَمَّر ألف سنة»، وما هو بمزحزحه من العذاب، فألف سنة إنما هو غاية ما يذكره من العدد، والمراد أنه أكثر من ألف سنة، أي عمرًا كثيرًا. حتى ذكر الإمام القرطبي عن سهل بن عبد الله التستري: أنه قال: «إنما ليلة القدر عظمها وفضلها الدهر كله»، «فضلها الدهر كله». وأراد رحمه الله أن يبين أن ألف سنة ليس مقصودة، وإنما المقصود أنه عدد عظيم من الأيام والليالي أو من السنوات والشهور، والمراد به كذلك الدهر، كما قال سهل رحمه الله. فهذه بعض الأشياء التي ذكرها ربنا جل وعلا في هذه السورة، وفي فضلها، فقال جل وعلا: ﴿خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا ممن يغتنم هذه الليلة العظيمة، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فإننا في هذه السورة نجد أجورًا عظيمة وأشياء عظيمة يذكرها ربنا جل وعلا في هذه الليلة، فقال جل وعلا: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾، أي الروح هو جبريل، فتنزل الملائكة، والمراد أن الملائكة تتنزل بأعداد كبيرة جدًا، حتى إن بعض السلف يقول: إن لكل عبد ملك يدعو معه ويؤمن معه، وكذلك يدعو له، أن يدعو لهذا العبد ما دام على طاعة الله جل وعلا. فتنزل الملائكة إنما لشأن الناس، ولشأن عباد الله الصالحين الذين يعملون في هذه الليلة، يقومون بمساعدتهم، وكذلك أيضًا بالدعاء لهم، وكذلك أيضًا بالتأمين على دعائهم، وهذا سبب تنزيل هؤلاء الملائكة: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾، من كل أمر، أي من كل ما يحصل في هذه المعمورة. وكذلك قال بعض أهل العلم: «في كل أمر»، أي في كل طاعة، يكونون معيدين لمن أطاع الله عز وجل، وكذلك عونًا له. وكذلك أيضًا عباد الله، قال الله عز وجل: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾، سلام، أي سلمها الله عز وجل من البلايا. قال كثير من السلف: إن المراد بقوله: «سلام»، أي لا يحصل فيها بلاء، أي فهي سالمة من أولها إلى آخرها، لا يكون في تلك الليلة البلاء. وقال بعض أهل العلم: إنما هي سلام لأهل الإيمان ولأهل الطاعات، فإن الملائكة تسلم عليهم، وأيضًا كأنه تبشيرًا لهم بما يكون لهم في الآخرة من الخير والأجر والثواب. فقال الله عز وجل: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾، فهذه الليلة عباد الله تكون إلى مطلع الفجر، أي من أول المغرب إلى أن يطلع الفجر، فتكون ليلة عظيمة، من تحرها وحضي بها، فقد حضي بأجر عظيم، وتحصل على أجر لا يتحصله إنسان، ولا يتحصله كذلك هذا العبد نفسه في غير هذه الليلة، فهي خير من ألف شهر. وكذلك عباد الله، جعل الله عز وجل هذه الليلة لها علامات، جاءت في صحيح مسلم، وفي غيره: أنها تكون صبيحتها الشمس لا شعاع لها. وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم ليلة القدر عندما كان»، أو قال: «أرأيتم القمر لما كان شق جفنه»، «لما كان شق جفنه»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك كانت ليلة القدر»، والمراد شق جفنه، أي نصف جفنه، والمراد بالجفنه هو الوعاء الذي يشبع خمسة أو أكثر من ذلك. فلهذا كان يكون هذا القمر في آخر الليالي مثل شق الجفنه، أي نصفها، يشتق كأنه كأنه إناء مشتق، كأنه إناء مشتق، فهذا يعني أنه يكون في العشر الأواخر، يكون في العشر أو في آخر هذا الشهر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا، كما جاء عند أبي داود، وعن غيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنها ليلة لا حارة ولا باردة»، «ليلة سمحة»، «ليلة سمحة لا حارة ولا باردة». وجاء في حديث أبي سعيد: أنها نزلت فيها أمطار، لكن قال بعض العلماء: أنها ليست من علاماتها الأمطار أو المطر، وإنما حصل ذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا عباد الله، الله عز وجل من حكمته سبحانه وتعالى أنه أخفى علينا هذه الليلة، أخفى علينا هذه الليلة حتى نتحراها، كما أنه أخفى ساعة الجمعة التي يكون فيها استجابة الدعاء حتى نتحراها، وكذلك أيضًا أخفى ربنا جل وعلا أمورًا عظيمة لأجل أن يجتهد الناس، فإنهم إذا أعطوها اتكلوا، إذا علموا أن هذه الليلة ليلة القدر اتكل الناس، فإن كان قد مرت الليلة، فتجد العجز والكسل. ولهذا تجد بعض العاملين أو بعض أهل الإيمان وبعض أهل الطاعة يجتهد في أوتار العشر، ولا يجتهد في أواسطه أو في شفعها، وبعضهم إذا مرت سبع وعشرين تكاسل عن العمل وتقاعس عن العمل، وكأن ليلة القدر قد مرت، وهذا ليس بصحيح، ينبغي علينا أن نتحراها في سبع بقيت، وفي خمس بقيت، وفي ثلاث بقيت، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.