تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 124

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 124

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الذكر بعد الصلاة وصلاة الخوف

يبيّن المقطع حكمة الأمر بالذكر بعد الفراغ من الصلوات مستشهداً بآيات متعددة، وأن الذكر يعين على دوام الطاعة ويمنع غفلة القلب. ويخصّص الحديث صلاة الخوف بذكر فوائد إضافية: جبر نقصها الناتج عن الخوف والاشتغال، وصلاح القلب بالإنابة والمحبة، وتسكين القلق الذي يورثه الخوف.

أثر ذكر الله في تقوية القلب والنصر

يبيّن المقطع أن ذكر الله بكثرة هو من أعظم أسباب تقوية القلب وثباته عند لقاء الأعداء، مستدلاً بالآية الكريمة ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. كما يوضح أن الأمن والاطمئنان بعد الخوف يقتضي إقامة الصلاة كاملة بأركانها وخشوعها، مستشهداً بحديث عبادة بن الصامت في فضل المحافظة على الصلوات الخمس.

أحكام مواقيت الصلاة وعلاقتها بالإيمان

يبيّن المقطع أن الصلاة فرض موقوت لا تصح إلا في وقتها المحدد، وأن من صلاها قبل الوقت أو بعده عامداً فصلاته باطلة عند المحققين، مستدلاً بآية "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً" وحديث حبط العمل بترك العصر. كما يوضح أن الصلاة ميزان الإيمان ومعيار صلاح العمل، وأن الكفار لا يخاطبون بفروع الدين كصلاة حتى يسلموا أولاً.

خاتمة المقطع والاكتفاء بما ذُكر

يعلن المتحدث انتهاء العرض باكتفاء بما أورده المؤلف في المسألة، مع إحالة العلم المطلق إلى الله تعالى. ويختتم بالتأكيد على أن ما ذُكر كافٍ لفهم المقصود دون حاجة لزيادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: إذا فرغتم من صلاتكم، صلاة الخوف وغيرها، فاذكروا الله في جميع أحوالكم وهيئاتكم. ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. هذا الذكر الذي يكون بعد الفراغ من العبادات هو عون للعبد على دوام عبادته وطاعته لله جل وعلا. ولهذا تجد أن الله عز وجل يذكر الذكر بعد الصلوات وبعد انتهاء الصلاة. ففي هذا الحديث، في هذه الآية، قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. وقال أيضًا في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وقال في الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، إلى غيرها من الآيات. أيضًا في الصيام: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فذكر العلماء أن فائدة الذكر بعد العبادات هو دوام الطاعة وعدم غفلة القلب، لأن ذكر الله جل وعلا من أجل العبادات وأسهلها، ولا يوفق إليها إلا من وفقه الله جل وعلا. لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله، فيذكر الله عز وجل في كل أحواله وفي كل أحيانه، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. فهذه عبادة عظيمة، ولهذا جعلت بعد العبادات حتى لا يغفل القلب، لا يغفل قلب المؤمن، ويبقى مع الله جل وعلا. وهذا من أعظم الإيمان، أن العبد يكون قلبه مع الله ولسانه يذكر الله. قال: وهنا ذكر الشيخ رحمه الله عدة فوائد من ذكر الله عز وجل بعد صلاة الخوف. قال: ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. منها: أن القلب صلاحه وفلاحه وسعادته بالإنابة إلى الله تعالى في المحبة، وامتلاء القلب من ذكره والثناء عليه. لأن ذكر الله والثناء عليه هو علامة المحبة، كلما كثر وامتلأ القلب من ذكره، ومن عظمة الله جل وعلا، أو من تعظيم الله سبحانه وتعالى، كان ذلك أعظم في الإيمان، وأعظم في الإيمان والمحبة. قالوا: أعظم ما يحصل به هذا المقصود الصلاة، التي حقيقتها أنها صلة بين العبد وبين ربه. قالوا: منها أن فيها من حقائق الإيمان، أي في الصلاة، صلاة الخوف خاصة، أن فيها من حقائق الإيمان ومعارف الإيقان ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة. ومن المعلوم أن صلاة الخوف لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال القلب والبدن والخوف، فأمر بجبرها بالذكر بعدها. لأن الإنسان عندما يكون مواجهًا لعدو، فتفكيره وانشغال قلبه يكون بذلك العدو، فيشغل عن الصلاة، فجعل جبرها ذكر الله جل وعلا. قالوا: منها أن الخوف يوجب من قلق القلب وخوفه ما هو مضنة لضعفه. وإذا ضعف القلب ضعف البدن عن مقاومة العدو. والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب، لأن القلب يضعف، وخاصة إذا استولى على قلبه الخوف والجبن والهلع. ولهذا، أعظم ما في الرجل، أعظم ما يكون من السيئات، أن يكون القلب عنده خوف شديد من غير الله جل وعلا، حتى يصل إلى الجبن الهالع، أو الجبن الخالع. أبغض ما في الرجل: جبن خالع، وشح هالع، كما جاء عند أحمد وأبي داود: "أبغض ما في الرجل جبن خالع، وشح هالع". أبغض شيء في الرجال، قال: أبغض ما في الرجل جبن خالع، يخلع قلبه من كثرة الجبن والخوف، تجد عنده خوفًا شديدًا، يخاف من كل شيء، يرتعب قلبه. هذا الجبن الذي خلع الجبن قلبه، فهذا أبغض ما يكون في الرجال: جبن خالع، وشح هالع. شح هالع: أي أنانية عظيمة، حرص على نفسه وعلى مصالحه. قال: ومن أن الذكر لله تعالى مع الصبر والثبات سبب للفلاح والضفر بالأعداء، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فذكر الله عز وجل سبب من أسباب النصر على الأعداء، فالثبات على القتال وعلى المبارزة، وكذلك فيه ذكر الله جل وعلا، إعانة على ذلك. لأن العبد إذا ذكر الله عانه الله وكان معه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: "يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي متى ما ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم". فيكون مع العبد كلما ذكر العبد ربه جل وعلا، كان الله عز وجل معه. ومن كان الله عز وجل معه لا يقهر ولا يهزم ولا يخذل. ومعنى ذلك أن الله عز وجل يعينه. قالوا: منها قال: وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. عن هذه الأربعة الوجوه ذكرها في فائدة تخصيص صلاة الخوف بذكر الله بعدها. وإلا كما قلنا أن أكثر العبادات الكبيرة والعظيمة أمر الله عز وجل بذكر الله عز وجل بعدها. ومن ذلك كما ذكر في هذه الآية أيضًا الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قالوا: قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إذا أمنتم من الخوف واطمأنت قلوبكم وأبدانكم، فأتموا صلاتكم على الوجه الأكمل ظاهرًا وباطنًا، بأركانها وشروطها وخشوعها وسائر مكملاتها. فقصد هنا: فأقيموا الصلاة، أي أقيموها كما أمر الله عز وجل بها. فإقامة الصلاة: أي بركوعها وسجودها وخشوعها، وأيضًا كل ما يلزم فيها. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث، حديث عبادة بن الصامت، في المحافظة على الصلاة، فقال: "من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة، من صلى بوضوئهن في أوقاتهن، وصلى بهن بركوعهن وخشوعهن وسجودهن، كن له نورًا يوم القيامة"، أو قال: "كن له نورًا برهانًا يوم القيامة، وكان له عهد على الله أن يدخله الجنة. وأما من ضيعهن، لم تكن له نور ولا برهان يوم القيامة، ولم يكن له عهد من الله، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له". قال رحمه الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، أي مفروضًا في وقته. فدل ذلك على فرضيتها، وأن لها وقتًا لا تصح إلا به، وهو هذه الأوقات التي تواترت عند المسلمين، صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، وأخذوا ذلك من نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وهذه الآية تدل على أن الصلاة لا بد أن تكون في وقتها، إلا ما جاء تجويزه من الشرع. فإن لم يصلي الصلاة في وقتها، فصلاة غير صحيحة. فإن صلاها قبل الوقت، فصلاته باطلة. وإن صلاها بعد الوقت، فالصحيح أنه صلاته باطلة. فالأول بالإجماع: إذا صلاها قبل الوقت، فبإجماع المسلمين أنها باطلة، ولا تصح، ولا أيضًا تكون قضاءً. وإذا صلاها بعد الوقت، فالصحيح كما قلنا أنها باطلة كذلك. وذهب جماعة من أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور، أنها تقضى، أو أنها تعتبر قضاءً. وهذا ليس له دليل صريح في هذه الآية، بل الأدلة تدل على أن الرجل يصلي الصلاة في وقتها، فإذا خرج الوقت فإنه لا صلاة له. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من ترك صلاة العصر متعمدًا حتى خرج وقتها، فقد حبط عمله". فلو كان بعد الوقت يقضى، لما كان له هذا الوعيد الشديد. وأيضًا الله عز وجل جعل الصلاة في غير وقتها إضاعة لها. ودل قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ على أن الصلاة ميزان الإيمان، وعلى حسب إيمان العبد تكون صلاته وتتم وتكمل. أن هذه الصلاة ميزان، ميزان للأعمال. ولهذا إذا صلحت الصلاة صلح سائر العمل. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. فالصلاة هي ميزان للأعمال، إن صلحت الصلاة صلح سائر العمل، ووفق العبد إلى سائر ذلك العمل. وإذا فسدت الصلاة ولم يقم صلاته صحيحة، فإنه أيضًا سيختل عمله الصالح، سيختل عمله الصالح. فلذا فالصلاة هو ميزان الإيمان، يوزن به الإيمان. من حسنت صلاته وأحبها واهتم بها، فإيمانه عظيم، وأيضًا إيمانه قوي. ومن تهاون في الصلاة وفرط فيها، فهذا لضعف إيمانه، وقد يكون أيضًا حتى قد يكون لعدم... إذا تركها. قالوا: إن كانوا ملتزمين لأحكام المسلمين كأهل الذمة، أنهم لا يخاطبون بفروع الدين كالصلاة، ولا يؤمرون بها، بل ولا تصح منهم ما داموا على كفرهم. وإن كانوا يعاقبون عليها وعلى سائر الأحكام في الآخرة. هذا يدل أيضًا على المؤمنين، أي أن أهل الكفر لا يخاطبون بها في الدنيا، لا يقال لهم: صلوا، وإنما يقال لهم: أسلموا. فإذا دُعي الكافر لا تقول له: صل، فإنما تقول له: أسلم أولًا، اشهد أن لا إله إلا الله. وإلا ما تفيده الصلاة إذا كان على كفره؟ معنى ما تفيده الصلاة إذا كان على كفره. فلذا الكافر يدعى إلى الإسلام، يدعى إلى الإسلام. طيب، هذا ما ذكره المؤلف، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.