الخطبة بعنوان الارتقاء في رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 شعبان 1443هـ الموافق 25 مارس 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يعتبر شهر رمضان فرصة لتعزيز الإيمان وتقوية العقيدة، حيث يمتثل المسلمون لأمر الله ويتطلعون إلى أجره وثوابه. تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتُصفّد الشياطين في هذا الشهر الفضيل.
يبذل المسلمون جهودًا في العبادات والتقرب إلى الله في رمضان، ويتحلون بمكارم الأخلاق. يرتقي المسلمون إلى أعلى مقامات الإخلاص ويوفون أجورهم بغير حساب في هذا الشهر.
ينبغي للمسلمين أن يجدوا الفرح في طاعة الله وعبادته، خاصة في أوقات الفتن والمحن. إصلاح العلاقة مع الله يؤدي إلى إصلاح العلاقات مع الناس وتحسين الأحوال.
يُدعى للمسلمين بالتوفيق والهداية لمن أراد بهم الخير، وبالدمار والتدمير لمن أراد بهم السوء. يُختم الدعاء بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، ها قد أظلنا شهرٌ مباركٌ عظيم، شهرٌ منيفٌ شريف، شهرٌ هو قرة عيون الموحدين من الصالحين والمصلحين، شهرٌ تشحذ له الهمم للوصول إلى مرضات رب العالمين، شهرٌ كم تتطلع له النفوس لما يقسم فيه من الأجر والخير العظيم، هو شهر رمضان الفضيل سيد الشهور بيقين. قال ربنا جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، هذا الشهر الذي جعله الله جل وعلا سببًا من أعظم الأسباب في تغيُّر أحوال أهل الإسلام إلى أحسن الأحوال، وذلك بأن يرتقي المسلم بدينه إلى درجات الكمال، أي الكمال النسبي. ففي هذا الشهر يزداد المسلم في عقيدته، وذلك بما يكون من امتثاله لأمر ربه وتطلُّعه لما يكون من أجره وثوابه، فيعلم أن له ربه يُعطي الأجر ويغفر الذنب ويصدر الأمر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، فحينها تزداد عقيدة المسلم بربه. في هذا الشهر المفضل يتجلى إيمان المسلم بالغيب، فهو يؤمن بأنه في رمضان تفتح أبواب الجنان وهو لم يرها، وتغلق أبواب النيران وهو ما شاهدها، وأن الشياطين قد صفدت وهو لم يطلع عليها، كل ذلك عنده من المسلمات التي لا تقبل عنده شك ولا ريب ولا ارتياب، وذلك لعظيم تصديقه وإذعانه بخبر الله ورسوله، وهذا هو الإيمان بالغيب. في هذا الشهر العظيم يبذل المسلم ويرتقي في تقربه لربه، وذلك أن يبذل كل ما يملك من قوة وقدرة في تحقيق مقام العبودية، فيشمر عن ساعد الجد، ففي هذا الشهر يكون النداء: «يا باغي الخير أقبل»، فشمر المسلم عن ساعد الجد فأقبل على صلاته وصيامه وعلى تهجده وقيامه وعلى ذكره وقراءته وعلى بره وإحسانه وعلى صلته لقرابته وأرحامه، فلا كلل ولا ضجر ولا ملل، وإنما يمضي إلى الله قدما بالزيادة في التعبد والتقرب، وهو بذلك يزداد من الله محبة. في هذا الشهر الفاضل، في شهر الصيام، يرتقي المسلم إلى أعلى مقامات الإخلاص، فالصوم هو عبادة السر لا يطلع عليها أحد من الخلق سوى الرب جل في علاه، ومن هنا كان الصائمون يوفون أجورهم بغير حساب. عباد الله، في هذا الشهر يظهر المسلم ما يكون من فقره وذله وضعفه وانكساره وانطراحه وافتقاره بين يدي ربه، وذلك بأن يلجأ إلى الله جل في علاه بالتضرع والدعاء، ويلجأ إلى مولاه بالسؤال والتملق والنداء، لعلمه أن رمضان هو شهر يستجاب فيه الدعاء، فليزال هذا حاله وهذا منواله في شهر الصيام داعيًا ملتجئًا متضرعًا إلى الله. في هذا الشهر يرتقي المسلم بمعاملاته، فيعتني اعتناءً عظيمًا بآدابه وأخلاقه وبحسن سيرته وسلوكه، فلا شتم ولا سب ولا لغط ولا صحب، ولا يرد السيئة بالسيئة، وإنما مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب هي السمة البارزة لأهل الصيام. في هذا الشهر الفضيل يلتفت أهل الإسلام إلى إخوانهم من أهل الإيمان ممن تزاحمت عليهم الهموم والأحزان بسبب ما يعانونه من شدة وكربة ومن ضيق وفقر ونكبة، فيأتي رمضان ويفتح الآفاق لأهل البذل والإحسان. عباد الله، شهر رمضان هو شهر الطاعات والعبادات، شهر الأقوال والأعمال والأحوال، هو شهر يقوم على شروط وأركان وعلى واجبات ومستحبات، ويقوم على نواقض ومبطلات، فكان لابد من أمرين متلازمين، أولاهما لابد من العلم حتى تكون على بصيرة في شهر صيامك فيما تفعل وفيما تأتي وتذر، والأمر الثاني لابد من السنة اتباعًا بنبيك في شهر صيامك في كل ما تفعل وفي كل ما تقول وتفعل. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، فمما ذكرنا من شهر الصيام وما أودعه الله جل وعلا فيه من فضائل ومناقب ومن خصال وخصائص لتستوجب علينا الحمد والشكر لربنا ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً، وأن تملأ قلوبنا بهجة وسرورًا وفرحة وحبورًا بما أولانا الله جل وعلا به من هذا الموسم الكريم ومن هذا الموسم العظيم الفضيل. لكن قد يقول قائل: وأي فرحة ستغمرنا ونحن في هذا الواقع الأليم والزمن المرير؟ فأقول: يا عبد الله، علينا أن نعلم جميعًا أن المسلمة في أزمان الفتن والمحن وفي أوقات الشدائد والكرب ينبغي بل ويجب أن يكون أنسه وبهجته وسكون قلبه وانشراح صدره بما يكون من طاعته وعبادته وقربه من ربه. قال سبحانه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾، قل بفضل الله وبرحمته، أي بدينه بشريعته، وما أولاه لنا ربنا جل وعلا من أحكام، هنا يكون الفرح ويكون السرور، فهذا هو الفرح الحقيقي الذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يملأ به القلوب والصدور. علينا أن نعلم أن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وأنه من أصلح آخرته أصلح الله له دنياه، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، فمتى ما أقبل العباد على طاعة رب الأرباب، فإن الله جل وعلا يغير حالنا إلى أحسن حال. الله الله يا عبد الله، أقبل على الأعمال عمومًا وعلى رمضان خصوصًا، فإن من أقبل على الله أقبل الله عليه، وأن من حفظ دين الله فالله جل وعلا يتولاك بحفظه. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الله مغفرة المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء فالله مشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر.