الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1443هـ، والتي كانت بمصلى العيد بمنطقة طيبة بالشحر 1443هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الخطيب يحمد الله على إتمام شهر رمضان وبلوغ عيد الفطر، ويعتبر بمرور الأيام والليالي. يشكر الله على تيسير صيام الشهر وتمام النعمة.
الأمة المحمدية لها فضل كبير عند الله، حيث ضعف لها أجور الأعمال. يجب على المسلمين أن يتشجعوا للطاعات والعبادات ويبتعدوا عن المحرمات.
يوصي الخطيب بالقيام بحقوق الزوجة والأولاد واغتنام الأوقات للطاعات. يحذر من إهمال هذه الحقوق والانشغال عن الطاعات.
المقطع يتضمن دعاء الله تعالى بقبول الأعمال الصالحة وطلب المغفرة للمؤمنين. يُنهي المقطع بالتأكيد على علم الله تعالى والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا في هذا اليوم، والذي فيه نبتهج بهذا اليوم الأغر بيوم عيد الفطر، إننا لنحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى أن يسار لنا مثل هذه الأيام، وأن جعل لنا مثل هذه الأعياد والأزمان، والذي يظهر فيه أهل الإسلام والإيمان مظاهر الفرح والسرور والبهجة والحبور، فلله الحمد حمدا من بعد حمد. عباد الله، إن فرحتنا بالعيد ليس بأعظم من فرحتنا بما كان منا من إتمام شهرنا ومن استكمال صومنا، فإن ذلك من عظيم إنعام الله بنا، إذ أنه سبحانه وتعالى يسر لنا حضور هذا الشهر بكماله وتمامه، فلله الحمد على آلائه، والحمد لله على عظيم إنعامه. كم من أناس كانوا أشد منا حرصا وأكثر منا حبا على حضور هذا الشهر، لكن وافتهم المنية وسبقتهم الآجال وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، بينما نحن أمد الله جل وعلا في أعمارنا وجعل لنا فسحة في دهرنا، فلله الحمد على ما أعطى وأزدى. عباد الله، إن بمرور الليالي والأيام وبتعاقب الليل والنهار لفيها معتبر لأهل الفكر والاعتبار، كما قال جل في علاه: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾. وإن من عظيم ما نعتبر به من تعاقب الليل والنهار وما كان من مضي الأيام ما كان من اعتبارنا بسرعة مضي الأزمان، نعم ما كان من سرعة مضي الأزمان، فبالأمس كنا على عتبات رمضان، وها نحن الآن على أبواب شوال، فيا سبحان الله. وإن هذا مما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام فيما صحت عنه الأخبار، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، ويكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». إن ذلك من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام بما أخبر به من سرعة مضي الأيام، فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما يكون من قصر أعمار الأمة المحمدية، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين، والقليل من يتجاوز ذلك». فإذن قد انضاف في أمتنا وفي حياتنا أمرا: سرعة مضي الأزمان مع قلة الأعمار، فحينها ليس للمسلم إلا إلى الله المشتكى، وعليه التكلان، والله المستعان. إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل لنا ما فيه التهوين على قلوب أهل الإسلام وعلى قلوب أهل الإيمان، بأن الله جل وعلا خصهم بما ليس عند أحد من الملل والأديان، إذ أن الله سبحانه وتعالى ضعف لأهل الإسلام أجور الأعمال والأقوال والأفعال والأحوال. ففي البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى نصف النهار على قراط قراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: فمن يعمل لي من منتصف النهار إلى العصر على قراط قراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: فمن يعمل لي من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس على قراطين قراطين؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فأنتم الذين تعملون من بعد صلاة العصر إلى المغرب على قراطين قراطين، فغضبت اليهود وغضبت النصارى، قالوا: عملنا كثيرا وعطينا قليلا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا يا رب، قال: فهذا فضلي أوتيه من أشاء». نعم، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى جعل فضله لهذه الأمة المحمدية بأن فتح لها مواسم الخيرات وأزمان البركات، مع ما يكون من مضاعفة الأجور والحسنات. بالأمس كان رمضان تتضاعف فيه الأجور، وها نحن في شوال، من صام ستة من شوال كان كصيام الدهر، ثم بعد ذلك العشر من ذي الحجة من أفضل أيام الدنيا. فعلينا عباد الله أن نشمر عن ساعد الجد، وأن نقبل على ربنا جل وعلا بالطاعات والعبادات والحرص على الفرائض والأركان والواجبات، والإقبال على النوافل والسنن والمستحبات، والابتعاد والاجتناب عما حرم الله جل وعلا من محرمات وحرمات، ومن ذنوب وسيئات، ومن جرائم وموبقات. وهكذا مع تأديتنا لحق الله علينا أن نؤدي حق العباد، وخاصة كل من له حق عليك، فأدي عبد الله حق الوالدين بطاعتهما وبرهما والإحسان إليهما، والسعي على حوائجهما والقيام على شؤونهما، والسعي إلى كسب رضاهما، وعدم تعنيفهما ولا إشهارهما، ولا تقل لهما أف، ولا تنهرهما. وهكذا السعي على القيام بحق الزوجة، وذلك برحمتها والعطف عليها، وبالقيام بشؤونها، واللين معها في آدابك ومعاملاتك وأخلاقك، فإنهن عوان بين أيديكم، يا عباد الله. وهكذا القيام بتأدية حق الأولاد من بنين وبنات، وذلك بحسن تربيتهم وتأديبهم على مكالم الأخلاق ومحاسن الآداب. وهكذا أنت يا أمت الله، عليك كذلك الاهتمام بباب الأعمال، فإن الأعمار قصيرة، والأزمان تمضي سريعة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ؟» فقال المسلمون: يا رسول الله، وماذا نقول؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل». فالساعة على وشك الوقوع، فأعمارنا قصيرة، ولهذا عليك يا أمت الله، وأنت خاصة بالذات على اغتنام الأوقات بما تحبين أن ترينه بعد الممات. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر أن معاشر النساء من أكثر من يدخل النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعليك بالإكثار من طاعة الرحمن، والإمساك والكف عن آفات اللسان، والقيام وتأدية حقوق العباد. فهذه امرأة قد أدت حق ربها كما ذكرت لرسول الله عليه الصلاة والسلام عن كثرة صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، هي في النار»، مع تأديتها لحق الله أخلت بحق الخلق، فكان مصيرها ما سمعتم. فإذا كان هذا في حق المرأة فرطت في حق جارتها، فما ظنكم بامرأة فرطت في حق أولادها أو قل حق زوجها ووالديها؟ فإن أمرها أعظم. وإن كانت امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فما ظنكم بامرأة تؤذي غيرها من بني جنسها، فتؤذيهم بالكذب والبهتان، وبالقطيعة والعدوان؟ فعلينا عباد الله جميعا أن نقبل على الله جل وعلا، وخاصة ونحن في هذه الأزمان الذي قلت فيه الأعمار ويتسارع فيه الأزمان. وأخص بالذكر يا أهل طيبة، بما حباكم الله جل وعلا به بهذا المركز الذي جعله الله جل وعلا بين أيديكم وبين أظهركم منارة للعلم، فيها التدريس وفيها التعليم وفيها الترشيد والتثقيف. فما عليكم إلا أن تقبلوا بأنفسكم وبأزواجكم وبنينكم وبأولادكم ومن تحت أيديكم، واعلموا أن فضائل العلم لا تكون إلا في حق من جلس وزاحم هذه المجالس بالركب. وليخفاكم قصة ذاك العالم الرباني عندما أرشد ذاك الرجل حتى يعينه على باب التوبة، فأمره أن يذهب إلى القرية الصالحة، فقال له: «فإن بها قوما يعبدون الله، فاعبد الله معهم»، فمن يسر الله له أن يبقى في قرية صالحة مع أهل الصلاح، فليأخذ من هديهم ومن سمتهم وما هم عليه من علم وبهرجان. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.