الدرس في كيف نستقبل رمضان 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى أهمية التخلص من المظالم قبل رمضان، مشيرًا إلى عواقب عدم التحلل يوم القيامة. ينبغي على المسلم أن يتحلل من المظالم التي تشمل الدماء والأموال والأعراض.
ينبغي استقبال رمضان بصفاء القلب وسلامة الصدر من خلال الصلح مع الآخرين، لأن الشحناء ترد الأعمال. كما أن صلة الرحم من الأمور المهمة التي تؤدي إلى رضا الله.
يوصي الخطيب بضرورة الإصلاح مع الأقارب والوالدين، ويحذر من عقوق الوالدين الذي يحرم صاحبه من قبول أعماله الصالحة. بر الوالدين وصلة الرحم من الأعمال المهمة.
يُشجع على الدعاء بلوغ شهر رمضان والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم لاغتنام أعماله الصالحة. الدعاء يعد من الأعمال المهمة لاستقبال الشهر الفضيل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، استكمالًا لما كنا بصدده من ذكر ما ينبغي أن يستقبل به رمضان، وخاصة ونحن بين ليلة وضحاها بانتظار حلول هذا الضيف الكريم. وإن مما قد ذكر معنا من أعظم ما يستقبل به رمضان أولًا: ما يكون من الفرح به والاستبشار بقدومه، ثانيًا: ما يكون من إصلاح النفس وترويضها وتهذيبها من الآن قبل دخول رمضان، ثالثًا: ما يكون من التزود بالأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الشهر المفضال، رابعًا: ما يكون من السعي في إزالة كل مانع يمنع من استيفاء أجر صيامنا وقيامنا. وأشرنا أن الموانع التي نحرص على ذكرها لكثرة انتشارها وفشوها هي ثلاث مسائل، مرت معنا المسألة الأولى، وهو التخلص من كل ما يكون من مظهر الشرك والكفر، وأشرنا إلى ذلك ما يكون من الاعتقاد بغير الله، أو ما يكون من سب الدين والرب، أو ما يكون من ترك الصلاة، إلى آخر ذلك من المظاهر، لأن من وقع في الشرك فإن أعماله ترد. ومما أذكره من الموانع التي تمنع من استيفاء أجورنا وثوابنا، ونحن في هذا الشهر العظيم، وما نعقده من طاعات وعبادات، ما يكون من السعي في إرجاع الحقوق إلى أهلها، وذلك عن طريق التحلل من المظالم. رمضان هو شهر التوبة، يتوب الله على من تاب، وقد جاءت الأدلة التي تدل على أن التوبة إذا كانت متعلقة بحق آدمي فإنها تقف حتى تتحلل من صاحبها. وقد ذكر العلماء أن المظالم ثلاث: الدماء، والأموال، والأعراض. الدماء والأموال والأعراض، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. فهذه المظالم الثلاثة، يا عبد الله، حاول من تلبس بها أن يتحلل من أهلها، وأن يستسمح من أصحابها. إن ابتليت بدم مسلم أو بعرضه، أو بأن أخذت شيئًا من ماله، عليك أن تتحلل، وإلا اعلم يا عبد الله، ما يكون من أعمالك فهي مرهونة بهذه المظالم. ولنعبر بحديث المفلس الذي جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، في أمر ذاك الرجل الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه ضرب هذا وسفك دم هذا، وهذا خوض في دماء المسلمين، أو أنه قذف هذا وشتم هذا، وهذا طعن في أعراض المسلمين، أو أنه أخذ أموال هذا، وهذا من التعدي على أموال الناس. فهذا رجل ابتلي بهذه المظالم الثلاث بالدماء والأموال والأعراض، فما حكمه؟ حكمه أن الغرماء يوم القيامة يطالبونه بحقوقهم، لكن بماذا تكون إرجاع الحقوق إذ ذاك؟ اليوم لا درهم ولا دينار، لا مال ولا عقار، إنما تكون المساومة بحسناتك، بما كان من أعمالك هنا يكون العوض، فتعطيهم يا عبد الله، فتعطيهم من حسناتك ما فيه إسكات لهم. لكن لربما تفن حسناتك يا عبد الله، ولا زال الغرماء يطالبونك بحقوقهم، فما الحيلة حينها؟ تغير الآلية، فهم يأخذون من سيئاتهم فيطرحونها على ظهرك، حتى إذا ثقلت بك سقطت، وإياها في النار، والعياذ بالله. أين صلاتك؟ أين صيامك؟ أين قيامك؟ أين تراويحك؟ ذهبت، ذهبت مع مظالم الناس. فيا عبد الله، يا من ابتليت بشيء من هذه المظالم، احرص في مثل هذه الأوقات وهذه الأزمان بالذات أن تتحلل من أصحابها ومن أهلها. ومما يذكر في هذا المقام كذلك مما أنبه عليه مسألة الديون، مسألة الديون هذه من حقوق المالية التي هي في ذمتك، أخذت قرضًا، دينا، سلفًا، ارجع الحق لأهله، ولا تعبث بأموال الناس يا عبد الله، فهذه من المظالم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الدين دينان، فمن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه»، وهذا الكثير في مجتمعنا، وقال: «ونحن نعاني مما يعاني منه الناس، فالإنسان لا يستطيع أن يستكمل معيشته إلا بالاستدانة». خذ من أموال الناس، لكن احرص على سدادها، ومتى ما حرصت على سدادها فالله يعينك، فالله يعينك. وكم وكم من أناس أخذوا ديونًا، لكن لما صدقوا مع الله في سداد وإرجاع الحقوق إلى أهلها أعانهم الله، أدى الله عنه، لربما يعطيك الله من الأرزاق ما تسدد به دينك، أو أن الله جل وعلا يقيض من الخلق من يعينك على سداد الدين. وقد حصل لكثير من الناس أن الله يسلط له من أهل الخير والبر والإحسان فيقوم ويسدد الديون التي على الفقراء والمحتاجين، هذا من أداء الله لعباده، لكن إذا هم حرصوا على الأداء. لكن المشكلة تكمن في الطرف الآخر، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله. ومن الناس من يعبث، يأخذ من هنا دينًا ومن هنا دينًا، ثم يهرب إلى أماكن بعيدة، ولا يسأل عن ديونه، بل وكأنه لا دين عليه، وهو يعلم أن الناس يطالبونه، فهذا يريد إتلاف الناس، فليبشر بهذه البشارة السيئة أن الله سيتلفه. فحذاري، عبد الله، من هذه المظالم، فينبغي على كل مسلم وهو يستقبل هذا الشهر الفاضل أن يتحلل من المظالم. كذلكم ثالثًا من الأمور التي ينبغي أن نسعى لها ونحن في استقبالنا لهذا الشهر، إخواني في الله، ما يكون من السعي إلى الصلح وإلى المسامحة والعفو عن من كان بيننا وبينه خصومة. فرمضان، إخواني في الله، من الشهور العظيمة التي ينبغي أن تستقبل بصفاء القلوب وسلامة الصدور، حتى قيل لبعض السلف: كيف كان استقبالكم لرمضان؟ قال: «ما كان أحد يجرؤ على استقبال هلال رمضان وفي قلبه ذرة من حقد على أخيه المسلم». فكان من الناس من يحرص على صفاء قلبه، صفاء قلبه من الضغائن والبغضاء، ومن العداوة والشحناء، إذ أن الأدلة قد دلت على أن من أعظم ما ترد به الأعمال يكون بمثل هذا الداء، وهو داء الشحناء. فإن الله جل وعلا يغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: «أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا»، أي أخروهما، فتبقى أعمال المتشاحنين معلقة بين السماء والأرض، لا يذن لها الرب بالقبول حتى يكون الصلح، فتصطلح. فاحرص يا عبد الله، وأنت مقبل على هذا الشهر العظيم، على الصلح مع إخوانك، مع جيرانك، مع زملائك. والأمر يشتد إذا كانت الخصومة والقطيعة مع أرحامك ومع ذوي قرابتك، فالأمر أعظم. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع»، أي قاطع لرحمه. وقال عليه الصلاة والسلام: «الرحم شجنة من الرحمن، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله». فاحرص يا عبد الله على سلامة القلوب، وعلى الحرص على مد يد العون مع ذوي القرابة، من العمومة والأخوال والأجداد والجدات، ومع بني العمومة. لا تختصم يا عبد الله على هذه الدنيا الدنية، فلا تستحق هذا العناء، وأن ترفع راية الولاء والبراء لأجلها. بل يا عبد الله، خذ الشيطان واسترح، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، له المنزلة الرفيعة. ليس الدناءة أن تتنازل يا عبد الله لكي تصطلح مع أخيك، بل هذه منزلة رفيعة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإن كانت الخصومة يا عبد الله مع أحد والديك، فهذه المصيبة العظمى، وهي الداهية الكبرى، أن تكون عاقًا لوالديك. كيف تهنأ يا عبد الله بعيش أو بحياة، أو أنك تمني نفسك بأن تدخر من الحسنات ومن الطاعات والعبادات وأنت عاق لوالديك؟ يا عبد الله، افهمها، اعلم أن والديك عبارة عن باب من الأبواب التي تدخل إلى الجنان، فإذا أردت أن تدخل الجنة فعن طريق هذا الباب، إن وجدته مفتوحًا أبشر بكل خير. لكن إن وجدت هذا الباب قد أوصد في وجهك، كيف ستدخل ومن أين ستدخل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا». قال الخطابي وغيره: «الصرف والعدل بمعنى الفريضة والنافلة»، بمعنى ثلاثة من الأشقياء التعساء، ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، أي لا نافلة ولا فريضة، ما يقبل منهم عبادات ولا طاعة، مهما صلى وصام، مهما صلت تراويحًا وقامت، مهما ذكر الله وقرأ القرآن. ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، وأول من بدأ بهم نبينا، قال: «العاق، والمنان، والمكذب بالقدر». فذكر نبينا عليه الصلاة والسلام العاق لوالديه، هذا يحرم من أعماله وأفعاله. وتأمل يا عبد الله ما جاء عند النسائي بإسناد صحيح من حديث عمر بن مرة الجهني، أن رجلًا قال: «يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأديت زكاة مالي؟». تأمل في حق هذا الرجل الصالح، حرصًا على مباني الإسلام وعلى أركانه العظام، أتى بالتوحيد، وصلى وصام وزكى، فقال عليه الصلاة والسلام: «من فعل ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء»، وضم نبينا بين أصبعيه إشارة إلى علو منزلته، إذ أنه سيصل إلى منازل أو كاد أن يصل إلى منازل هؤلاء، قال: «وضم بين أصبعيه، ثم قال: ما لم يعق والديه، ما لم يعق والديه»، أن يحرم من هذه المنزلة الرفيعة، ولو كان من أهل التوحيد، ولو كان من أهل الصلوات المكتوبات، ولو كان من أهل الصيام والقيام وأداء الزكوات، لكن لن يصل إلى مرتبة الشهداء والنبيين والصالحين، لأنه ما يمكن للعاق أن يصل إلى هذا المقام. فاحرص يا عبد الله، كما أنك في رمضان تصلح ما بينك وبين الله، أصلح يا عبد الله ما بينك وبين خلق الله، أصلح مع الجيران، أصلح مع الأحباب والزملاء، أصلح مع عشيرتك وقبيلتك، أصلح يا عبد الله مع أرحامك وقرابتك، أصلح يا عبد الله مع إخوانك وأخواتك، مع أزواجك وأهلك وعيالك، مع والديك، مع أمك وأبيك، ومع سائر خلق الله، فإنه من أقبل على الله أقبل الله عليه. أسأل الله جل في علاه أن يبلغنا رمضان، وأن يجعلنا من أهله ومن رواده، ومن صوام نهاره وقوام ليله، وأن يجعلنا من عتقاء شهر الصيام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.