الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الآية الثانية من سورة الحجرات تنهى المؤمنين عن رفع أصواتهم فوق صوت النبي وتعظيمه وتشريفه. هذه الآية تدل على أهمية التأدب مع رسول الله وتعظيمه.
تناول المقطع تفسير آية "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" ونهى الله عن رفع الصوت فوق صوت النبي، واستشهد ببعض الأحداث التي حدثت مع الصحابة.
استفيد من الآية أحكام وآداب، منها عدم الجهر بالصوت في مسجد النبي وعدم رفع الصوت عند قبره وتعميم ذلك على جميع المساجد.
ينبغي للمسلم أن يحترم العلماء ولا يتكلم عليهم بسوء لأنهم ورثة النبي ويبينون دين الله. احترام العلماء هو إكرام للنبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على ما من به سبحانه وتعالى به من نعمه جل وعلا. وأن واصل إن شاء الله تعالى ما قد ذكرناه من الدروس في تفسير سورة الحجرات. أخذنا الآية الأولى قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. هذه الآية، عباد الله، آية عظيمة فيها منزلتي وأيضا رفعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنبيه ربنا سبحانه وتعالى أهل الإيمان على رفعته صلوات الله وسلامه عليه، وعلى التأدب معه صلى الله عليه وسلم. وقد قلنا أن هذه السورة جمعت أدابا كثيرة، ومن أهم هذه الأداب التي قدمها الله عز وجل الأدب مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية أيضا هي مثل الأولى، أيضا فيها الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أدب غير الذي تقدم، وإن كان أيضا في النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا ربنا جل وعلى كرر النداء، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ولم يجعله على النداء الأول، بل كرر النداء. وهذا كما قال كثير من المفسرين يدل على أهمية ما يأتي بعد هذا النداء. أراد الله عز وجل أن ينبه أهل الإيمان بأهمية ما يأتي بعد هذا النداء العظيم، ينبه الله عز وجل أهل الإيمان بأن يعظموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجلوه ويعرفوا مكانته، وأن مكانته ليست كأحد من الناس، وليس كأحد من الخلق، بل أنه يشرف ويكرم جل عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾، عزروه أي عظموه وكرموه وشرفوه. فلهذا من تعظيمه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحب أحد مثله من البشر ومن الخلق. ولهذا جاء عند البخاري ومسلم من حديث أنس، وجاء من الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وجاء كذلك في صحيح البخاري عن عمر أنه قال: يا رسول الله، إنك لأحب الناس إلي إلا من نفسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حتى من نفسك يا عمر». فقال عمر رضي الله عنه: إنك الآن أحب إلي من نفسي يا رسول الله. فلهذا عباد الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا الله عز وجل بتعظيمه وتشريفه وإجلاله صلوات الله وسلامه عليه. وهذه الآية في هذا الباب، وهي تنبه الله عز وجل أهل الإيمان أنهم لا ينبغي أن يجعلوا نبي الله عز وجل كغيره من البشر، بل له مكانة عظيمة. فقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تجهروا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي. الأكثر من أهل التفسير على أن المراد لا ترفعوا أصواتكم، أي لا يرفع الإنسان صوته بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، يجعل صوته أعلى من صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى سيبينه سبب النزول. وأيضا فسرت بعض الأقوال بقول أنه المراد لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، أي لا تجعلوا صوتا يكون فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، بل صوت النبي وقوله هو المقدم. وعلى هذا التفسير ستكون مثل الآية الأولى. لكن سبب النزول بين أن المراد رفع الصوت فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، أي أن يرتفع الأصوات في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله جل وعلا: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾، أيضا فسر بمعنيين: فسر بمعنى أن لا تنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه، فإن هذا لا ينبغي. كأنكم تنادون شخصا ليس له أهمية عظيمة، وهو الرسالة والنبوة. فلهذا ربنا جل وعلا تجد أنه في القرآن لم ينادي النبي صلى الله عليه وسلم باسمه، وإنما كل النداءات التي في القرآن للنبي عليه الصلاة والسلام، خاصة يقول معنا: ﴿يا أيها الرسول يا أيها النبي﴾، بخلاف الأنبياء والآخرون، تجد أن ربنا جل وعلا قد ناداهم بأسمائهم: ﴿يا نوح يا إبراهيم﴾، أيضا كذلك غيرهم من الأنبياء ناداهم الله عز وجل بأسمائهم. وأما النبي عليه الصلاة والسلام فلم يناديه باسمه، وإنما كان يقول: ﴿يا أيها الرسول يا أيها النبي﴾، وهذا أيضا من إجلال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم. فلهذا فحري بأهل الإيمان أن يكرموا النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينادوه باسمه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾، أن لا تجعلوا نداء النبي عليه الصلاة والسلام كأنكم تنادونه: يا محمد، وإنما تقولون: يا رسول الله، يا نبي الله. ولهذا استحسن كثير من العلماء أنه لا يقال: يا محمد، حتى صوته، وإنما يقال: يا نبي الله، ويا رسول الله. فوقوله جل وعلا: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾، أي لا تنادوه باسمه، وإنما نادوه بقولكم: نبي الله، رسول الله. وهذا الأدب كان قد تأدب به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كانوا ينادونه باسمه. حتى أنه جاء في صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يهوديا جاء والنبي عليه الصلاة والسلام جالس عنده أصحابه، فقال ورفع صوته: يا محمد. فقال: «فدفعته دفعا حتى أسقطه». معنى ثوبان غضب لما جاء هذا اليهودي وينادي باسم النبي عليه الصلاة والسلام باسمه: يا محمد. فغضب ثوبان حتى دفعه دفعة فسقط منها. فقال: «قل: يا رسول الله». قال: «لا أسميه إلا باسمه الذي سماه أهله». هكذا قال اليهودي أخزاه الله. فكان الصحابة رضي الله عنهم يعظمون هذا الجانب، فما كان أحد يقول: يا محمد. ولهذا لما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع رجلا يقول: يا محمد، فالتفت. أو كان يقول: يا أبا القاسم. كان رجل يقول: يا أبا القاسم. فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «يا رسول الله، لم أكن أعنيك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي». فهنا نهى أيضا أراد أن يشير إلى أنه لا ينبغي أن يفعل هذا وينادى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه. أيضا كذلك عباد الله، القول الثاني في هذه الآية: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾، أي لا تنادوه بالصوت العالي والصراخ. لا تنادوه بالصوت العالي والصراخ إذا لم يكن موجودا، مثل ما سيأتي في الآيات الأخرى التي ستأتي بعد هذه الآية. فنهى الله عز وجل أن ينادى النبي صلى الله عليه وسلم بصوت عال دون الاستئذان عليه. فلهذا فهذه الآية فسرت بهذين المعنيين. المعنى الأول كما قلنا أن ينادى باسمه صلى الله عليه وسلم، والمعنى الثاني أن يصرخ باسمه ويرفع الصوت باسمه. وهذه أيضا الآية قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾. فهذه الآية كما قال العلماء فيها عدة فوائد، أن هذه الآية تضمنت عدة فوائد. الفائدة الأولى: أنه لا يرفع الصوت فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. والفائدة الثانية: أنه لا يجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض. والفائدة الثالثة: أنه قد يحبط عمل الرجل الذي يفعل ذلك ولم يتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والفائدة الرابعة أيضا: أنه قد يحبط عمله وهو لا يشعر، ولا أيضا يضع في نفسه أنه سيحبط عمله. مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «إن الرجل لا يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا، فيهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وجاء في رواية في البخاري: «سبعين خريفا». كلمة لم يبال بها، ولم يستشعر أنها ستصل به إلى هذا العذاب العظيم. وهكذا أيضا هذه الكلمة التي قد يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم، أو على رسول الله، أو يلمز النبي عليه الصلاة والسلام بشيء، لم يتأدب معه، فيحبط الله عز وجل عمله، وهو لا يشعر. أي لا لم يضع في ذهنه أن مثل هذا الشيء سيحبط عليه العمل. فهذه الفوائد التي نأخذها من هذه الآية. وهناك فوائد فرعية نذكرها في الكلام على هذه الفوائد. فأولا قول الفائدة الأولى، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، لا يرفع صوتك فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. وكما قلنا أن التفسير في هذه الآية الصحيح هو أنه لا يرفع الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته. ومما يبين هذا ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه قال: «كاد الخيرين أن يهلك». أراد أي أبوبكر وعمر. قال: «كاد الخيرين أن يهلك أبوبكر وعمر». فإنه لما جاء وفد بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبوبكر: يا رسول الله، أمر القعقاع بن معبد. وقال عمر: يا رسول الله، أمر الأقرع بن حابس. فقال أبوبكر: والله ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فنزلت هذه الآية. وأبوبكر وعمر هم أكرم الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأمة. لكن الله عز وجل وإن كان حصل من أكرم الناس بعد رسول الله، إلا أن الله عز وجل أراد أن يبين هذا الأمر العظيم. ولهذا قال بعض العلماء: أراد الله عز وجل أن لا يستهان برسول الله، أو أن لا يرفع صوته عنده، ولو كان من رجل كريم. حتى أيضا لا يكون هذا الأمر لأناس من الأعراب أو من المنافقين يأتون ويرفعون أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتجرؤون على ذلك. فلهذا نهى أكرم الصحابة، نهاهم الله عز وجل عن ذلك. فغيرهم من باب أولى. فلهذا قال عبد الله بن زبير: «فكان عمر رضي الله عنه لا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام حتى يستفهمه الحديث»، يعني يخاطبه صوت منخفض جدا. وقال ابن عباس أيضا: لما نزلت هذه الآية، كان أبوبكر رضي الله عنه لا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا كأخي السرار، يعني يسر له بالقول، يخفض له بالقول، ما يرفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام. فتبين أن هذه الآية المراد بها رفع الصوت. وكذلك أيضا جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس وغيره، أن ثابت بن قيس بن شماس افتقده النبي عليه الصلاة والسلام، فسأل عنه. فقالوا: إنه دخل بيته وأقفل على نفسه. وقال لزوجته: اقفلي علي الباب في حضيرة الخير، ولا تفتحي علي الباب إلا أن يتوب الله عز وجل عليه. «لقد كنت أجهر بصوتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم». ومعلوم أن ثابت بن قيس بن شماس كان خطيب النبي عليه الصلاة والسلام، وكان صوته جهوريا. فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يختاره للخطب لما جاء وفد بني تميم. أخرجوا خطيبهم، فأخرج النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس، وجعله يخطب رضي الله عنه. فظن ثابت أن هذه الآية نزلت فيه. فلما جاء بعض الصحابة عنده، وجاء الذي ذهب ونظر أمره، عامر العجلاني، فجاء وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: أنه قد جلس في بيته ونكس رأسه، وقال: أن هذه الآية نزلت فيه. قال: «اذهب إليه وبشره بالجنة». وجاء عند الحاكم، وأيضا رواه البزار وغيرهما، وإسناده لا بأس به، أن ثابت بن قيس لما نزلت هذه الآية وجد أنه يبكي عند بيته. فقال له عامر بن عدي: ما لك يا ثابت؟ قال: نزلت في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، وأنا أكثر الناس صوتا، أو كان صوتي رافعا. قال: فذهب عامر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما قال ثابت. فأرسل إليه، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا تحب أن تعيش حميدا، وتبعث شهيدا، وتدخل الجنة؟» قال: «بل يا رسول الله». قال: «فذاك لك». فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بهذه البشرى العظيمة. ثم ذكر في الحديث كيف كانت شهادته عليه رضي الله عنه. ولباس أن نذكرها من باب العبرة وإكرام الله عز وجل للشهداء ولأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثابت بن قيس لما كان يوم اليمامة، لما حاربوا مسيلمة الكذاب، فكان ممن شارك في هذه الحرب حرب اليمامة وغزوة اليمامة. فلما انكشف الناس، لأن كانوا أهل اليمامة أهل القوة وأهل حرب، فدفعوا دفعة واحدة على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى تفرق الناس وانكشف. فقال ثابت بن قيس لبعض الصحابة: «ما كنا نفع لسلام مولى حديفة ما كنا نقاتل هكذا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم». فحفر لهما حفرة ثابت وسالم مولى حديفة، وقاتل قتالا شديدا. وأنهك القوم، أنهك هؤلاء أصحاب مسيلمة، ثم قتل شهيدا. فكان ثابت رضي الله عنه رآه بعض أهله وبعض أصحابه في المنام، لأنه لما مات مر رجل من المسلمين، معنى ممن كان في الجيش جيش المسلمين، وأخذ درع ثابت، أخذ درع ثابت، وكأنه يريد أن يحوزه لنفسه. فرجل من أصحاب ثابت رضي الله عنه رآه في المنام، وقال له: سأعطيك هذا الكلام، ولا تقول أنه حلما، حتى تضيع حقي، بل هذا حقيقة. أنا يقول له في المنام يقول لهذا الرجل: «إن رجلا من المسلمين أخذ درعي، وهو في مكان كذا وكذا». فأخبر خالد بن الوليد، لأنه كان أمير الجيش، أخبر خالد بن الوليد أن فلانا أخذ درعي. ثم يأخذه، ثم قل لي أمير المؤمنين أبي بكر الصديق: أن علي يدينا كذا وكذا. ففقده من هذا معنى وصية بعد موته رضي الله عنه. ولهذا قال في الحديث: «أنه لم يوص أحد بعد موته إلا ثابت بن قيس». ونفذت وصيته، معنى هناك يوصون، لكن تنفيذ الوصية ما يكون إلا لرجل حي. لكن هذا أوصى وهو ميت، ونفذها الصديق رضي الله عنه. وهذا كرامة لهذا الرجل الصحابي الجليل. فشاهدنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتفاعلون مع القرآن العظيم إذا نزل القرآن، كانوا يظنون أن هذه الآية فيهم، كما فعل ثابت. لكن بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية ليست فيه، ولكن الصحيح أنها نزلت في من رفع صوته عند النبي عليه الصلاة والسلام. فنزلت في أبي بكر وعمر. ثم بعد ذلك التزم أبوبكر وعمر أنهم يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت منخفض. حتى كان كما قال ابن الزبير: «كان عمر إذا كلم النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع حتى يستفهمه، ويقول له: إيش قلت؟» لخفض صوته. فلهذا نزلت هذه السورة في هذا. فهذا يدل على أن المراد: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾، المراد به أي لا تجهر بصوتك فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يتكلم أو حتى ولو ساكتا وهو حاضر. وأخذ العلماء من هذا من هذه الآية، هناك أحكام أخرى استفيدت من هذه الآية، ومن النهي عن الجهر على صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وفوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما ذكره الإمام مالك وغيره: أنه لا يجهر بالصوت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في البخاري عن عمر أنه رأى رجلين يرفعان أصواتهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتكلمان ويرفعان أصواتهما. فدعاهما، ثم قال لهما: «هأنتما من أهل هذه البلاد؟» قالوا: لا. قال: «لو كنتما من أهل هذه البلاد، لأجعلتكما تضربان». ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستدل العلماء من هذا: أنه لا يرفع الصوت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عند قبره كذلك. ولا عند قبره كذلك إذا أراد أن يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، يسلم عليه بصوت منخفض، لا يرفع صوته بالسلام. وأيضا كذلك المساجد كلها هي لها حرمة. هذا الأمر ليس فقط مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أعظم، وكذلك الحرم المكي أعظم. وكل المساجد أيضا لها حرمتها، من هذا الباب لا ترفع فيه الأصوات، لا ترفع فيه الأصوات بالكلام الذي يكون كلام الدنيا. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن مسعود، كان يقول: «إياكم وهيشات الأسواق». «إياكم وهيشات الأسواق». وهيشات الأسواق، هذا يتكلم هنا، وهذا يتكلم هنا. وللأسف أن هذا موجود عندنا، خاصة في هذا المسجد، وفي غيره. تجد خاصة بعد صلاة الجمعة، هذا يتكلم ويرفع صوته، وهذا يتكلم ويرفع صوته، ويصير المسجد كأنه سوق، كأنه سوق من كثرة الأصوات. وهذا خطأ، وهذا خطأ. لابد أن يكرم المسجد وينظف، وأيضا تكون له مكانته. الله عز وجل يقول: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾، ترفع معناه تشرف وتكرم. لا يكون مثل البيت مثل السوق، مثل كذا. الإنسان يرفع صوته ويتكلم بينه وبين صاحبه بكلام مرتفع، فترتفع الأصوات بعد ذلك. فأيضا كذلك من ما أخذ من هذه الآية أيضا: أنه لا يرفع الإنسان صوته على صوت حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كان الإنسان يحدث بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك بالآيات، لا ينبغي أن يرفع الصوت عليه. لأن هذا مثل رفع الصوت على النبي عليه الصلاة والسلام، وليس مثله، وإنما يستدل به، أو من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يرفع الإنسان المؤمن صوته فوق ما يكون من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وأعظم من ذلك أيضا كلام الله جل وعلا. فلهذا لا يرفع الصوت مع من يتكلم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وبآيات الله جل وعلا. كذلك أيضا أمر آخر ذكره العلماء أيضا في هذه الآية، ذكره الإمام القرطبي، وابن العربي وغيره: أن هذه الآية فيها أدب أيضا مع العلماء. لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، فما دام أنه لا يرفع الصوت عند النبي عليه الصلاة والسلام، فكذلك ورثته من العلماء، فإنه ينبغي أن يتأدب معهم، ولا يرفع في حضارتهم الصوت. ولهذا استمر العلماء على ذلك منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم. منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم، وهم يكرمون العلماء ويتأدبون معهم، حتى بالصوت. فما كانوا يرفعون أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند الصحابة الكبار والعلماء الكبار. كما كان يفعل ابن عباس وغيرهم من الصحابة. بل يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «ما استطعت أن أشرب الماء ومالك ينظر إلي». وقال الربيع بن سليمان كما ذكر البيهقي في مناقب الشافعي: «ما كنت أستطيع أن أقلب الورقة ولأجل صوتها والشافعي ينظر إلي». كانوا يتأدبون مع العلماء. وهذا كثير من قرأ في «شرف أهل الحديث»، وأيضا في «آداب العلماء» للأجر وغيره، تجد أشياء كثيرة من هذا القبيل. وكذلك ذكر الإمام الخطيب البغدادي في «الجامع» أيضا آثار كثيرة عن السلف في التأدب مع العلماء. فالعلماء أيها الإخوة هم صدر الأمة، وهم أيضا قدوة الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أقصد أنهم يبينون للناس كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكيف يفهم. فالذي يخالف العلماء ولا يجعل لهم مكانة، فهذا ليس له حظ من الخير. وليس له حظ أيضا حتى من الدين، الذي يخالف العلماء ويتكلم عليهم ويزدريهم، فهذا ليس له شيء من دين الله عز وجل. ولهذا الله عز وجل يقول على المنافقين لما في غزوة مؤتة، تكلم بعض المنافقين على رسول الله وأصحابه. فقال الله عز وجل: ﴿لا تعتدروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، بسبب كلامهم في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وفي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا الذي يتكلم كما قال كثير من العلماء، ومنهم الشيخ صالح الفوزان: من تكلم على العلماء وإزدراهم، ففيه وله نصيب من هذه الآية. آية قول الله عز وجل: ﴿لا تعتدروا قد كفرتم﴾. فهذا النفاق يعتبر من النفاق. ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يطلق لسانه على العلماء. وتجد بعضهم حتى ممن يظن نفسه أنه على خير، فيقول: هؤلاء العلماء عملاء، وهؤلاء العلماء كذا، لا يبينون ولا يفعلون. وهذا لا ينبغي للمسلم المؤمن الذي يخشى الله عز وجل أن يتكلم على العلماء الذين هم يبينون دين الله عز وجل. ولولا العلماء لذهب العلم، لولا العلماء لذهب العلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وذهابه ذهاب أوعيته، وذهابه ذهاب أوعيته. فلهذا فلنحرص على أن نتأدب مع العلماء، ولا نقل العدب معهم، ولا نتكلم عليهم، بل نجلهم ونحترمهم. واحترامهم وإكرامهم إكراما للنبي عليه الصلاة والسلام، لأنهم ورثته، لأنهم ورثته. فهذا بعض ما يذكر في هذه الآية، وبقية الفوائد إن شاء الله، ونجعلها في درس لاحق. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد وآله محمد.