التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 1

الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم الخشوع وأهميته في الصلاة

يتناول شرح مفهوم الخشوع في الصلاة بأنه إقبال القلب على الله تعالى، واختلاف أهل العلم في كونه من أعمال القلب أو الجوارح أو كليهما. يُبين أن الخشوع هو حضور القلب وتركه لمشاغل الدنيا أثناء الصلاة.

خطورة الصلاة بلا خشوع وتأثيرها

يشرح خطورة الصلاة بلا خشوع وتأخيرها عن وقتها، حيث تكون كالجسد بلا روح، وقد ورد ذم ذلك في القرآن والسنة ووصف بالنفاق. يُبين أهمية الخشوع في قبول الصلاة وتكفير الذنوب.

أثر الصلاة الخاشعة في تكفير الذنوب وفضل العبادة

يُفصل أهمية الصلاة الخاشعة في تكفير الذنوب، ويبين أن الصلوات الخمس مكفرة لصغائر الذنوب إذا اجتنبت الكبائر. يشير أيضًا إلى فضل العبادة ومكفرات الذنوب، ويعلق على فضل سورة الفاتحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ إن شاء الله القراءة في رسالة تفسير سورة الفاتحة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، وهي رسالة مختصرة ماتعة نافعة في تفسير سورة الفاتحة التي هي أعظم أو أفضل سور القرآن، وأعظم أركان الصلاة، وما فيها من فضائل كثيرة ومزايا عديدة. اخترنا هذه الرسالة لأهمية هذه السورة، وكونها من أعظم أركان الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. ولأنها أفضل سور القرآن، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال المصنف رحمه الله: قال شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ورضي عنه بمنه وكرمه: «اعلم أرشدك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة». وهذا أسلوب الشيخ رحمه الله في كثير من رسائله أن يبتدئ رسائله بالدعاء للطالب والقارئ بالدعاء الحسن، وكذلك التوفيق له بطاعة الله سبحانه وتعالى، وتولي الله جل وعلا له بإعانته ونصره وتأييده والتوفيق لما يحبه جل وعلا ويرضاه. وهذا يدل على سلامة سريرة المؤلف ومحبته للمسلمين. قال: «أن مقصود الصلاة وروحها ولبها هو إقبال القلب على الله تعالى فيها». مقصود الصلاة وحقيقة الصلاة وروح الصلاة هو الخشوع وحضور القلب، وهو لبه الصلاة. وفسره رحمه الله بقوله: «إقبال القلب على الله تعالى»، أي فسر الخشوع بهذا التفسير أنه إقبال القلب على الله، أن يقبل قلب العبد في الصلاة على ربه وخالقه سبحانه وتعالى، فيترك مشاغل الدنيا وهموم هذه الحياة، فلا يفكر ولا ينظر، ولا يكون في قلبه انشغال بشيء إلا بهذه العبادة والطاعة التي يؤديها لله سبحانه وتعالى. وقد اختلف أهل العلم في الخشوع: هل هو من أعمال القلب، أو هو من أعمال الجوارح، أو أنه من أعمال القلب والجوارح؟ أشار إلى هذا الخلاف الإمام السيوطي رحمه الله. فمن أهل العلم من جعل الخشوع من أعمال القلوب، من جعل الخشوع من أعمال القلوب أنه أمر يتعلق بالقلب بإقبال القلب على الله سبحانه وتعالى، كما ذكر هنا رحمه الله في هذا الموضع، وصح ذلك عن علي رضي الله عنه عند البيهقي. ومنهم من ذهب إلى أنه من أعمال الجوارح، كما أشار إلى ذلك الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة. ومنهم من ذهب إلى أنه من أعمال الجوارح ومن أعمال القلوب والجوارح، أصل الخشوع في القلب، ثم يظهر أثر هذا الخشوع في الجوارح بسكونها وعدم حصول الحركة والعبث في أثناء الصلاة. وإلى هذا مال الإمام الشنقيطي رحمه الله في تفسيره. ولعل هذا هو الأظهر: أن أصل الخشوع يكون في القلب، يعني من أعمال القلوب، ثم يظهر أثر هذا الخشوع في الجوارح. قال: «وهو إقبال القلب على الله تعالى فيها». وهذا معنى أنه من أعمال القلوب، لكن يظهر أثر ذلك في الجوارح. فمن خشع قلبه خشعت جوارحه، ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه. فلهذا تجد الذي يصلي بلا خشوع تجد في صلاته الغفلة وكثرة العبث والحركة وعدم الاستقرار والسكون، إلى آخر ذلك من مظاهر عدم الخشوع. قال: «فإذا صليت بلا قلب فهي كالجسد الذي لا روح فيه»، يعني إذا صلى الإنسان بلا خشوع فحاله كحال الجسد الذي لا روح فيه، والمعنى أنه ميت الروح. إذا نزعت الروح من الجسد أصبح هذا الجسد ميتًا، أصبحت جثة هامدة لا حياة فيها. وهكذا حال من صلى بلا خشوع، هو يصلي بجسده ويصلي ببدنه وظاهره، لكنه في الحقيقة أنه لم يصل لعدم وجود حقيقة الصلاة ولب الصلاة وهو روح الصلاة، وهو الخشوع وحضور القلب. قال: «ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾»، قال: «ففسر السهو بالسهو عن وقتها»، أي إضاعته، «والسهو عما يجب فيها»، يعني من الأركان والواجبات، «والسهو عن حضور القلب فيها»، وهو الخشوع. وهذه كلها من معاني السهو عن الصلاة. وذكر الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره اختلاف العلماء في معنى السهو في هذا الموضع، وذكر أن من أهل العلم من ذهب إلى أن معنى السهو أنهم يؤخرونها عن وقتها، أنهم يؤخرونها عن وقتها فلا يصلونها إلا بعد خروج وقتها. ومنهم من قال: إن المراد بالسهو في الصلاة أو عن الصلاة أنهم يتهاونون ويتغافلون عنها ويلهون عن أدائها. ثم رجح الإمام الطبري رحمه الله أن المراد بالسهو هو اللهو والغفلة والتشاغل عن الصلاة، فأحيانًا يكون بتضييعها، وأحيانًا بتأخيرها عن وقتها، وأحيانًا بتركها وعدم أدائها. فجميع هذه التفاسير محتملة لمعنى السهو عن الصلاة، فقد يكون بتأخيرها عن وقتها، وقد يكون بعدم صلاتها وأدائها، وقد يكون بصلاتها لكن بعدم خشوع وحضور قلب، فيكون بذلك ساهيًا عن صلاته. قال: «ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»». قال: «فوصفه بإضاعة الوقت بقوله: يرقب الشمس، وبإضاعة الأركان بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: لا يذكر الله إلا قليلًا». هكذا وصف النبي عليه الصلاة والسلام من يتساهل في أمر الصلاة، وصفه بالنفاق، وصفه بالنفاق: «تلك صلاة المنافق»، كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. قال: «يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان»، أي أنه يؤخر صلاة العصر، فلا يبالي أن يصليها في أول وقتها، يلهو ويتغافل ويتكاسل ويتقاعس حتى إذا كادت الشمس أن تغرب، وإذا غربت الشمس فإنها تغرب بين قرني الشيطان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبسة في مسلم حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وأوقاتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا غربت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تغرب حين تغرب بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، أي أن الشيطان يجعل قرنيه عند موضع الغروب، فإذا غربت الشمس حينئذ سجد لها الكفار، فيكون سجودهم للشيطان. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة في هذا الوقت حتى لا يتشبه المسلم بالكفار بسجودهم للشمس عند غروبها. فالمنافق يؤخر الصلاة وما يبالي حتى إذا كادت أن تغرب أو جاء وقت غروبها قام يصلي، قام يصلي، ثم ينقر صلاته نقرًا. قال: «فنقر أربعًا»، أي صلى صلاة العصر نقرًا، لا خشوع ولا طمأنينة، ينقرها كما ينقر الديك الحب، وهكذا كما ينقر الغراب. قال: «لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»، وهذا معناه أنه لا يخشع في صلاته. وأي خشوع سيكون في صلاة هذا وصفها؟ لا طمأنينة في الأركان، لا في القيام، ولا في الركوع، ولا في الرفع من الركوع، ولا في السجود، ولا في سائر مواضع الصلاة. فهذه صلاة المنافق، عياذًا بالله. قال: «فوصفه بإضاعة الوقت بقوله: يرقب الشمس»، يعني يجعل وقت الصلاة ينتهي وهو في لهو ولعب وغفلة. «وبإضاعة الأركان بذكر النقر»، لأنه ينقر صلاته نقرًا، فلا يؤديها بطمأنينة وبأداء أركانها. «وبإضاعة حضور القلب بقوله: لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»، يعني لا يخشع في صلاته. فدل هذا الحديث على هذه المعاني الثلاثة: أن من معاني السهو تضييع وقت الصلاة، وتضييع الواجبات فيها كالأركان ونحوها كالطمأنينة، وهكذا أيضًا ترك الخشوع. قال: «إذا فهمت ذلك فافهم نوعًا واحدًا من الصلاة، وهو قراءة الفاتحة»، أي أن الصلاة اجتمعت على أنواع عديدة وعلى أجزاء متعددة، ومنها قراءة الفاتحة الذي هو ركن من أركان الصلاة، بل أعظم أركان الصلاة قراءة الفاتحة، كما سمعتم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: «لعل الله أن يجعل صلاتك في الصلاة المقبولة المضاعفة المكفرة للذنوب». نعم، الصلاة إذا صلاها العبد على وجهها الصحيح كانت سببًا في تكفير الذنوب والخطايا. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة - الصلوات الخمس - فيما بينها من صلاة إلى صلاة مكفرة لما بينها، إذا صليت الفجر حتى تصلي الظهر، فما بين صلاة الفجر والظهر من صغائر الذنوب يكفرها الله عز وجل عنك. فإذا صليت الظهر إلى صلاة العصر، فما بين الصلاتين يكفر الله عز وجل عنك ما حصل من صغائر الذنوب، وهكذا من الظهر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء. هذا معنى: «الصلوات الخمس وما بينها مكفرات». وفي حديث أبي هريرة، وجاء أيضًا من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيان ما تكفره هذه الصلوات من الذنوب والخطايا: «لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟»، يعني من وسخه شيء. يعني: تخيل في كل مرة تخرج من البيت وأنت تخرج خمس مرات تغتسل في هذا النهر، تغتمس في هذا النهر وتخرج المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، هل يبقى وسخ في الجسد؟ الجواب: لا، سيكون صافيا نقيا نظيفا. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». هكذا يمحو الله الخطايا من العبد، كلما أدى العبد هذه الصلاة. فإذا صلى الفجر محى الله عنه الخطايا التي كانت منه في الليل. فإذا صلى الظهر محى عنه ما كان منه قبل ذلك، أي من صغائر الذنوب، وهكذا. يبقى العبد منقيا صافيا من الذنوب والخطايا. لكن هذا متى؟ هل بكل صلاة يصليها؟ الجواب: لا، لابد أن يصلي الصلاة التي أمر الله سبحانه وتعالى بإقامتها، والتي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بفعلها، أن تكون الصلاة صلاة صحيحة بأركانها وشروطها وواجباتها وحضور القلب وخشوع القلب. فبهذا يتحصل العبد على هذه الأجور العظيمة، وهذه المكفرات التي يكفر الله سبحانه وتعالى بها ذنوبه وخطاياه، بهذه العبادة العظيمة التي لا يستغني العبد عن فعلها والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها. ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك حديث أبي هريرة في فضل سورة الفاتحة. وهذا نتركه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.