التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 2

الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث قدسي عن سورة الفاتحة

شرح حديث قدسي يفسر سورة الفاتحة وقسم الله الصلاة بينه وبين العبد. هذا الحديث يبين عظمة الفاتحة وشأنها في الصلاة.

أهمية الاستعاذة والبسملة في الصلاة

الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن وأهمية حضور القلب. طلب الحماية من الله من شر الشيطان ومكائده لتحقيق النفع المقصود.

تتمة الكلام عن الاستعاذة بالله

الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم هي طلب الحماية من شره ومكائده. ضرورة الاستعاذة لدفع شر الشيطان عن الإنسان في دينه ودنياه.

ختام الدرس والدعاء للرسول

ختام الدرس بالدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه. الإعلان عن استكمال الدرس في الحصة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته «تفسير سورة الفاتحة»: قال: ومن أحسن ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة حديث أبي هريرة، حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقول الله تعالى...» فهذا حديث قدسي يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن رب العالمين. يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، والمراد بالصلاة الفاتحة، وسمى الله جل وعلا الفاتحة صلاة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، الصلاة لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، فكانت هي أساس الصلاة، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، يعني لا يصح الحج إلا بالوقوف في عرفة، فهو أعظم أركانه، وهكذا شأن الفاتحة في الصلاة. قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، أي الفاتحة قسم الله عز وجل بينه وبين عبده نصفين، النصف الأول عبارة عن تحميد وثناء وتمجيد لله جل وعلا، والنصف الثاني عبارة عن تضرع وسؤال وخضوع من العبد لربه جل وعلا. قال: «ولعبدي ما سأل»، فإذا قال العبد: «الحمد لله رب العالمين»، قال الله: «حمدني عبدي»، حمدني يعني أثنى علي؛ لأن الحمد هو الثناء على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم، فأنت تثني على الله جل وعلا بقولك: «الحمد لله»، فالله جل وعلا يقول: «حمدني عبدي»، أثنى علي. فإذا قال: «الرحمن الرحيم»، قال الله: «أثنى علي عبدي»؛ لأن الرحمن الرحيم من أسماء الله جل وعلا، أدلة على صفتي الرحمة، فأنت تثني على الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. قال: فإذا قال: «مالك يوم الدين»، قال الله: «مجدني عبدي»، أي عظمني، بأنك تخبر أن الله جل وعلا مالك يوم الدين، أي يوم الجزاء، فهو المتفرد بالملك جل وعلا الذي يجزي أو يجازي العباد يوم القيامة على أعمالهم. قال: فإذا قال: «إياك نعبد وإياك نستعين»، قال الله: «هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»، «إياك نعبد وإياك نستعين» هذا إقرار من العبد بعبوديته لله وكمال استعانته بالله، أنه لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا بالله، وهذا بين العبد وبين ربه، فهو يوحد الله جل وعلا في ألوهيته ويفرده سبحانه وتعالى بالعبادة. قال: «ولعبدي ما سأل»، فإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين»، قال الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»، وهذا النصف الثاني من الفاتحة، وهو السؤال والتضرع إلى الله جل وعلا بطلب الهداية والنجاة. قال: فإذا تأمل العبد هذا، أي هذا المعنى في هذه السورة العظيمة، قال: وعلم أنها نصفان: نصف لله، وهو أولها إلى قوله: «إياك نعبد»، ونصف دعاء يدعو به العبد لنفسه، وهو قوله: «اهدنا الصراط المستقيم» إلى آخره. قال: وتأمل أن الذي علمه هذا الدعاء هو الله تبارك وتعالى، أي من الذي أمرك أن تدعو الله بهذا الدعاء؟ هو الله، الله جل وعلا نفسه جل وعلا هو الذي علمك هذا الدعاء، فهذا يبين عظمة هذا الدعاء وعظيم شأنه وكبير منزلته. قال: وأمره أن يدعو به ويكرره في كل ركعة؛ لأن المصلي مأمور أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاته، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته الصلاة، فأمره أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم قال: «افعل ذلك في صلاتك كلها». قال: وأنه سبحانه من فضله وكرمه ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه بإخلاص وحضور قلب. تبين ماذا أضاع أكثر الناس؟ يعني من هذا الخير العظيم الذي اجتمع عليه هذه السورة. قال: وأنه سبحانه من فضله وكرمه ضمن إجابة هذا الدعاء، يعني أنت تثني وتمدح ربك جل وعلا وتمجده وتعظمه ثم تدعوه، وهذا من أسباب إجابة الدعاء أن يتقدم الدعاء مدح وثناء وإجلال وتعظيم، ثم تطلب حاجتك. زد على ذلك أن الله عز وجل ضمن لك الإجابة، قال: «هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»، «ولعبدي ما سأل»، أي له الذي سأل أن أستجيب له وأن أحقق له ذلك، ثم أنت تسأل الله عز وجل الهداية إلى الصراط المستقيم والنجاة من الطرق الغواية. فإذا كان هذا الدعاء في كل يوم تكرره -يعني أكثر من خمس عشرة مرة- ولا تتمعن في ألفاظ هذه الآيات وفي معانيها، كم حرمت من الخير؟ كم حرمت من الخير الكثير؟ قال: «قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل»، وأنت في غفلة عما خلقت له، وأنت في ثقة من وثبة الأجل، فزكي نفسك مما قد يدنسها، واختر لها ما ترى من خالص العمل. أأنت في سكرة؟ أم أنت متنبها؟ أم غرك الأمن؟ أم ألهيت بالأمل؟ نعم، فهو يشير بهذه الأبيات؛ لأنه ينبغي للعبد أن يتنبه وأن يفيق إن كان في غفلة، ويتذكر إن كان ناسياً، ويتعلم إن كان جاهلاً. عظيمة فضل هذه السورة وما اجتمعت عليه من هذه المعاني العظيمة، قالوا: ها أنا أذكر لك بعض معاني هذه السورة العظيمة لعلك تصلي بحضور قلب، ويعلم قلبك ما نطق به لسانك؛ لأن ما نطق به اللسان ولم يعقد عليه القلب ليس بعمل صالح، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي ينبغي أنك إذا نطقت وتكلمت وقرأت الفاتحة أن يتوافق اللسان مع القلب، أن تقرأ الفاتحة مع حضور قلب حتى يحصل النفع، أما أن تتكلم بلسانك وتتلفظ بالفاتحة بلسانك وقلبك في غفلة، أنت معنى معاني هذه الآيات وما اجتمعت عليه، فهنا لا يحصل النفع المقصود. قال: وأبدأ بمعنى الاستعاذة ثم البسملة على طريق الاختصار والإيجاز. قال: فمعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أي ألوذ بالله واعتصم بالله وأستجير بجنابه من شر هذا العدو أن يضرني في ديني أو دنياي، ويصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه. فأنت لما تستعيذ بالله جل وعلا في أول القراءة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، لماذا؟ لأن الشيطان حريص على أن يصدك عن الخير وأن يشغلك في باب الطاعة والعبادة حتى لا تؤديها على وجه الأكمل الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى والذي تؤجر عليه وترفع درجات، ويحصل به المقصود من النفع. فهو حريص على إشغالك وإبعادك، فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من شره، «أعوذ بالله» أي ألتجأ وأعتصم بالله جل وعلا الذي هو المتفرد بالألوهية جل وعلا، لا إله غيره ولا رب سواه. «أعوذ» بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله جل وعلا، فالعوذ يكون في اللجوء إلى الله جل وعلا في طلب دفع الشر، واللوذ يكون في طلب الخير، فأنت تقول: «أعوذ بالله»، ألتجئ وأعتصم بالله جل وعلا من الشيطان، من هذا العدو، من هذا العدو اللدود الذي لا يفتر أن يصد الإنسان عن الخير في أي لحظة من اللحظات. هو أشد الأعداء على الإنسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، نعم، فالشيطان أشد الأعداء الذي ينبغي أن يستعيذ العبد بربه جل وعلا من شره. «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أي المطرود من رحمة الله جل وعلا، أنت تستعيذ بالله من شره أن يضرك في دينك أو في دنياك، وأن يصدك عن فعل ما أمرت به، أي من الطاعات والعبادات، أو أن يحثك على فعل ما نهيت عنه من المعاصي والذنوب والمحرمات؛ لأن الشيطان يزين للإنسان فعل الذنوب وفعل السيئات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. قال: لأنه أحرص ما يكون على العبد إذا أراد عمل الخير من صلاة أو قراءة أو غير ذلك -يعني أن يصده ويمنعه من فعل هذا الخير-، ففي الصلاة هو حريص أن يشوش عليك وأن يذهب عن قلبك الخشوع والتدبر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصوات حتى لا يسمع التأذين»، ما يريد يسمع ألفاظ الأذان، تؤذيه تؤذيه ألفاظ الأذان، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة -أي أقيمت الصلاة- أدبر وله حصوات حتى لا يسمع التثويب، فإذا أقيمت الصلاة أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه: أذكر كذا، واذكر كذا، واذكر كذا، لما لم يذكر قبل، حتى يظل المرء لا يدري كم صلى. انظر إلى الشيطان يأتيك في الصلاة يذكرك أشياء نسيتها: اذكر الحال الفلانية في المكان الفلاني، الموعد الفلاني الذي وعدك فلان، وهكذا يذكرك بأشياء ربما قد نسيتها، من أجل ماذا؟ هل محبة لك وحرص على الخير لك في الدنيا؟ لا والله، إنما يريد أن يشغلك في الصلاة حتى ما تصلي بتدبر وخشوع، هذه من عداوة الشيطان الرجيم. وهكذا في باب القراءة ربما تأتي تقرأ القرآن ما تدري إلا ونزل عليك النوم، ربما قبل القراءة تبحث عن النوم ما يأتيك، ما تجده، تأخذ المصحف وتبدأ بالقراءة وإذا بالنوم ينزل عليك، من الشيطان ينومك حتى تترك القراءة ولا تقرأ. وهكذا في أبواب الخير يثبتك إذا أردت أن تتصدق، قال: يا رجل، أمسك المال تنتفع به، أنت أولى به، أنت أولى بهذا المال، هؤلاء سيجدون غيرك ينفق عليهم، وهكذا في -يعني- أبواب الخير تجد الشيطان يثبتك عن فعلها. قال: لأنه لا حيلة لك في دفعه إلا بالاستعاذة بالله، نعم، ليس لك حيلة في دفع هذا الشيطان ودفع شره إلا بالاستعاذة بالله جل وعلا، لماذا؟ قال: لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، وهذا أشد ما يكون من الأعداء أن يكون العدو يراك وأنت لا تراه، الشيطان يراك وأنت لا تراه. ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، فكيف تتحصن من هذا الشيطان؟ وكيف تستعيذ من شره إلا باللجوء إلى الله جل وعلا وطلب الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من شره؟ قال: فإذا طلبت من الله أن يعيذك منه واعتصمت به كان هذا سبباً في حضور القلب، هذا أول ما ينبغي أن تعتني به في صلاتك أنك تستحضر معنى الاستعاذة، أن تستعيذ بالله جل وعلا وتستحضر معنى هذه الجملة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». قال: فاعرف معنى هذه الكلمة ولا تقلها باللسان فقط كما عليه أكثر الناس، أي أكثر المصلين ينطق الاستعاذة بلسانه لكن لا يكون لها أثر في قلبه، ربما لا يدري معناها، ولا أثر لهذه الكلمة العظيمة إذا نطق بها، وإذا التجأ بها إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت تحرص أن تقولها بلسانك وأن تعمل هذه الكلمة في قلبك، فيكون لها الأثر العظيم في استجابة الله جل وعلا لك ودفع شر الشيطان عنك حتى تدخل إلى الصلاة وقد أعاذك الله جل وعلا من شر هذا العدو اللدود. طيب نقف هنا، ونكمل إن شاء الله درس القادم، صلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.