المحاضرة بعنوان كلمة فضيلة الشيخ عبدالله بن مرعي العدني ( هاتفيا )، والتي كانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية يوم الجمعة 5 شوال 1443هـ الموافق 6 مايو 2022م ألقاها منوع
يؤكد المحور على فضل اجتماع أهل السنة والجماعة في ساحل حضرموت ودعوتهم القائمة على النقاء والاعتصام بالكتاب والسنة ومنهج السلف. يبين أن التوحيد وإفراد الله بالعبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هما أصل القوة والوحدة والنجاة من الفرقة.
يبرز المحور مكانة الصلاة كركن ثانٍ للإسلام ووسيلة عظيمة لاجتماع المسلمين ووحدتهم، مستعرضاً عناية النبي صلى الله عليه وسلم بإقامتها. يحذر من الشذوذ في الأقوال والأفعال المثير للفرقة، مؤكداً وجوب التمسك بالاجتماع وإصلاح ذات البين.
يحذر النص من سوء الظن والتجسس والحسد والبغضاء لكونها تنافي أخوة الحق، ويؤكد أن صلاح القلب أصل لصلاح القول والعمل مستشهداً بحديث المضغة. يبين أن إخلاص النية سبب للثبات بينما اتباع الهوى يورث الانحراف، مختتماً بوجوب مواجهة الفتن بالحكمة والصبر.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله التوفيق والسداد للجميع وأن يجعلهم هداة مهتدين. ثم يحمد الله ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي يسر لنا مثل هذه الاجتماعات المباركة، هذه الاجتماعات التي تجتمع فيها الأجساد والقلوب على ما فيه رضا الرب العظيم المعبود سبحانه وتعالى. اجتمعنا لا لأحساد ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. هذا اجتماع مبارك، اجتماع أهل السنة والجماعة في ساحل حضرموت لعام ثلاث وأربعين وأربعمائة وألف للهجرة. اجتماع يجتمع فيه بفضل من الله سبحانه وتعالى كغيره من الاجتماعات التي مضت في الأعوام الماضية، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا مثل هذا الخير، اجتماعات يقصد منها ويراد بها أن يتعاون ويتكاتف ويتآلف ويجتمع أهل الحق والهدى، أهل السنة والجماعة، أهل التوحيد والعقيدة، على ما فيه صلاح دينهم وعقيدتهم ووحدة صفهم، واجتماع كلمتهم وقوة دعوتهم، بما فيه الخير العاجل والآجل لهذه الدعوة المباركة ولأفرادها، بل ما فيه الخير للعباد والبلاد. فدعوة أهل السنة والجماعة دعوة رحمة، دعوة تدعو الناس إلى ما فيه الخير في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. دعوة إلى الأصالة التي كان عليها السلف الصالح، دعوة إلى الدين النقي والمحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث الدرداء، وجاء معناه عن غيره: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». ولذلك بفضل من الله وثق بها الصادقون والمنصفون، وعلم القريب والبعيد أنها دعوة نقية صافية، بعيدة كل البعد عن الأعراض والأغراض، بعيدة أن تكون ملوثة بشيء من الشبهات والشهوات. وهذا الواجب على أهلها أن يكونوا على هذا الصفاء وهذا النقاء في أقوالهم وأعمالهم ومواقفهم، حتى يوفقنا الله عز وجل لخير الدنيا والآخرة. ولذلك كانت هناك ثوابت وأصول في هذه الدعوة المباركة، ومن أعظم هذه الثوابت والأصول أن هذه الدعوة المباركة تعتني بالدعوة إلى الدين الحق الصافي جملة وتفصيلاً على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الاعتصام بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 137]. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك». وكما قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي». وكما جاء في حديث عبد الله بن عمر وغيره الصحيح له طرق: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». جاء في رواية معناها صحيح ويحسنها بعض أهل العلم أنه سئل عليه الصلاة والسلام عنها فقال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». فهذا من أعظم الأصول التي ينبغي أن يعتن بها علماً وعملاً، أن نكون على هذا الصفاء والنقاء، وأن ندعو الناس إلى هذا الصفاء والنقاء. وهكذا من هذه الثوابت والأصول العظيمة الاعتناء بالعقيدة، خاصة الذي هو من أعظم أسباب القوة والاجتماع. فإن هذا الدين العظيم دين التوحيد حساً ومعنى، التوحيد بإفراد الخالق سبحانه وتعالى بالعبادة لا يشرك معه أحد جل وعلا. أن نوحده سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وبهذا تكون قوة أهل الحق إذا صفت صلاتهم بالله عز وجل وحده ولم يلتفتوا إلى ما سواه، تكون عندهم من القوة والثقة بالرب العظيم ما يجعلهم على ثبات على ما هم عليه أعظم من ثبات الجبال الراسيات العظيمات. وهذا يثمر كذلك قوة في اجتماعهم. ولهذا كان الركن الأول من أركان الإسلام وأركان الإيمان الإيمان بالله، وفي أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. شهادة أن لا إله إلا الله التي معناها العظيم الذي جهله الكثير من الناس وللأسف: أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. وشهادة أن محمداً رسول الله التي معناها العظيم وجهله كثير من الناس وللأسف: أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا حققت هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد وكلمة الشهادة، حصل من القوة للفرد والجماعة والاجتماع ما يكون به قوة أهل الحق وظفرهم وفوزهم في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك لتأملنا سائر أركان هذا الدين فإنها تدعو إلى توحيد الله عز وجل وإلى توحيد صفوف أهل الحق. فالركن الثاني من أركان الإسلام إقام الصلاة التي يجتمع فيها أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا فرق بين أعجمي وعربي، ولا حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، يتوجه بتحقيق كلمة التوحيد أولاً وإتباعها بهذا الركن الثاني ثانياً. إقام الصلاة، وإقامة الصلاة والاجتماع عليها من أعظم أسباب الاجتماع. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد أصحابه في الاعتناء بها على وجه الإجمال والتفصيل. فتركها كفر بهذا الدين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». وفي حديث جابر في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وهكذا تفاصيلها كان يعتني عليه الصلاة والسلام بإصلاح صلاته وصلاة أصحابه بأن تؤدى على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وعلم أصحابه أن يصلوا، ولما رأى رجلاً كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة لم يحسن الصلاة قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل». أمره بذلك ثلاثاً حتى قال الرجل: والله لا أحسن غيرها فعلمني يا رسول الله، فعلمه الصلاة، وهو حديث المسيء في صلاته المشهور. وهكذا في صلاة الجماعة كان يأمرهم بالاستواء وأن ينهاهم عن التفرق والاختلاف، فيقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم». وقال: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» أو قال: «قلوبكم». وغيرها من الأحاديث الكثيرة. وكان يسوي صلى الله عليه وسلم الصف بيده حتى يمسح على صدورهم كأنه يرص القداح من شدة اعتنائه عليه الصلاة والسلام بهذه الصلاة العظيمة. وهكذا ينبغي أن نكون نحن، نعتني بهذه الثوابت ونعتني بكل ما هو بمعناها مما يكون به الاجتماع ويكون به دفع أسباب الفرقة. وهكذا لو تأملنا اجتماع أهل الإسلام في الركن الثالث الصيام، والركن الرابع الزكاة وما يكون من اجتماع الأغنياء في مواساة الفقراء وتراحمهم وتعاطفهم، والركن الخامس في الحج الذي يجتمع فيه أهل الإسلام من مشارق الأرض ومغاربها لتوحيد الله عز وجل قولاً ومعنى، قولاً وفعلاً بأداء فريضة الحج. كلها لو تأملناها من أسباب الاجتماع والتوحيد والقوة، وفي ضمنها التحذير من معاني الفرقة والاختلاف. وبه نعرف أيها الأحبة أن من لوازم الاجتماع الحذر من أسباب الفرقة. ومن معاني الفرقة أيها الأحبة ترك الشذوذ في الأقوال والأفعال. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى رجلاً متقدماً صدره في الصف نهى عن ذلك وقال: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» وقال: «قلوبكم». فصار هذا التصرف الفعلي الذي ربما ما كان بقصد يثمر هذا المعنى العظيم من أسباب الخلاف والفرقة، بقوله عليه الصلاة والسلام: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم أو قال قلوبكم». ومعناه أن لا يشذ مسلم بتصرف ولو بحسن نية، فإن الشذوذ في الأقوال والأفعال سبب للفرقة والخلاف، وكذلك الضعف بلا شك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على جمع أصحابه أن يجتمعوا حساً ومعنى، يجتمعوا في الأقوال والأفعال، ويجتمعوا حتى في المجلس. فكانوا لو اجتمعوا على النطع وشيء يسير اجتمعوا عليه من شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم وتكرير أمر أصحابه بالاجتماع والتقارب. فلما رآهم مرة في بعض أسفاره متفرقين كل يبحث عن ظل قال: «ما لأراكم عزين» أي متفرقين، فأمرهم بالاجتماع حتى وسعهم الظل اليسير بتقاربهم. فتقارب الأجساد سبب لتقارب القلوب. فهكذا ينبغي أن يحرص أهل هذه الدعوة المباركة على الاجتماع، على الاجتماع بالأقوال والأفعال، الاجتماع بكل ما يعين على وحدة الصف، وعدم الشذوذ في الأقوال والأفعال، والشذوذ في الفتاوى، والشذوذ في التصرفات. وفي الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم وفيه ضعف ومعناه صحيح: «من شذ شذ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». فأهل الباطل إنما يخترقون صف أهل الحق بهذه التصرفات الشاذة وهذه المواقف التي تفرق الصف. فلذلك ينبغي أن يحرص أهل الحق دائماً وأبداً على الاجتماع بالأقوال والأفعال والتصرفات والمواقف، والحذر من كل موقف يسبب الفرقة ويثمر الضعف. فلا يشد أحد من أفراد هذه الدعوة المباركة لا بقول ولا بفعل، لا بفتوى ولا بكلمة، بل يحرص دائماً وأبداً على أن يرص بنيان أهل الحق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور المعروف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». وهو أصل ولاية أهل الإيمان بعضهم لبعض كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]. وهذا هو الذي يثمر القوة كما قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فأهل الحق كجسد واحد، فالواجب على أهل الحق أن يجتمعوا جميعاً على إبقاء هذا الجسد سليماً صحيحاً بعيداً عن الأدواء والأمراض الحسية والمعنوية. بل المطلوب من أهل الحق إذا حصل شيء من الخلاف وأسبابه أن يحرصوا على إصلاحه والاجتماع به بما يكون به اجتماع أهل الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]. فأهل الإيمان حقاً وصدقاً هم الذين يحرصون، يحرصون دائماً وأبداً على وحدة الصف، وأن يصلحوا لا يفسدوا، ويجمعوا ولا يفرقوا، ويؤلفوا ولا يختلفوا. ولهذا نهى ديننا عن الكثير من الأقوال والأفعال والأخلاق التي تسبب الفرقة والخلاف والشقاق والنزاع وتفرق الصف. ومن ذلك سوء الظن والتحسس والتجسس والتحاسد والتباغض وغيرها من الأقوال والأفعال. كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، في صحيح مسلم وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». وقال عليه الصلاة والسلام: «ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً». ومعناه أن هذه الصفات المذكورة تنافي أخوة أهل الحق وتنافي قوة أهل الحق. فالواجب أن نبتعد عن هذه الأخلاق وأن نبتعد عن هذه المواقف والتصرفات. ومن ذلك أننا نحرص كذلك على إيجاد الأخلاق البديلة، فبدلاً من سوء الظن حسن الظن، وكذلك بدل الأسباب الأخرى مثل الإكرام والإحسان وفعل الخير والبر الذي يزيل التباغض والتحاسد والتناجش والتجسس والتحسس وغيره من الأخلاق الذميمة. ومن أعظم ما يعين على ذلك أن يصلح الإنسان قلبه، فإذا صلح قلبه صلحت أقواله وأفعاله. صلاح القلب أمره عظيم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فإذا اعتنى الفرد والجماعة على إصلاح القلب أعانهم ذلك على إصلاح الأقوال والأفعال. فإن ذلك من أعظم الأمور التي تعين الفرد والجماعة، أن يعتن الجميع بإصلاح قلبه. فعند ذلك لا يبالي الإنسان أن حصل الخير على يده أو على يد غيره، أن كان تابعاً أو متبوعاً، أن كان رئيساً أو مرؤوساً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في وصف المؤمن الصادق المخلص: «إن كان في الساقة في الساقة». ومعناه أين ما وضع لم يبالي. فأهل الحق جماعة واحدة، والنصر هو مقصود الجميع، فإذا تحقق مثل هذا الأمر العظيم حصل الخير الذي يرجوه الإنسان في عاجل أمره وآجله، للفرد والجماعة. فالواجب على الجميع أن يتعاون على تحقيق هذا الأمر العظيم. ولذلك أضرب مثالاً في كلام نفيس ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتعالى في حال الكثير من الناس ممن يسلكون طريق العلم إذا لم يخلصوا النية لله عز وجل ولم يصلحوا قلوبهم في ذلك، فإن ذلك من أعظم الأمور التي تجرهم إلى الانحراف وإلى والعياذ بالله الحور وكذلك الانتكاس. فقد ذكر رحمه الله في منهاج السنة كلاماً معناه أن الكثير ممن يسلك طلب العلم ليس مقصوده ما عند الله من الانتفاع بالعلم في الدنيا والآخرة وإصلاح القلب، بل مقصوده الرئاسة والشهرة والمال ونحو ذلك. ومن كان هذا حاله فإنه في الغالب -معنى كلامه- أنه لا يوفق لأنه ليس مقصده ما عند الله. فإذا وجد الرئاسة أو المال أو الشهرة في غير العلم سلك الطريق الآخر ورجحه، خصوصاً إذا جاء له سهلاً على ما كان عليه من خير العلم والدين. ونحن نرى أمثلة بأعيانها في واقعنا ممن كان يوماً من الأيام في صفوف أهل العلم وفي صفوف طلبة العلم، لكن لما كانت النيات ليست خالصة وإنما كان المقصود الشهرة والرئاسة أو المال أو نحو ذلك من متاع الدنيا الزائل، فإنهم حين وجدوا هذه المقاصد الدنيوية الدنيئة في غير طريق العلم والدين سرعان ما غيروا الاتجاه والطريق ورجحوا الطريق الآخر على طريق العلم والدين. لذلك الله الله أيها الأحبة في إصلاح النيات وإصلاح الأقوال والأعمال، فإنه مما يعين على إصلاح الأقوال والأفعال ووحدة الصف والاجتماع. وأن نحرص كذلك على بذل الأسباب بصدق وحق حتى نكون جماعة واحدة ينتفع الناس بنا، ونحذر أشد الحذر من الشذوذ في الأقوال والأفعال. وأخيراً أوصي نفسي وإياكم أيها الأحبة، ونحن نمر بمعتركات صعبة وأحداث متتابعة فيها ما فيها من الامتحان والابتلاء، أن نكون غاية في الحذر، وكذلك غاية في الحرص على الخير والاجتماع والبعد عن الشذوذ في الأقوال والأفعال والفتاوى وغيرها. نبتلى بأشياء كثيرة في مجتمعنا، فلا ينبغي أن تعالج بالطيش بل بالرفق والحكمة، ولا تعالج كذلك بأن يرد الخطأ بخطأ أكبر منه. انظروا إلى حال سلفنا وعلمائنا وأمتنا كيف وقفوا في وقت المحن والفتن بالهدوء والرفق والثبات على الحق، ولم تؤثر عليهم ضغوطات تلك الفتن. ولا أدل على ذلك بما وقع في زمن الردة في عهد أبي بكر رضي الله عنه أرضاه، وكيف كان موقف أبي بكر رضي الله عنه والصحابة رضي الله عنهم. هكذا ثبت الدين وانتصر الحق بهذا الثبات. وهكذا في محنة الإمام أحمد رحمه الله، محنة القرآن، لم تعالج تلك الفتنة والمحنة إلا بالحكمة والصبر والرفق حتى أزال الله عز وجل تلك المحنة والفتنة. لم يعالج الخطأ بالخطأ، فلم يرد أمر تلك المحنة والفتنة بأن قيل: صارت الفتنة اليوم بالدين والمحنة فيه، ماذا يعني ذلك؟ هل نخرج على الحكام المسلمين؟ هل نثير الفتن في المجتمعات؟ هل نرد الباطل بباطل أكبر منه؟ أبداً. لما جاء أولئك الجماعة إلى الإمام أحمد وأرادوا الخروج، نهاهم عن ذلك، وذكروا له ما عليه الناس من فتنة، فقال: «إنما هذه فتنة الخاصة، ولكن نخشى الفتنة العامة»، يعني بسفك الدماء وحصول الفوضى، فهذا أعظم شراً وخطراً. فالله الله بالثبات على ما علمناه من ثوابت هذا الدين في معاملة الراعي والرعية. ولا يعني ذلك ترك الواجب الشرعي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للراعي والرعية، بل تؤدى بالضوابط الشرعية التي أمرنا الله عز وجل بها دون إفراط ولا تفريط. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.