قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 15

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير الآيات من سورة الحجرات

تناول المقطع تفسير الآيات من سورة الحجرات، حيث نهى الله عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وحذر من الظن السيء والتجسس والغيبة. الآية تضمنت نواهٍ وأحكامًا تتعلق بالتعامل بين المسلمين.

تحريم سوء الظن وتوضيح أنواعه

ينبغي للمسلم تجنب سوء الظن بالآخرين، حيث إن بعض الظن إثم، لكن ليس كل الظن السيء إثمًا. الآية الكريمة تدعو إلى اجتناب كثير من الظن لاحتمالية الوقوع في الإثم.

خطورة سوء الظن والتجسس والغيبة

يُنبه المقطع إلى خطورة سوء الظن والتجسس والغيبة، ويستدل على ذلك بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يُشدد على أهمية اجتناب الظن السيء وتجنب التجسس والغيبة مع الإشارة إلى استثناءات في الشرع.

الإشارة إلى الدرس القادم والختام

سيتم في الدرس القادم ذكر الفوائد المستنبطة من الآية، ويختم الشيخ الدرس بالدعاء للجميع. تم الإشارة إلى بعض ما جاء في هذه الفوائد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في ما قد بدأناه في رمضان في دروسنا في تفسير سورة الحجرات. وآخر ما أخذنا قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وذكرنا فوائد هذه الآية. وهذه الآية فيها النهي عن ثلاثة أشياء رئيسية نهى الله عز وجل عنها، ألا وهي السخرية بالآخرين، وكذلك اللمز والعيب في أهل الإسلام وفي إخوانه، وكذلك أيضًا التنابز بالألقاب، سواء كانت هذه الألقاب من ترك الأسماء أو القذف بالأشياء الباطلة أو التقول عليه بما ليس فيه أو بما فيه لكنه شيء قبيح، أو كذلك أيضًا رمي الألفاظ التي قد تخرجه عن الإسلام، يا كافر، يا منافق، يا فاسق، هذه الألفاظ أيضًا كذلك تعتبر من التنابز بالألقاب. فنهى الله عز وجل عن السخرية؛ لأن السخرية غالبًا تأتي بعدها اللمز وهو العيب، يأتي هذا بعيوب هذا، وهذا يأتي بعيوب هذا، يريد أن يستنقصه بهذا العيب، فيبحث عن عيوبه ويلمزه بهذه العيوب، وقد تكون فيه وقد لا تكون فيه. ثم بعد ذلك يأتي التنابز والترامي بالألقاب القبيحة التي لا يجوز للمسلم أن يقولها في أخيه إلا إذا تحققت، وإلا فإنه آثم إذا لم تتحقق هذه الألفاظ. وبعضها خطير جدًا مثل التكفير، إذا قال الإنسان لأخيه المسلم: يا كافر، فهذه خطيرة؛ فقد جاء في حديث أبي هريرة وغيره في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كانت فيه وإلا رجعت فيه»، فإن كانت الذي قال وإلا رجعت فيه. وهذا خطير؛ معنى أن الإنسان إذا كفر أخاه أي قطع الرابط الذي بينه وبين أخيه، فلهذا ترجع إليه. قالوا: ترجع إليه أن يكون كافرًا بنعمة الله عز وجل وهي نعمة الأخوة، وهذا معنى كفر نعمة، وإن كان لا يخرج عن الملة، لكنه كبير من كبائر الذنوب، بل هو من أعظم الكبائر أن يكون العبد معنى ينقض هذه الأخوة بمثل هذه الألفاظ. فلهذا حرم الله عز وجل هذه الثلاثة الأشياء وما قد ذكرنا مما يستفاد من هذه الآية. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾. فالله عز وجل يحذر في هذه الآية أيضًا من ثلاثة أشياء ينهى عن ثلاثة أشياء عظيمة ينبغي للمسلم أن ينتهي عنها، وخاصة في المعاملة مع إخوانه؛ لأن هذه الآيات كما قلنا آداب بين المرء وبين أخيه المسلم. وقد تقدمت الآداب التي بين المرء وبين خالقه بين الله عز وجل، وكذلك الآداب التي بينه وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك ذكر ربنا جل وعلا الآداب التي تكون بين الناس والتي ينبغي أن يتخلق بها أو التي ينبغي أن لا تكون بين المؤمنين. وإنما يكون عكسها؛ فلا يسخر، وإنما يكرم المرء أخاه المسلم، وكذلك أيضًا لا يعيبه، بل يثني عليه ويمدحه بما يكون فيه. وكذلك أيضًا لا يلمزه بالألقاب السيئة، بل يذكر فيه الألقاب التي يرتاح لها ويحبها. فهذا الذي ينبغي الذي يكون بين المسلمين. وفي هذه الآية أيضًا ينبغي للمسلم أيضًا أن يتحاشى هذه النواهي: من الظن السيء، وكذلك أيضًا التجسس على الآخرين، وكذلك الأمر الثالث وهو الغيبة. فهذه الأشياء مثل ما قلنا في تلك الأشياء متتابعة، وهذه أيضًا الأشياء متتابعة؛ السخرية يأتي بعدها العيب والعيب يأتي بعده اللمز والرمي. وهذه الأشياء أيضًا متتابعة كما ذكر الإمام القرطبي وغيره؛ فهذه الأشياء أيضًا متتابعة؛ لأن من ساء ظنه بأخيه يأتي بعد ذلك أن يتجسس عليه؛ لأنه ساء ظنه به، فلهذا يتجسس عليه. والمراد بالتجسس أي يتتبع عوراته، أن يريد أن يعرف عيوبه أو يعرف ما الذي يفعل مما يكون عليه عيب أو يريد أن يفضحه. ثم بعد ذلك تأتي الغيبة؛ إذا عرف عيبه عابه بعد ذلك بين الناس واغتابه وقال: فلان كذا وكذا. وقد يكون هذا الكلام فيه فهو غيبة، وقد لا يكون فيه فهو بهتان كما جاء في الحديث الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الغيبة كما سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الغيبة. فالآية هذه يقول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، فدلت هذه الآية على أن الظن ليس كله إثمًا، بل إن هناك بعض الظن إثمًا. بعض الظن إثم، لكن الذي ينبغي أن الإنسان يبتعد عن كثير من الظن حتى لا يقع في الظن الذي يكون فيه إثم. فلهذا دلت هذه الآية على أن هناك من الظن ما هو ليس بإثم؛ لأن قال: ﴿بعض الظن إثم﴾ أي هناك ظن ليس بإثم، فقد يكون ظنًا محمودًا، وقد يكون ظنًا سيئًا لكنه ليس بإثم. أن الظن سيء لكنه ليس بإثم؛ لماذا؟ لأن فيه هناك قرائن دلت على هذا الظن السيء. مثلًا إنسان فيه قرائن تدل على أنه عنده معصية كبيرة، الكبائر، الدنوب، مثلًا رجل سكران يتهادى في الطريق، يتهادى في الطريق، فهذا قرينة تدل على أنه شرب خمرًا، هذه قرينة على أنه شرب خمرًا. وهكذا رجل مثلًا يتخفى بامرأة أو بكذا، فهذا أيضًا يدل قرينة على أنه يريد أن يفعل شيئًا. وكل القرائن التي تكون واضحة ليس فيها خفاء فتدخل في الظن السيء لكنه ظن سيء ليس إثم؛ لأن الإنسان هو الذي جعل الناس يظنون فيه، معنى أوقع نفسه مواقع التهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام محذرًا من هذا. فلهذا فهناك ظن محمود وظن مذموم، فالظن المحمود قد يكون ظنًا حسنًا، وقد يكون ظنًا سيئًا لكنه دلت عليه القرائن، دلت عليه القرائن؛ لأن عدم الظن بما دلت عليه القرائن واضحة يعتبر بلادة، أنا إنسان بليد الذي لا يظن هذا. أو رجل مثلًا يقال أنه عنده غفلة، عنده غفلة، لا يستدل بهذه القرائن الواضحة على سوء الظن، فيحسن الظن في أناس يجب عليه أن يسيء الظن فيهم. وهذا أيضًا من الأمور التي تدخل على بعض الناس أسوأ من الآثام كالدياث وغيرها. وهذا إن شاء الله سيأتي الكلام عليه. فلهذا فالآية دلت على أن هناك ظن سيء ويأثم عليه الإنسان، وظن سيء لا يأثم عليه الإنسان، وظن حسن يحسن الظن وهو الأصل، وهو الأصل إحسان الظن بالمسلم. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن﴾؛ لأن الأصل هو إحسان الظن بالمسلم، فحتى لا تقع في الإثم وتقع فيما لا يرضي الله عز وجل في الكلام على أخيك وكذا، فإنك لا بد أن تتحرز. وهذا باب الاحتياط مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، عن الذي تشك فيه دعه حتى لا تقع في الإثم مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه». وقال قبل ذلك: «فمن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام»، من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام. فالذي لا يجعل له حمى عن المحارم فإنه سيقع فيها يومًا ما. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا كثيرًا من الظن حتى لا تقعوا في الظن الذي يجعلكم معناه في الظن المحرم». وكما جاء في الصحيحين: «إن الظن أكذب الحديث»، أن الظن السيء يعتبر من أكذب الحديث. فهذا النوع الذي لا ينبغي للمسلم أن يقع فيه، فيبتعد عن كثير من الظنون بسبب أنه لا يقع في الحرام، أنه لا يقع في الحرام. مثل أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث شداد أو حديث النواس بن سمعان: «والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس»، عن الإثم هذا الذي يحيك في صدرك، وإن كان ليس واضحًا، لكن قد تقع في الإثم بسبب أو أن هذا يحيك في صدرك وتكره أن يطلع عليه الناس. فلهذا فهناك أشياء ينبغي للمسلم أن يتركها حتى لا يقع في الإثم، حتى لا يقع في الحرام. فقال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا﴾، أي لا يتجسس البعض يتتبع عورات الناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمر: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين»، أو قال: «لا تغتابوا المسلمين وتتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه فضحه الله ولو في قعر بيته». الذي يتتبع عورات الناس يفضحه الله. فلهذا لا يجوز أن يتجسس على المسلمين إلا في أشياء استثنيت في الشرع، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها. ثم بعد التجسس سيأتي كما قلنا عندما يكتشف وتجسس الشخص على عيوب الناس وعلى عوراتهم، فسيأتي بعد ذلك الكلام في المجالس: فلان عنده كذا وأنا عارف، فلان يفعل كذا وكذا؛ لأنه قد تتبع وتجسس على عوراته. فلهذا يأتي بعد ذلك الغيبة التي وصفها الله عز وجل بهذا الوصف القبيح: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾، أي تكرهون هذا أن الإنسان يأكل لحم أخيه ميتًا، هذا شيء لا يستطيعه الإنسان، لكنه يستحل بالغيبة، يستحل بأن يغتاب أخاه المسلم ويذكر عيوبه للناس ويذكر ما يكرهه. الغيبة ذكر وخطاب ما يكره كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا تحصل بعد ذلك الغيبة والكلام، ويستحل المسلم عرض أخيه، استحل المسلم عرض أخيه. وهناك أيضًا استثناءات فيها يجوز أن الإنسان يغتاب، لكن هذه الاستثناءات جاءت بها الدلة، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها في الكلام على الغيبة. فقال: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾. فلهذا هذه الأشياء الظاهرة. ثم ذكر الله عز وجل بتقواه سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا يعلم ما يفعله العباد سبحانه وتعالى. وإن شاء الله تعالى في الدرس الذي سيأتي نذكر الفوائد من هذه الآية التي دل أو دلت عليها هذه الآية، ونذكر بعض ما جاء في هذه الفوائد. فنكتفي بهذا، وجزاكم الله خيرًا، وأكرمكم الله.