الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المحور نسب الشيخ عبد الرزاق عفيفي ونشأته في قرية شنشور المصرية، وتلقيه العلوم الشرعية في الأزهر الشريف على يد علماء بارزين. كما يشير إلى مشاهداته لأحوال اليهود في مصر خلال فترة الحرب العالمية الأولى.
يستعرض المحور حصول الشيخ على الشهادة العالمية والتخصص في الفقه المالكي والأصول بالقاهرة، وعمله مدرساً بالإسكندرية متميزاً بالتدريس والفتوى. ثم ينتقل إلى انتقاله للسعودية عام ١٣٦٨هـ وتدرجه في المناصب القضائية والعلمية حتى أصبح مديراً للمعهد العالي للقضاء ونائباً لرئيس اللجنة الدائمة للإفتاء.
يبرز المحور مكانة الشيخ العلمية والخلقية من خلال ثناء كبار العلماء كالألباني وابن باز، وتميزه بأسلوب تدريس مركز وسعة علمه في فنون متعددة. ويؤكد على سلامة منهجه السلفي وزهده وتواضعه وكرمه وصبره على نشر العلم.
يختم المتحدث المحاضرة بدعاء لله أن يغفر ويرحم الإمام الشيخ عبد الرزاق عفيفي وسائر علماء المسلمين. كما يشمل الدعاء الحاضرين بالرحمة ودخول الجنة، ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في مجلس سابق الكلام حول علم من أعلام هذه الدعوة المباركة، وعالم من علمائها الذين خلفوا للمكتبة الإسلامية كتبًا نافعة عظيمة، وهكذا خلفوا طلابًا ينشرون هذه العلوم. فمن كان حديثنا في آخر المجالس؟ نعم، أحسنت: كان العلامة حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى وغفر له. وكم يا إخوان نستفيد عند سماعنا وقراءة ما يتعلق بحياة هؤلاء العظماء الذين بذلوا جهودًا عظيمة نافعة. حديثنا في هذا المجلس حول علم آخر وعالم كبير من العلماء المعاصرين الذين فقدتهم الأمة، وبفقدهم يفقد العلم الكثير الغزير. حديثنا حول العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، ولعل الكثير لم يسمع بمثل هذا العالم الكبير الذي نفع الله به المسلمين، فأحببت في هذا المجلس أن نأخذ شيئًا مما يتعلق بحياة هذا العالم الجليل. أولًا: اسمه ونسبه. هو أبو أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي السلفي، هكذا ذكروا عنه. وأيضًا لُقّب بالأزهري لأنه تلقى كثيرًا من دراسته بالأزهر في ذلك العصر المجيد للأزهر، قبل أن تدخل عليه بعض الأمور، ويتولى أمره بعض من لا... أو بعض من لربما عنده من العقائد الخاطئة غير الصحيحة. وبالنسبة لي، ترجمة العلامة عبد الرزاق عفيفي على جزئين: الجزء الأول من عمره قضاه ببلده مصر، والنصف الثاني كان عقب انتقاله إلى المملكة العربية السعودية، وهناك بث العلم والفتاوى، وقام بالتدريس في تلك البلاد. أما بالنسبة للمرحلة الأولى: فكانت من مولده عام ١٣٢٣هـ، ونشأ رحمه الله تعالى نشأ بمصر، وكانت نشأته في القرية التي ولد فيها، قرية شنشور. وهذه القرية كانت مسقط رأس هذا العالم الكبير، وأسرته كانت أسرة كريمة تعد من أعيان البلد وأفاضلها، تعرف بعائلة النوبي. وقد ذكر عن الشيخ رحمه الله تعالى اهتمام وعناية بالدراسة، فتلقى دراسته في المرحلة الابتدائية وهكذا الثانوية في مدارس الأزهر. والشيخ رحمه الله تعالى انتقل بعد ذلك إلى دراسته الجامعية، فحفظ القرآن الكريم، ثم بعد ذلك تلقى التعليم في مجموعة من الفنون، وحفظ كثيرًا من المتون، وأخذ يدرس فيما يتعلق بالعربية، فدرس «قطر الندى» وهكذا «شذور الذهب» في النحو، وذلك في صفوفه الدراسية رحمه الله تعالى. وهكذا تلقى دراسة شرح ابن عقيل، ومتن شرح الأشموني، وهي من الدروس في اللغة العربية فيما يتعلق بالنحو. كذلك أيضًا درس في الفقه، وكانت دراسته رحمه الله تعالى دراسته في الأزهر دراسة فقهية، وتتدرج هذه الدراسة مع الطالب حسب المذهب الفقهي الذي يختاره هو. فدرس رحمه الله تعالى في الأزهر حتى فاق غيره. وهذه المرحلة الأولى كانت في قريته شنشور، ثم بعد ذلك انتقل إلى القاهرة بعد إتمامه للمرحلة الثانوية لكي يدرس بالقسم العالي بالأزهر. وممن التقى به من العلماء في هذه الفترة: التقى بالعلامة المحدث أحمد بن محمد شاكر، وهكذا الشيخ محمد حامد الفقي، وغيرهما من أعلام مصر في ذلك الزمان. وهكذا أيضًا كان الشيخ رحمه الله تعالى يتلقى دراسته الجامعية في مدارس الأزهر، في جامعة الأزهر. وذكر رحمه الله تعالى فائدة: أنه كان في أيام دراسته بالقاهرة أيام الحرب العالمية الأولى، قال: «فكان الطلبة يهجمون على محلات الصاغة اليهود بالقاهرة، وكان اليهود في هذا الوقت أذل، لا يجرؤ أحدهم على الجلوس أمام محله، بل يهربون إلى بيوتهم ويغلقون الأبواب عليهم». وكان هذا في عهد الملك فؤاد أحد ملوك مصر، واستمر كذلك إلى عهد الملك فاروق، الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأمر اليهود. قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «كان اليهود أسيادًا ماديًا، أسيادًا ماديًا، لكنهم أراذل أخلاقيًا. أسياد ماديًا: عندهم الأموال وفيهم أثر، لكنهم كانوا أراذل أخلاقيًا. كيف ذلك؟ قال: يمكنون ألف ساق من نسائهم ليكسبوا الأموال. أرأيتم خبثًا كهذا الخبث الذي عليه اليهود إلى يومنا هذا؟ وهم على هذا المنوال، أحرص الناس على حياة، وأحرص الناس على الأموال». فهذا مما يذكره الشيخ رحمه الله تعالى عما عايشه من قبل أولئك اليهود. ظل الشيخ بالقاهرة حتى حصل على الشهادة العالمية عام ١٣٥١هـ، ثم شهادة التخصص في فقه المالكية، وفي الأصول. ثم بعد ذلك انتقل رحمه الله تعالى إلى منطقة يقال لها شبين أو شبين الكوم، وهناك عُين الشيخ مدرسًا بالمعهد الديني. ثم بعد ذلك انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى التدريس في مادة الحديث وبالمرحلة الثانوية، وهكذا جعل الشيخ يترقى من مرحلة إلى مرحلة أخرى. وكانت شهرة الشيخ رحمه الله تعالى في المرحلة الرابعة بمصر حين انتقل إلى الإسكندرية، وهناك كان الشيخ رحمه الله تعالى يقوم بالتدريس والتأليف، وهكذا أيضًا بالفتوى. ومما يذكر عن الشيخ رحمه الله تعالى بالإسكندرية: أنه كان له وجاهة ومكانة، فكان إذا مر بالإسكندرية على عمارة عالية، يأتي إلى صاحبها ويعرض عليه أن يساعده في بناء هذه العمارة بشرط واحد: هذا الشرط أن يكون الدور الأول للعمارة مسجدًا تقام فيه الصلوات، وهكذا تقام فيه الدروس. فكان الشيخ رحمه الله تعالى مع عمله في تخريج الأجيال والعلماء، كان كذلك أيضًا يؤسس المساجد في البلاد. ولربما عرض على بعضهم أن يساعده في بناء العمارة مقابل هذا الشرط، فكان بعضهم يبدل ذلك طواعية، يقول: «لا أريد شيئًا، أنا سأكمل العمارة وسأؤثث الدور الأول مسجدًا من جميع الجوانب وجميع ما يحتاجه المسجد». ولازال ذكر الشيخ رحمه الله تعالى يزداد في بلاد مصر حتى تم استدعاؤه إلى المملكة العربية السعودية لكي يقوم بالتدريس والفتوى، وهكذا الدعوة في هذه البلاد المعروفة بالدعوة إلى المنهج السلفي. فوجد الشيخ رحمه الله تعالى بغيته في المملكة العربية السعودية، ووجد من الطلاب، وهكذا أيضًا الأعمال التي يقوم بها منذ أن انتدب للعمل في المملكة للتدريس بالمعارف السعودية عام ١٣٦٨هـ. وهذا النصف الثاني من حياته العلمية الدعوية رحمه الله تعالى. أول ما وصل إلى المملكة عمل مدرسًا بدار التوحيد بالطائف، ثم انتقل منها بعد سنتين إلى معهد عنيزة العلمي عام ١٣٧٠هـ، ثم انتقل بعد ذلك إلى الرياض في آخر هذا العام، عام ١٣٧٠هـ، للتدريس بالمعاهد العلمية التابعة لسماحة المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى. ثم انتقل للتدريس بكليتي الشريعة واللغة العربية، وهما تتبعان جامعة الإمام محمد بن سعود حاليًا. وبعد ذلك جعل مديرًا للمعهد العالي للقضاء عام ١٣٨٥هـ، وعين بها نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية، وكان رئيس اللجنة يومها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرزاق عفيفي هو النائب. وأيضًا يعتبر عضوًا من أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية. وهنا بدأ الشيخ رحمه الله تعالى يلمع ويظهر نجمه، ويعلو كذلك صيته وذكره بالمملكة، بل بلدان العالم الإسلامي. والشيخ رحمه الله تعالى كانت له عناية بدراسة أحوال الفرق، وهذه الأمور التي جعلت طلاب العلم يقصدونه في كل وقت ويسمعون منه، ولهذا انتفع بعلمه خلق كثير. ولهذا كان يشارك في أعمال التوعية في مواسم الحج، ومن أعماله كان يشرف على الرسائل الجامعية، فيكون مناقشًا مع لجان المناقشة، ويلقي الدروس في المساجد لطلاب العلم. وفي عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى، في عهده اختار الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي ليسهم في أمور الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية بالرياض، وهكذا أيضًا ببقية بلدان المملكة. الشيخ محمد، أو الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى، لمكانته العلمية كان يرأس في بعض الدورات اجتماعات هيئة كبار العلماء بحضرة ابن باز وابن غديان وغيرهم من كبار العلماء، بحضرة الشنقيطي محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي وغيرهم من كبار علماء ذلك الزمان. فلربما كان الرئيس لهذه الدورات الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى. ومنذ أن دخل في اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء، كان ذلك من الأمور المعززة، فالفتاوى التي كان يفتي بها، والبحوث التي كان يقدمها، كانت غاية في القوة والمتانة، وكان لها اهتمام في أوصاف أعضاء هيئة كبار العلماء، وهكذا أيضًا أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية. ومن تتبع فتاوى هذا الشيخ الكبير وهذا العالم النحرير يجد أن الشيخ رحمه الله تعالى نال مكانة عظيمة في هذا الباب، ولهذا أثنى عليه علماء العصر، أثنوا على هذا العلامة الكبير ثناء يدل على رسوخه في العلم ورسوخه في الفتوى. ويكفي يا إخوان ما وصفه به العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال فيه: «من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذين نرى منهم سمت أهل العلم وأدبه ولطفهم وأناتهم وفقههم». هكذا قال عنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى مثنيًا على هذا الشيخ الكبير وهذا العالم النحرير. وهكذا أثنى عليه علماء العصر كابن باز رحمه الله تعالى، وهكذا أيضًا غيرهم من أولئك الأعلام. مما يذكر عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى: أنه كان زاهدًا، فلم يكن يتطلع للمناصب والأموال، ولو أرادها لنال أكثر مما نال. وهكذا أيضًا كان رحمه الله تعالى متواضعًا، وكان حريصًا على قَلَبه، وهذا مما عرف به رحمه الله تعالى. وقد ذكر الشيخ صالح بن غانم السدلان عن الشيخ رحمه الله تعالى قال: «كنت معجبًا جدًا بطريقة الشيخ عبد الرزاق في التدريس، حيث المادة العلمية لديه رحمه الله خالية من الحشو، مرتبة، مركزة، متسقة، معروضة بأسلوب شيق قشيب». ولهذا يا إخوان، طلاب العلم الذين يجلسون في دروسه لا يملون من هذه الدروس التي كان يحييها رحمه الله تعالى وغفر له. ولهذا قلنا: امتاز بحسن الأسلوب، وغزارة العلم، واسعة العلم، وتبحر ليس في فن واحد وإنما في فنون عدة. إذا سمعته يتكلم في باب قلت: إنه من أهل التخصص في هذا الباب، وما أكثر الفنون التي كان رحمه الله تعالى يبرز فيها، وكذلك أيضًا يفوق غيره بها. زد على ذلك ما كان يتمتع به من سلامة المنهج وصحة المعتقد، فكل من تكلم عنه ذكروا أنه ذو عقيدة سلفية، أنه كان ذا عقيدة سلفية. كيف لا وهو يعتبر أحد أعلام هذه الدعوة السلفية في العقود الماضية أبان حياته رحمه الله تعالى وغفر له؟ وثناء العلماء وتزكيتهم له كثير يطول الكلام به، لكن يتبين لنا من خلال ذلك أن الشيخ رحمه الله تعالى تميز بهذه الأمور، زيادة على حكمته في الدعوة إلى الله تعالى، وهكذا أيضًا منهجية في التعليم وجدت عنده، قل أن توجد إلا عند أمثاله من العلماء الربانيين، وهكذا أيضًا العلماء الراسخين. فترك الشيخ عبد الرزاق عفيفي علمًا غزيرًا، ترك مؤلفات وأبحاثًا متينة، ترك فتاوى راسخة. ومن قرأ في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية يجد الدور العظيم الذي كان لهذا الشيخ، وهكذا أيضًا فتاواه التي في المؤلفات الخاصة به. وكم يا إخوان نتحدث عن مثل هذا العلم! كيف لو جئنا إلى عبادته، ماذا عسانا أن نقول؟ وهكذا ما ذكر في جوده وكرمه رحمه الله تعالى، وكما سبق أيضًا تواضعه وحلمه، وسعة صدره، وهكذا أيضًا رحمته بطلابه ونصحه لهم. وهكذا أيضًا مجالات كثيرة: أتينا إلى زهده وورعه، وكذلك أيضًا صبره وتحمله، وهكذا أيضًا حتى في باب المزاح. حتى في باب المزاح، ومزاح العلماء يا إخوان ينتفع بسماعه والقراءة فيه لأمرين اثنين: الأمر الأول لكي لا نقع نحن في المبالغة في المزاح، ولا كذلك أيضًا نقع في الجفاء وعدم الإنصاف، والدعاء واسعة الصدر مع الآخرين. فصفات عديدة تميز بها رحمه الله، وما من واحدة إلا وتحتاج إلى مجلس تذكر فيه ما للشيخ من مزايا ومناقب، فيه مناقب، لكن حسبنا هذه الإشارات التي أشرنا بها إلى بعض الجوانب المتعلقة بحياة هذا الإمام وهذا الشيخ الكبير، الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى وغفر له. وكما سبق أن بموت هؤلاء العلماء تفقد الأمة علمًا كثيرًا وغزيرًا بذهابهم، ولهذا كما قال التابعي الجليل مورد العجلي رحمه الله تعالى في اليوم الذي دفن فيه الصحابي الجليل أنس بن مالك: قال: «لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا». قال: «لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا». وهكذا بموت هؤلاء العلماء تفقد الأمة علمًا كثيرًا. وكما قيل: «سيذكرني قومي إذا جد جدهم، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر». فنسأل المولى جل في علاه أن يغفر وأن يرحم لهذا الإمام وهذا الشيخ الكبير، وهكذا لعلماء المسلمين، وأن يغفر لنا وأن يرحمنا، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته وفي أعلى جناته إخوانًا على سرر متقابلين. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.