الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإيمان هو اعتقاد وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويشترط فيه اليقين وعدم الشك. المؤمنون الصادقون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
العلماء فسروا تقديم المال على النفس في الجهاد بأن النفس تشح بالمال، ولأن الجهاد يحتاج إلى مال لشراء السلاح والعتاد. اليقين في الدين والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله أمر مهم.
الجهاد يكون في سبيل الله إذا كان لإعلاء كلمة الله وطرد الكفار، ويتطلب الصدق مع الله. من يقاتل لأجل هذا الغرض يعتبر مجاهدًا في سبيل الله.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر الميامين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نأخذ في هذا اليوم آية خمسة عشر من سورة الحجرات، وهي قول الله جل وعلا: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه﴾، أو قال: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾. فهذه الآية ذكرها ربنا جل وعلا بعد قوله: ﴿وقالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، فأنكر الله عز وجل ادعائهم الإيمان، ثم بيّن ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية حقيقة هذا الإيمان، وهو الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك اليقين في ذلك الإيمان. الإيمان بالله وما يقتضيه الإيمان بالله من الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وكذلك بكل ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى، فلهذا فهو متضمن هذه الأشياء كلها: الإيمان بالله، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، وبما تقتضيه أو بما يقتضيه هذا الإيمان من تصديقه فيما أخبر، وامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه سبحانه، عليه الصلاة والسلام، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع. فلهذا فإن الإيمان بالله وبرسوله يقتضي هذه الأشياء كلها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ثم قال: ﴿ثم لم يرتابوا﴾، أي من الريب، وهو الشك الذي يقع في قلوب الناس في هاتين الكلمتين أو بالإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الشك إذا وقع فإنه يبطل هذا الإيمان. فلهذا حقيقة الإيمان أن يكون موقنًا بالإيمان بالله جل وعلا، وموقنًا أيضًا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إذا دخله شك فهو ليس بمؤمن، بل منافق، وكذلك أيضًا كافر. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث معاذ: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة»، وجاء في لفظ: «من قال لا إله إلا الله موقنًا من قلبه»، أنا عنده يقين. ولهذا ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب أن من شروط لا إله إلا الله اليقين، أن يقولها وهو موقن بها أنه لا معبود بحق إلا الله، فإن شك في هذا فهو ليس بمسلم، ولم يشهد هذه الشهادة. فلهذا قال: «وهو يعلم أن لا إله إلا الله»، والعلم لابد أن يكون فيه يقين، لأن الشهادة لا تقبل إلا إذا كانت بيقين، بعلم، ما يقبل فيها الظن، وما يقبل فيها الشك. فلهذا الشاهد الذي يشهد أن لا إله إلا الله لابد أن يكون شاهدًا بيقين. فقال الله عز وجل: ﴿ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾، وهذا يدل على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، فذكر أمور الاعتقاد، ثم ذكر أمور العمل، ويدخل فيها القول. فقال: ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾، فالجهاد من الأعمال التي هي من الإيمان بالله جل وعلا، فهذا حقيقة الإيمان أنه اعتقاد وقول، وأيضًا كذلك عمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، هذا هو حقيقة الإيمان التي بينها الله عز وجل، التي غابت عن هؤلاء الذين هم من الأعراب الذين ادعوا أنهم أهل إيمان. قالوا: «آمنا»، قال الله عز وجل: «قل لم تؤمنوا»، وهذا يدلنا كما ذكرنا قبل على صحة قول البخاري وغيره الذين قالوا أن هؤلاء الأعراب دخلوا دين الله عز وجل خوفًا من القتل وخوفًا من السبي، ليس أنهم أذعنوا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما دخلوا الإسلام خوفًا. فلهذا هذا الخوف غالبًا يكون شك، فهو استسلام، فهم مسلمون لأنهم نطقوا بالشهادتين، وهم مسلمون، لكن هل دخل الإيمان في قلوبهم؟ هل دخلوا دين الله عز وجل لأجل أن يؤمنوا إيمانًا بالله وبرسوله؟ فقال الله عز وجل: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾. قال العلماء هنا: تجد من يعمل في كتاب الله عز وجل دائمًا، ربنا سبحانه وتعالى يقدم الأموال على الأنفس، أنا يقول: «جاهدوا بأموالهم وأنفسهم»، فقال الله عز وجل مثلًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾، فهنا تجد في كل الآيات يقدم المال على النفس، مع أنه لا شك أن النفس أغلى من المال. وغالبًا الإنسان يفتدي بماله لأجل نفسه، يفتدي بماله لأجل نفسه، لكن قال العلماء: الظاهر أن الله عز وجل يقدم المال قبل النفس لأن الإنسان ممكن أنه يتعب نفسه ويجاهد بنفسه أنه يعمل، ومثلًا يتحمل المشاق بنفسه، لكن لو قيل له: ادفع مالًا لأبخل أو لتثاقل في الدفع. أنه ممكن الإنسان يعمل ببدنه أعمالًا وكذا، لكن لو قيل له: تصدق أو لو قيل له: ادفع مالًا لتثاقل، لأن النفس تشح بالمال، فالنفس تكون شحيحة أكثر في المال. لكن إذا كان هذا المال سيدفع لأجل دفع القتل عنها قد يفتدي الإنسان بماله. لكن إذا كان لا يعتقد أنه سيقتل، لكن يعتقد أنه ممكن أنه مثلًا يذهب من هنا وهناك، يذهب إلى الجبهات، يذهب إلى الثغور، يذهب إلى كذا، فممكن يفعل هذا، لكن لو قيل له: ادفع مالًا لأجل المجاهدين، ادفع كذا، قد تشح النفس بذلك. وقيل: أن المراد بتقديم المال على النفس قيل: لأن الإنسان أولًا قبل أن يقدم نفسه فإنه يقدم ماله، يقدم ماله لماذا؟ لأن الجهاد يحتاج إلى مال، يحتاج إلى أن يشتري سلاحًا، يحتاج إلى أن يشتري قديمًا كان دابة، معناه خيل أو مثلًا إبل، فهو يحتاج يقدم أولًا مالًا، معناه بخلاف مثلًا الجيوش التي ينظمها الدول غالبًا هم الذين يأتون بالسلاح يأتون. لكن كان الجهاد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام يأتي الإنسان بسلاحه ويأتي الإنسان بدابته، ولهذا بعض الفقراء ما كان معهم شيء يدفعون بأموالهم كما جاء في لما جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة في تبوك، جاء بعض الصحابة الفقراء ما عندهم مال يدفعونه لأجل أن يشتروا مثلًا خيلًا أو يشتروا سلاحًا. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يحملهم أو حتى يعطيهم شيء من الخيل أو كذا لأجل أن يحملهم عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما عندي»، فتولوا وعينهم تفيض من الدمع، هكذا وصفهم الله عز وجل قال: ﴿فتولوا وعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾، أن حزنوا أنه ما عندهم مال حتى يشتروا السلاح، يشتروا الخيل حتى يذهبوا يجاهدوا في سبيل الله. فلهذا قال بعض العلماء: أن المجاهد يحتاج إلى تقديم مال، ثم بعد ذلك يقدم نفسه، فلهذا قدم الله عز وجل المال والنفس، والآية تحتمل هذا وهذا، معنا الأول والثاني. فقال الله عز وجل: ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾، هنا أثنى الله عز وجل عليهم، أثنى على من آمن بالله وبرسوله ولم يتردد في هذا الإيمان، ولم يشك في هذا الإيمان أبدًا، بل على يقين من إيمانه بالله وإيمانه برسول الله صلوات الله وسلامه عليه. مهما زعزع مهما تكلم المتكلمون من العلمانيين ومن الحداثيين والليبراليين، تكلموا وشككوا في دين الله عز وجل، فالمسلم الموقن لا يتشكك أبدًا، يعلم أن هذا من عند الله، بل بعضهم حتى يشكك في حقائق الإسلام مثل الجنة مثل النار مثل هذه الأمور العظيمة التي جاءت في القرآن والسنة. وقد أكثر الله عز وجل منها، تجد من العلمانيين ومن الليبراليين من يشكك في هذه الأمور، وبعض المسلمين تجد أنه ممن انتسب إلى الإسلام يقع في قلبه شيء من هذه الأمور، مع أنها موجودة في كتاب الله، وأكثر الله عز وجل من الإتيان بها، لكن مجرد شبهة ما يسمعها من قناة أو من إذاعة أو من غيرها من تلفزيون أو كذا فيقع في قلبه الشك. فيقع في قلبه هذا الشك ويترك هذه الآيات الكثيرة التي أخبر الله عز وجل، وهو من أصدق من الله حديثًا، لا أحد أصدق من الله عز وجل، فيكذب هذه الأمور أو يشك فيها، ويصدق هؤلاء الذين لا دين لهم ولا أخلاق لهم، ولا أيضًا ولا صدق في أقوالهم، بل هم الكذبة الذين صاروا مثل الشيطان يكذبون في كل شيء. فلهذا فالمسلم ينبغي عليه أن يكون على يقين من دينه، لا يتشكك، يشككه أو لا يعادي الله عز وجل في أحكام الشريعة، يشككون الناس، هذه المنظمات الآن التي تنتشر في اليمن تجد أنهم من مهماتهم أنهم يشككون أهل الإسلام في بعض ما جاء به الله عز وجل وجاء به رسوله صلى الله عليه وسلم. بل أحيانًا حتى يشككونهم في دين الله حتى يصير الشخص مرتدًا عن دين الله أو يكون لا ديني، يعني يكفر بالأديان، وهو يعبد هؤلاء ويذلهم الله عز وجل حتى يكون عبدًا لهم، فيطيعهم في كل شيء بدل أن يكون عبدًا لله الذي خلقه، يكون عبدًا لمخلوق مثله. فلهذا الذي يجب على المسلم أنه لا ينبغي أن يدخله الشك في دين الله عز وجل، في الإيمان بالله وبرسوله وما أخبر الله عز وجل به وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا من لم يشك وصفه الله عز وجل بالصدق، صدق في اعتقاده وصدق في أعماله وصدق في أقواله، أولئك هم الصادقون. وهؤلاء الصادقون هم الذين ينتفعون يوم القيامة، هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، معنا ذلك اليوم يوم العظيم، يوم القيامة، الصادق هو الذي ينتفع بصدقه الذي صدق به الله عز وجل وصدق به رسوله، وكذلك أيضًا صدق في دين الله عز وجل، وصدق لله سبحانه وتعالى، فصدق فصدقه الله. فلهذا فالمسلم والمؤمن هو الذي يصدق مع الله، أولئك هم الصادقون، يعبد الله عز وجل مخلصًا صادقًا من قلبه، لا يتزعزع إيمانه، فهذا معنى هذه الآية: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾. قال العلماء: هذه فائدة عظيمة أن الجهاد الذي هو معتبر عند الله عز وجل إذا كان في سبيل الله، أما إن كان رياءً أو سمعة أو كان لأجل قومية أو لأجل وطنية أو لأجل شيء من هذه الأمور فإنه لا يكون لله، وليس جهادًا شرعيًا. فإن كان الإنسان يقاتل لأجل مثلًا أن يكون وطنيًا، يقاتل المسلم آخر، هذا ليس جهادًا في سبيل الله لأنه لم يقاتل لأجل أن يعلي كلمة الله، وإنما قاتل لأجل أن يكون في هذا الوطن. وليس معنى ذلك أننا ننكر من مثلًا يحرص على وطنه وعلى كذا، هذا ما في شيء، لكن لا يجعل لا يجعل هدفه هو المدافع عن الوطن فقط، وليس عن دين الله. بل تجده يدافع عن وطنه فقط دون أن ينظر إلى هل هو على دين صحيح أو ليس على دين صحيح أو كذا، فقط أنه يريد فقط أن يدفع من يريد على زعمه مثلًا أن يحتل وطنه، فيقوم ويقاتل لأجل هذا، وهذا ليس لله عز وجل. لكن لو مثلًا كانت نيته أنه يعلي كلمة الله عز وجل في وطنه، يعلي كلمة الله عز وجل في هذا البلد الذي هو فيه، فهذا جهاد أولًا لله عز وجل، وثانيًا أيضًا أمر بمعروف ونهي عن منكر. لكن الذي لا يبالي هل هو لله أو لغيره، ولا يبالي هل ينتصر دين الله أو لا ينتصر، فهذا ليس له شيء من الخير، وإن دافع أو ادعى أنه وطني أو كذا، فهذه الوطنية لا تكون وطنية صحيحة إلا لمن دافع عن دين الله وأراد أن يكون دين الله عز وجل هو الذي يكون في البلد، وهو الذي يكون في هذا الوطن، فهذا جمع بين خيرين، بين أمرين صحيحين. أما أن ينفرد بالوطن دون دين الله عز وجل فهذا خطأ، وأيضًا ليس جهادًا صحيحًا، وإنما الجهاد كما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «الرجل يقاتل شجاعة، الرجل يقاتل حمية يعني حمية لقومه ولأوطانه، الرجل يقاتل في سبيل الله، فأيهم في سبيل الله؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، أي لا صوت بعد صوت الله عز وجل، فكلمة الله هي العليا، شريعة الله عز وجل هي العليا. فمن قاتل لأجل هذا، ولطرد الكفار الذين يريدون أن يبدلوا دين الله مثلًا، لعن الذي يقاتل الحوثي الرافضي المجوسي، فهذا الذي يقاتله لأجل أن يطرد الكفار، لأجل أنهم يريدون أن يبدلوا دين الله، فهذا يقاتل لأعلى كلمة الله عز وجل، فهو مجاهد جهادًا صحيحًا في سبيل الله عز وجل. فلهذا فالجهاد لابد أن يكون في سبيل الله، ﴿وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾، هؤلاء هم الذين صدقوا مع الله جل وعلا، فهذا ما يؤخذ من هذه الآية. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين.