الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول مفهوم الجهاد في سبيل الله وأنواعه، حيث يشمل القتال بالسنان والسلاح والجهاد بالحجة والبيان. يُظهر أهمية الجهاد بالحجة والبيان في مواجهة أهل الباطل.
يُحذر المقطع الثاني من ادعاء الإيمان دون صدق ويبين أهمية الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته معًا. كما يناقش مسألة التلفظ بالنية في العبادات ويعتبرها خطأً.
يفسر المقطع الثالث الفرق بين النية والإهلال في الحج، ويبين أن الله يعلم ما في القلوب. يشير إلى أن الإهلال واجب ظاهر يتمثل في رفع الصوت بالذكر.
يؤكد المقطع الرابع على أن الله تعالى عليم بكل شيء، يعلم الماضي والمستقبل. جاء في صحيح مسلم ذكر علم الله تعالى في حديث عبد الله بن عمر مع معبد الجهني.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وذكرنا فوائد هذه الآية، وبقيت فائدة عظيمة في ذكر الجهاد في سبيل الله جل وعلا. فالناظر والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الجهاد يطلقه الله عز وجل على نوعين من الجهاد، فغالبًا يطلق على الجهاد بالسنان والسلاح، وهذا المتبادر إلى الذهن، وكذلك هو ظاهر الآيات غالبًا، لكن وجدت هناك آيات، وكذلك حديث، سمى الله عز وجل الجهاد وأراد الجهاد بالحجة والبيان، الجهاد بالحجة والبيان، فإنه أيضًا من الجهاد العظيم الذي هو ميراث الأنبياء والمرسلين. وأيضًا ما كان عليه أولئك الأنبياء والمرسلون، يحاجون أقوامهم ويبينون لهم دين الله جل وعلا، فلهذا كان الجهاد بالحجة والبيان له أهمية عظيمة. ومن الآيات التي نزلت في هذا قوله جل وعلا في القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وجاهدهم أي بالقرآن، والمراد به أي حاجهم وبين لهم سبيل الله جل وعلا، وبين لهم ما أنتم عليه من الباطل. فلهذا كان ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، فربنا جل وعلا يفصل الآيات بما يكون في طريق أهل الخير، وبما يكون أيضًا في طريق أهل الشر، ويبين أساليبهم، ويبين ما هم عليه من الباطل. وهكذا المؤمن يأخذ من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتسلح بهما بما يرد أقوال أهل الباطل، وكذلك من البدع والمخالفات، بل ومن الشركيات، وكذلك ما يكون من الإلحاد في دين الله جل وعلا. فلهذا قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا يَأْتُوكُمْ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، أي هذا القرآن يرد على شبه هؤلاء المشركين جميعًا، وهؤلاء أهل الباطل جميعًا، فما من أهل الباطل إلا وتجد الرد عليهم من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الجهاد العظيم. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم». وجاء أيضًا كذلك في حديث عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فمن جاهدهم -يعني يكون في هذه الأمة خلف يخلفون أهل الصلاح، لكنهم ليسوا مثلهم، خلف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون- فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن». فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «جاهدهم بلسانه» أي بالحجة والبيان، بيّن لهم ما هم عليه من الباطل، جاهدهم بلسانه، فهذا الجهاد جهاد عظيم، وهو جهاد أهل الباطل بالحجة والبيان، يبين العالم ما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن ذلك أيضًا في هذه الآيات تجد أن الله عز وجل رد على كثير من المقالات الخاطئة التي لم تفهم الإيمان بالله جل وعلا، لم تفهم الإيمان بالله، ظنوا أن كل من استسلم لأهل الإسلام يعتبر مؤمن ولو كان إسلامه واستسلامه خوفًا من القتل أو من غيره. فلهذا تقدم معنا قول الأعراب: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يدخل الإيمان بعد في قلوبكم حتى تقولوا آمنا، ثم ذكر الله عز وجل حقيقة الإيمان، وهو الإيمان بالله وبرسوله والجهاد في سبيله بالمال والأنفس. ثم بعد ذلك قال الله عز وجل: ﴿أَتَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أيضًا هذا من الرد على من لم يفهم أمر الإسلام وأمر الإيمان، يظن أن كل من ادعى الإسلام فهو مسلم ومؤمن. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾، بعضهم العلم يقول أنها نزلت -ولم يأت بإسناد صحيح- أنها نزلت في أعراب من قبيلة بني أسد، وهم من أعراب بني أسد جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وادعوا الإيمان كما تقدم قبل، فهنا رد الله عز وجل عليهم لما قالوا أنهم مؤمنون. قال الله عز وجل: ﴿أَتَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ هَلْ تُخْبِرُونَ اللَّهَ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فكيف لا يعلم ما تخفيه صدوركم؟ وربنا جل وعلا يعلم كل شيء، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهو ما دام أنه يعلم ما في السماوات والأرض، أي كل ما يقع في السماوات وفي الأرض فهو سبحانه وتعالى يعلمه. ومن ذلك أيضًا ما تخفيه الصدور، والله يعلم، والله عليم بذات الصدور، والله عليم بما في صدور العالمين. وربنا جل وعلا أيضًا يبين أنه هو الذي يعلم الشاكر من الكافر، ويعلم ما تخفي هذه الصدور والقلوب، سواء كان إيمان أو نفاق أو كفر أو غيره، فربنا جل وعلا أعلم بهذه القلوب. فلهذا لا يستطيع الشخص أن يدعي شيئًا وهو ليس بقلبه، فلهذا قال العلماء: هذه الآية دليل يدل على الرد على كل من ادعى شيئًا، سواء كان هذا الادعاء صحيح أو غير صحيح، فالأصل أن الله عز وجل يعلم ما في القلوب، لا يقول مثلًا الإنسان: أنا متقي الله، وأنا كذا، وأنا من الموقنين، من المؤمنين، الذي يثني على نفسه ويعجب بنفسه بمثل هذه الأشياء، فهذا لا يجوز، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث نفسه أو يتقول بمثل هذا الكلام، لأن هذا قد يكون كذب، قد يكون ادعاء ليس حقيقة، والله عز وجل هو الذي يعلم بما في القلوب. فلهذا المؤمن يدعو الله عز وجل أن يثبت الإيمان في قلبه، فهذا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لأجل أن يقتدى به في الإيمان، كان يقول في سجوده كما جاء في حديث أم سلمة وأنس وغيرهما: «يا مثبت القلوب، ثبت قلبي على دينك»، فنبينا عليه الصلاة والسلام يسأل الثبات، لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، قد يفتن، قد يكد، قد أيضًا يدعي بما ليس فيه. وهذا غالبًا ما يكون في الناس، تجد أنه يظن أنه من أهل الإيمان، ويظن أن الله عز وجل يغفر له، ولهذا يتمادى في الباطل، يتمادى في المعاصي، ويقول: غفور رحيم. فما تقدم معنا أن كثيرًا أن الله عز وجل أنكر على أناس اعتمدوا على عفو الله ورحمته، ونسوا أن الله عز وجل شديد العقاب. ولهذا تجد في آيات كثيرة يذكر ربنا جل وعلا مع مغفرته ورحمته، أنه شديد العقاب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فلهذا فربنا جل وعلا قد سبقت رحمته غضبه، لكن جل وعلا حكم عدل سبحانه وتعالى، فلهذا فهو يعاقب من يشاء سبحانه أن يعاقبه. فلا ينبغي المسلم أن يغتر بعفو الله ورحمته فيتمادى فيما يغضب الله عز وجل، وقد يؤديه إلى الخروج من دين الله سبحانه وتعالى وهو لا يشعر، فلهذا المؤمن لا يأمن مكر الله، ولا ييأس من رحمة الله، فلا يكون هكذا ولا هكذا، بل يكون في وسط، يكون عنده خوف من عذاب الله جل وعلا، وخوف أن لا يكون من أهل الإيمان، وكذلك أيضًا يكون عنده رجاء عظيم بالله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل سيغفر له، لكن يكون يقدم هذه الأسباب من العمل وغيره. فلهذا فالمسلم يكون بين الخوف والرجاء، بين الخوف والرجاء، ثم يتصل بالله عز وجل وبعبادة الله سبحانه وتعالى. فقال الله عز وجل لهؤلاء ردًا عليهم: ﴿أَتَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾، أي تخبرون الله بما في قلوبكم وما تدينون به؟ فالله يعلم ما في السماوات والأرض. لهذا قال العلماء في هذا: أن الإنسان لما يخبر بنيته ليس هناك فائدة، ليس هناك فائدة في إخباره بنيته، يقول: نويته أن أصلي كذا وكذا، وكأنه يعلم الله بهذا الفعل، نويته أن أعتكف في المسجد، نويته أن أذهب إلى المسجد، معناه في كل فعل يقول: نويته، فهذا لم يثبت أولًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا كما قال شيخ الإسلام: اختلال في العقل، أنا كل عمل سيقول: نويته أن أفعل كذا. فالله عز وجل يعلم بما في قلوب العالمين، ولهذا اتفق العلماء، وحكى الإجماع غير واحد، ومنهم الإمام النووي رحمه الله، وهو إمام من أئمة الشافعية، حكوا اتفاق العلماء على أن النية محلها القلب، على أن النية محلها القلب، لماذا؟ لأن الله عز وجل مطلع على نيات الناس، مطلع على ما نوى به إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فلهذا فلا داعي للإنسان يقول: نويته أن أفعل كذا، نويته أن أصلي، نويته أن أتوضأ، نويته أن أذهب إلى المسجد، نويته أن أخرج من المسجد، هذه معاني هذا خطأ، وحتى كما قال شيخ الإسلام: اختلال في العقل، حتى سيجعل هذا في أمور الدنيا، نويته أن آكل، نويته أن أشرب، لأنه كما ذكرنا قبل أن الإنسان ممكن يجعل العادة عبادة بالنية، يجعلها عبادة بالنية. وهم يقولون أن العبادة تحتاج إلى تلفظ بالنية، معنى الذي مثلًا يريد أن يأكل ليتقوى على طاعة الله، يقول مثلًا: نويته أن آكل حتى أتقوى على طاعة الله، نويته أن أشرب حتى أتقوى، نويته أن أفعل، أن أعمل رياضة لأجل أن أقوم الليل أو أفعل كذا، هذا كله خطأ، وأيضًا فيه أن الإنسان يخبر بما في قلبه، والله عز وجل أعلم بما في قلبه. أما الإهلال فالإهلال شيء آخر، ليس هو نية، عن بعضهم يقول: إهلال الحج إهلال الحج ليس نية، هو ذكر لابد أن يأتي به عن ذكر، مثل التكبير، مثل ما يقول الإنسان في الصلاة: الله أكبر، في الحج لابد أن يأتي بالإهلال، يقول: «لبيك اللهم عمرة»، أو «لبيك اللهم عمرة ما حجه»، أو «لبيك حجه»، معنى بالأنساك الثلاثة، فهذا إهلال، والإهلال مراد به رفع الصوت بالذكر. وأما النية فلا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ولهذا تجد أن العلماء يفرقون بين النية وبين الإهلال، فيقولون: النية شرط من شروط الحج، لكن الإهلال هو واجب من الواجبات، ليس عند أكثر أهل العلم أنه ليس شرطًا ولا ركنًا، وإنما هو واجب من الواجبات، وأما النية فهي شرط من شروط الحج. فلهذا فالنية لا يعلمها إلا الله، أي بما في القلب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وإنما لنا الظاهر، ولهذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة بن زيد لما قتل ذاك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، فقال له: «يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: «يا رسول الله إنما قالها متعوذًا من السيف»، قال: «أشققت عن قلبه؟ أنا أشققت عن قلبه حتى تعلم أنه قالها متعوذًا من السؤال؟». فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله، ولن الظاهر، فما دام أنه قال: لا إله إلا الله، وتشهد، فهو مسلم، دخل الإسلام بعد كفره، فلهذا فالذي يعلم ما في النيات هو الله سبحانه وتعالى. فقال الله عز وجل منكرًا على هؤلاء: ﴿أَتَعْلَمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. هنا ربنا سبحانه وتعالى يجمع السماوات، غالبًا في الآيات تجد أن الله عز وجل يجمع السماوات ويفرد الأرض، بعض العلم قال: لأن السماوات فيها سكان كل سماء فيها سكانها، فلهذا يجمعها ربنا جل وعلا، وأما الأرض فلم يثبت أن الأراضي الأخرى لها سكان. وأما ما جاء أن الله عز وجل خلق سبع أراضين، كل أرض كأرضكم، فيها آدم كآدمكم، وفيها نوح كنوحكم، فهذا حديث لا يصح، بل حكم عليه العلماء بأنه موضوع، فليس هناك ما يدل على أن هناك حياة أخرى غير الحياة التي فوق الأرض. فلهذا قال العلماء، وبعض المفسرين: أن الله عز وجل يجعل السماوات على الجمع والأرض مفردة: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، مع أنه قد جاءت الآيات التي تدل على أن الأراضي أيضًا سبع مثل السماوات: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. فلهذا فهي سبع أراضي مثل سبع سماوات، لكن ربنا جل وعلا في أغلب الآيات يجمع السماوات ويفرد الأرض، معنى من الأشياء التي ذكرها العلماء هذا الجواب: أن السماوات فيها سكانها من الملائكة، كل سماء فيها سكانها، ومما يدل على ذلك ما جاء في الإسراء والمعراج لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي كل سماء قابل ملائكة، وكذلك بعض الأنبياء كما جاء مفصلًا في حديث الإسراء. فلهذا فكل سماء فيها سكانها، وجاءت أيضًا أحاديث كثيرة أن لكل سماء سكان، وكل سماء فيها أكثر سكانًا، معنى السماء الأولى أو السماء الثانية سكانها من الملائكة أكثر من سكان السماء الأولى، كما جاء ذلك مصرحًا به في بعض الأحاديث الصحيحة. فلهذا من الأحاديث التي جاءت في هذا: يوم القيامة عندما يحوط الملائكة الناس، يحوط الناس الملائكة يحوطون، فيأتي أولًا أهل السماء الأولى فيحوطون بالناس، ثم يأتي أهل السماء الثانية ويكون هنا أكثر منهم فيحوطون عليهم، وتأتي هكذا أهل السماء الثالثة ويحوطون عليهم، ثم يقال لهذا الإنسان -معنى يومئذ لا مفر ولا يستطيع الهروب- معنى أحاط به الملائكة من كل مكان، وأيضًا ليس فقط طبق واحدة، بل سبع طبقات، ما يستطيع أن يهرب أو أن يفر من ذلك المكان. فيقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ أين الهروب؟ كيف سأهرب؟ ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، فلهذا من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل أنكر عليهم، وكذلك بيّن أنه يعلم ما في السماوات والأرض، لم يذكر أنه يعلم بما في القلوب، بل قال: يعلم ما في السماوات والأرض. ثم أيضًا أردف سبحانه وتعالى بقوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي بكل ما يحصل فهو عليم به سبحانه وتعالى، علمه الأزلي، وكذلك علمه الأبد سبحانه وتعالى، فهو يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، كيف كان جل وعلا، فهذه الآية فيها سعة علم الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، خلافًا للقدرية الغلاة الذين نفوا علم الله عز وجل السابق. كما جاء في صحيح مسلم في ذكر ذلك لعبد الله بن عمر لما قال معبد الجهني هذا الكلام، بل اتفق أهل السنة وأهل الإيمان على أن علم الله عز وجل، أن الله عز وجل بكل شيء عليم، يعلم ما مضى وما سيأتي، ما كان في الأزل وما كان أيضًا سيكون، كيف كان، فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.