قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 20

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ والفرق بين الإسلام والإيمان

يشرح سبب نزول الآية في أعراب بني أسد أو تميم الذين ادعوا الإيمان، مبيناً أن الله رد عليهم بقوله «قولوا أسلمنا» لأنهم لم يدخل الإيمان قلوبهم. ويناقش أقوال العلماء في كونهم منافقين أو مسلمين ظاهرياً، مؤكداً أن الحكم يبنى على الأغلب وأن الإسلام هنا يحمل معناه الشرعي لا مجرد الاستسلام اللفظي.

الفرق بين الإسلام والإيمان ورد دعوى الأعراب

يوضح أن الإسلام الظاهري قد يوجد دون حقيقة الإيمان الباطني، كما وقع مع الأعراب الذين ادعوا الإيمان فرد الله عليهم بقوله «قولوا أسلمنا». ويؤكد أن الإيمان الحقيقي هو الانقياد والطاعة لله ورسوله، مستدلاً بآيات تنفي كمال الإيمان عمن يرتكب الكبائر أو لا تخشع قلوبهم لذكر الله.

علاقة الإيمان والإسلام وزيادة الإيمان ونقصانه

يشرح مذهب أهل السنة في أن الإيمان يشمل العمل ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مستدلاً بآيات قرآنية. كما يوضح الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان عند اجتماعهما، وأن كلاً منهما يدخل في الآخر عند الانفراد، مستشهداً بحديث جبريل وحديث عبد القيس.

علاقة الإيمان والإسلام عند أهل السنة

يذكر أن الصحيح عند أكثر أهل السنة أن الإيمان والإسلام متغايران في المعنى، لكن إذا ذُكر أحدهما وحده دخل فيه الآخر، بينما إذا اجتمعا تغاير معناهما. ويشير إلى أن بعض أهل السنة يرون أنهما شيء واحد، لكن الراجح هو التفريق مع الشمول المتبادل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نأخذ هذا اليوم الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات، وهي قوله جل وعلا: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. هذه الآية بيّن الله عز وجل فيها أمرًا مهمًا، وهو ادعاء الإيمان، وهل هناك فرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال الله عز وجل: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾. الأعراب هم من يسكنون البادية، والعرب من يسكنون الحضر، والأعراب من يسكنون البوادي يسمون أعرابًا. فقال الله عز وجل: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ ﴾، وهنا الله سبحانه وتعالى جعل الحكم لجميع الأعراب، لكن المراد بهم طائفة أو أكثرهم. أكثر الأعراب على هذا القول أنهم يدعون الإسلام، ويدخلون الإسلام إما لأجل عدم قتلهم وسبيهم، أو نفاقًا، وتجد أنهم يحملون في قلوبهم الكفر والبغض للمسلمين. ولهذا قال في سورة التوبة: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾، لأنهم يعيشون في البوادي بعيدين عن العلم، بعيدين عن القرآن، فلهذا يكثر فيهم النفاق. ينافقون، يدخلون الإسلام لأجل أن لا يقتلوا، ولأجل أن لا يسبوا، وأيضًا لأغراض من أغراض الدنيا. فلهذا وصفهم الله عز وجل بهذه الأوصاف، إلا أن الله عز وجل في سورة التوبة قال: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. فبين ربنا سبحانه وتعالى أن من الأعراب من هو مؤمن بالله، بل ويتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات، لكن أكثرهم على هذه الصفة. فلهذا قال أكثر أهل العلم: إن الحكم يكون على الأغلب، الحكم يكون على الأغلب، والنادر لا حكم له. وهذا تجده في كثير من النصوص، خاصة في نصوص العذاب والحكم. فمثلًا حديث جويرية، أو حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها في البخاري، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه»، وأشار إلى سبابته وإبهامه. فقالت إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «يخسف بجيش يغزو الكعبة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بأولهم وآخرهم». فقالت عائشة: «يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟» قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم». فلهذا فالحكم يعم، والحكم على الأكثر، معنى يبنى الحكم على الأكثر. فقال الله عز وجل: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾، وذكر العلماء أن هذه الآية نزلت في أعراب بني أسد، ومنهم من قال إنهم في أعراب بني تميم. المهم أنها نزلت في هؤلاء الأعراب، وهل كانوا من المسلمين أم كانوا من المنافقين؟ لأن الله عز وجل هنا نفي عنهم الإيمان، ولم ينف عنهم الإسلام. فقال بعض العلماء: إنهم من المنافقين، لكن الإسلام الذي ادعوه ليس إسلامًا صحيحًا، ليس إسلامًا صحيحًا لأنه ليس مبنيًا على الإيمان بالله، فهو إسلام ادعاء وظاهر. وكما قال الإمام البخاري رحمه الله، وكذلك قال محمد بن نصر: «إنما أسلموا لأجل أن لا يقتلوا وأن لا يسبوا». لكن هذا القول رده كثير من العلماء، منهم الحافظ ابن كثير رحمه الله في التفسير، وقال: إن الله عز وجل أثبت لهم الإسلام، ورد ادعاءهم بالإيمان. قال الله عز وجل: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾. فالله عز وجل أجاز لهم أن يقولوا: أسلمنا، والإسلام يحمل هنا على المعنى الشرعي. والذين قالوا إنهم لم يسلموا حملوا الإسلام على المعنى اللغوي، أنهم استسلموا، لكنهم لم ينقادوا للشرع، لم ينقادوا لشرع الله. لكن الصحيح أن الإسلام هنا يحمل على الحقيقة الشرعية، أنهم أسلموا ودخلوا الإسلام، وعملوا بشعائر الإسلام من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة وغيرها، لكن كان إسلامهم فيه شيء من النقص من ناحية أنهم مثلًا لا يعدون حق أهل الإسلام، وكذلك أيضًا قد يحصل منهم أيضًا ما هو أعظم، أنهم يقتلون بعض أهل الإسلام أو يأخذون أموالهم على ما اعتادوا عليه في تلك الحقبة أو قبل الإسلام. فلهذا قال: ﴿ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾، أي أن الإيمان لم يدخل في قلوبكم بعد، لم يدخل في قلوبكم بعد لأنكم لم تذعنوا لله جل وعلا بالطاعة. ولهذا قال كثير من العلماء: إن الإيمان الذي نفاه عنهم سبحانه وتعالى هو حقيقة الإيمان، حقيقة الإيمان، مثل ما نفى الله عز وجل الإيمان، أو نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني، وعن شارب الخمر، وعن السارق. فقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»... إلى آخر الحديث. فهنا الإيمان الذي ينتفي عنه هو حقيقة الإيمان، وهو الإيمان الكامل، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾، كما سيأتي في الآية الأخرى. وهذا يدل على أن الإيمان الذي نفاه الله عز وجل عنهم هو الإيمان الشرعي. وكذلك قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. فهؤلاء عندهم حقيقة الإيمان. والمهم أن هذا الادعاء الذي ادعاه هؤلاء الأعراب، نفاه الله عز وجل ورده، أنهم ادعوا الإيمان، وهذا يشبه ما جاء في الصحيحين في حديث سعد، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أعطى بعض الناس ومنع بعضهم، أي لم يعطيهم، فقلت: يا رسول الله، ألا تعطي فلانًا فإنه مؤمن؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلم؟» أي: قل: مسلم. إلى أن قال سعد: فأخذ ما في نفسي، ومما عرفه من هذا الشخص، فقلت: أي: عادت أيضًا سعد، ألا تعطي فلانًا فإنه مؤمن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مسلم»... إلى آخر الحديث. فبين النبي عليه الصلاة والسلام لسعد أنه يقول: مسلم، لا ينبغي له أن يشهد له بالإيمان وهو لا يعرف بذلك الإيمان. والمهم أن الله عز وجل رد على هؤلاء الأعراب الذين ادعوا الإيمان، فقال: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾. فهذا أيضًا يبين أن الباطل يرد، ويبين الحقيقة والصحيح، إذا ادعى الإنسان شيئًا ليس له، أو أنه ادعى مقامًا ودرجة ليس له، فيبين له أن هذه الدرجة ليست له، وهذا المقام ليس له، وإنما مقامه كذا وكذا. فإذا ادعى الإنسان أنه من العلماء، أنه من كذا، فيقال له: أنت لست من العلماء إذا كان ليس منهم، وإنما أنت طالب علم أو كذا، فيبين له الحقيقة، كما بين الله عز وجل لهؤلاء الأعراب حقيقة أمرهم. كذلك أيضًا في هذه الآية دليل، كما قال العلماء، على أن ليس العبرة بمجرد الألفاظ بدون معاني، بل العبرة بالألفاظ والمعاني، والمعاني أيضًا أهم من الألفاظ. ولهذا تجد الآن في مجتمعنا تجد أن الناس يضعون ألفاظًا لبيوع أو لغيرها ليست المعاني الشرعية التي جاء بها الشرع. فأحيانًا مثلًا يسمون البيع وكالة، ويسمون مثلًا الضمان كفالة، وغيرها من هذه الألفاظ التي تختلف عن الألفاظ الشرعية. فلهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: فالعبرة بالمعاني، العبرة بمعاني الألفاظ لا بمجرد الألفاظ. فلهذا فهنا بين الله عز وجل أن معنى الإسلام الذي عناه الله، وهو الذي يدخل فيه الإيمان، ليس موجودًا، ليس موجودًا عندهم. فلهذا قال: ﴿ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾، أي إذا دخل الإيمان في قلوبكم فادعوه بعد ذلك، لكن الإيمان الآن ليس في قلوبكم، ليس في قلوبكم الإيمان. فبين بعد ذلك ربنا جل وعلا أن الإيمان هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وعليه وسلم: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾. أن إذا كنتم تدعون الإيمان، أطيعوا الله ورسوله، فالإيمان هو طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم. وهذا يدل أيضًا على قول أهل السنة أن العمل من الإيمان يدخل في مسمى الإيمان. فمن ادعى الإيمان وادعى أن العمل لا يدخل في الإيمان مثل المرجئة، فهذا قوله باطل. بل الإيمان بالعمل، وكلما ازداد عمل الإنسان ازداد إيمانه، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾، وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾. فلهذا فالإيمان يزيد وينقص، كما هو قول أهل السنة، يزيد بالأعمال وينقص بالمعاصي، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ولهذا قال الله عز وجل هنا: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾، أي لا ينقص من أعمالكم شيئًا، بل يزيدكم إيمانًا ويزيدكم أجرًا وثوابًا عند الله عز وجل. فلهذا لا يَلِتْكُمْ، أي لا ينقصكم، لا ينقصكم شيئًا، بل يزيدكم إيمانًا وأيضًا ثوابًا عنده سبحانه وتعالى. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، أي أنكم إذا لم تعاندوا وأطعتم الله ورسوله، فإن الله عز وجل سيغفر لكم ما كنتم تقولونه أو ما كنتم تعملونه من الأشياء التي تنافي الإيمان، والتي أيضًا جعلت الرب سبحانه وتعالى ينفي عنهم الإيمان. فهذه الأمور التي نفى الله عز وجل عنها الإيمان، فإنها تذهب بطاعة الله ورسوله، إذا إذا لم تعاندوا، ومعنى: انقادوا إلى طاعة الله ورسوله، فإن الله عز وجل يغفر لهم ويرحمهم سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. فهذا معنى ذكر أو ختام الاسمين العظيمين في هذه الآية. ومسألة هذه الآية هي مسألة الإيمان والإسلام، هل هما واحد أم بينهما فرق؟ فتجد في حديث جبريل عندما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله عن الإسلام، وسأله عن الإيمان، وعن الإحسان. فجعل الإسلام: الشهادة والأمور الظاهرة، معنى: الصلاة والصيام والحج والزكاة. وسأله عن الإيمان، قال: «الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». فجعله الإيمان: الأعمال الباطنة. ثم سأله عن الإحسان، فذكر عبادة الله عز وجل: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فدل على أن هناك مغايرة بين الإسلام والإيمان والإحسان. لكن تجد في بعض الآيات ربنا سبحانه وتعالى يذكر الإيمان فقط ويريد به الإسلام، وأحيانًا يذكر الإسلام ويريد به الإيمان أيضًا داخل فيه. مثلًا قول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فهنا بين أن من لم يقبل الإسلام ولم يتخذ الإسلام دينًا فهو من الخاسرين، من الكافرين. فدل على أن الإيمان داخل فيه. وأيضًا إذا أطلق الإيمان، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله وملائكته»... يدخل فيه أيضًا الإسلام، لأن من الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، التوحيد من الإيمان، فلهذا فهو داخل فيه. فلهذا قرر أكثر أهل السنة على أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا. معناه: إذا ذكرا معًا: إسلام وإيمان، فالإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة. وإذا ذكر أحدهما، فالمراد كلاهما. ولهذا جاء في حديث عبد القيس، لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر، أو من مضر، فأوصنا، فإنا لا نأتيك إلا في شهر حرام. فقال: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع». فقال: «آمركم بالإيمان بالله»، قال: «تدرون ما الإيمان بالله؟» ثم ذكر الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. فذكر الأعمال التي ذكرها في حديث جبريل في الإسلام. فقال العلماء هنا: النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الإسلام ولم يذكر الإيمان، لكنه قال: «أتدرون ما الإيمان؟» وذكر أركان الإسلام. وهذا يدل على أن الإيمان إذا أفرد دخل معه الإسلام، وإذا أفرد الإسلام دخل معه الإيمان. إذا افترقا: فالإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة. فالإيمان لا يصح إلا بالإسلام، فإن العبد إن كان مؤمنًا وهو لم يشهد الشهادتين، لم يشهد التوحيد، ولم يقم بالأعمال، فهو ليس بمؤمن، وهو أيضًا ليس بمسلم، خرج من الإسلام. ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فخلاصة ما يذكر في هذه المسألة، وإلا لها فروع، لكن خلاصتها عند أكثر أهل السنة: لأن بعض أهل السنة يقولون أن الإيمان والإسلام واحد، إذا انتفى الإيمان انتفى الإسلام، وإذا انتفى الإسلام انتفى الإيمان. لكن الصحيح أنهما متغايران، لكن إذا اجتمعا تغاير معناهما، لكن إذا تفرقا: فذُكر الإسلام ودخل فيه الإيمان، وإذا ذُكر الإيمان دخل فيه الإسلام. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الآية. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. شكرًا