الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 457

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 457

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 457، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سلمة بن سلامة وبيعة العقبة

يتحدث هذا الفصل عن سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري الأوسي وبيعة العقبة. كان سلمة صحابياً من بني عبد الأشهل وروى أحداثاً من السيرة النبوية.

أقوال العلماء في ابن إسحاق وتحالف الأنصار مع اليهود

يتناول هذا الفصل أقوال العلماء في ابن إسحاق وروايته للحديث، كما يتطرق لتحالفات الأنصار مع اليهود في المدينة وقصة يهودي يحدث قوماً من بني عبد الأشهل عن البعث والقيامة.

معرفة اليهود للنبي ورد فعلهم تجاه بعثته

يتناول هذا الفصل معرفة اليهود بصفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآمن به الأنصار بينما كفر به اليهود، مما يدل على خبث اليهود وطيبة قلوب الأنصار.

فضل الصحابة واختيار الله لهم لصحبة نبيه

يبرز هذا الفصل اختيار الله تعالى لنبيه وصحابته من المهاجرين والأنصار لفضلهم ونقاء قلوبهم، ويحث على تقدير حقهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: روى سلمة بن سلامة رضي الله عنه، وسلمة بن سلامة هو ابن وقش الأشهلي الأوسي الأنصاري من بني عبد الأشهل. وبنو عبد الأشهل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خير دور الأنصار». من يعرف سيد بني عبد الأشهل؟ سيدهم، ومقدمهم، تعرفون سيد بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد بني عبد الأشهل. كذلك أيضا سيد بن حضير، سيد بن حضير أيضا هو يعتبر من مقدمي من له مكانة في بني عبد الأشهل، يعتبر الرجل الثاني بعد سعد بن معاذ. قال رحمه الله: فسلم بن سلام - كما قلنا - من بني عبد الأشهل، فأسلم قديما، أول ما جاء النبي عليه الصلاة والسلام. بل إن ابن سحاق والواقدي ذكر أنه حضر العقبة الثانية، وبعضهم يقول: إنه أيضا حضر العقبة الأولى والثانية، بيعة العقبة التي حصلت في موسم في منى، حضرها سلمة بن سلامة، وكذلك الثانية التي اجتمع فيها اثنان وسبعون من الأنصار ومعهم امرأتان، ثم أرسل معهم النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير يعلمهم. وكان مصعب جالسا في بني عبد الأشهل عند أسعد بن زرارة - أبو أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه - وهو ابن خالة سعد بن معاذ، والقصة في الشورى في السيرة، وهي بسناد صحيح: عندما أسلم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب بن عمير، ثم أسلم جميع بني عبد الأشهل إلا رجلا واحدا تأخر إسلامه. قال رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب - والمراد يعقوب هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري - قال: حدثنا أبي، وابن إبراهيم - مسعد - وهو أوثق من روى السيرة عن ابن إسحاق. وابن إبراهيم - مسعد - من أهل المدينة، قال: عن ابن إسحاق - وهو محمد بن إسحاق بن يسار، وهو موسوعة في العلم خاصة في السيرة، وهو إمام أهل السيرة، وأيضا عنده علم عظيم بالأنساب - قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أخيه إبراهيم بن سعد - أقصد أخا سعد بن إبراهيم، والد إبراهيم هذا - معنى يعتبر عمه، عم إبراهيم بن سعد، قال: عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل - أي منهم - محمود بن لبيد يعتبر صحابيا صغيرا، قال: عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أصحاب بدر - «أنا حضرت بدر» كما ذكره ابن سحاق. والظاهر أن هذه العبارة أيضا من ابن سحاق. وابن سحاق معروف في التصرف في الأحاديث، معنى يدخل بعض الكلمات، بل يغير أحيانا حتى صيغة الكلام - أقصد صيغة أو ألفاظ الكلام - لكن غالبا المعنى يكون واحدا. حتى قال أبو بكر البرديجي - الإمام أبو بكر البرديجي - وقال بردعي: «إن بن إسحاق يروي حديث الزهري فيمضغه بمنطقه حتى يخيل للشخص أو حتى يرى الشخص أنه حديث آخر» - يعني يغير ألفاظ الكلام ويسوقه سياقة سياقة القصص والسيرة - لأن ابن إسحاق صاحب قصص، صاحب سيرة أو أدب، فلهذا فهو يأتي بالحديث على سياقة القصص، وليس معنى أنه يغير معاني الحديث لا، وإنما فقط يسوقه سياقة القصص، والذي ينظر إليه أنه يراه حديثا آخر، ليس هذا الذي رواه أصحاب الزهري عنه، فهذا معنى كلامه. قال سلمة بن سلام بن وقش: «كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل». كان الأنصار يتحالفون مع اليهود، واليهود لما طردهم النصارى من الشام خرجوا لا يدرون إلى أين يذهبون، فذهبوا إلى اليمن ورجع، وذهب بعضهم إلى المدينة وسكنوا، وحالفوا الأنصار والقبائل، كما هو معلوم: التي سكنت المدينة هي ثلاث قبائل كبيرة، ومن ثم بعد ذلك هناك بعض اليهود متفرقين. فالقبائل التي سكنت المدينة: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع. فكان الأوس حلفاء بني قينقاع - أقصد بنو قينقاع - وأيضا بنو النضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس، قريظة حلفاء الأوس، ولهذا لم يرضوا إلا بحكم سعد بن معاذ لأنه كان حليفا لهم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ يحكم فيهم. فقال سلمة بن سلامة رضي الله عنه: «وكان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، ولما بعث النبي أو لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام كان سلمة بن سلامة قد أدرك لعله يقرب الخمسين سنة أو في الأربعين» - معنى بين الأربعين والخمسين - وعلى قول الإمام الطبري: إنه بقي إلى سنة أربعين أو خمسين، فقد يكون أقل من أربعين، لكن على القول المشهور في وفاته: إنه سنة أربعين أو ثلاثين، فهو سيكون في هذا الحدود بين الأربعين والخمسين. يقول: «قال فخرج علينا يوما - أي هذا اليهودي - من بيته قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال: سلم، وأنا يومئذ أحدث من فيه سنة - أنا كان المجلس فيه كبار القوم - قال: علي بردة متجرد فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان - أنا بنو عبد الأشهل كانوا أصحاب أوثان قبل أن يأتيهم النبي عليه الصلاة والسلام - فلهذا ذكر لهم اليهودي هذه الأشياء: البعث والقيامة والحساب والميزان، وهم لا يؤمنون بهذه الأشياء. فقال: لا يرون أن بعثا كائنا بعد الموت، فقال له: «ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم»، قال: «نعم، والذي يحلف به، لود أن له بخط أو قال: بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يحمونه ثم يدخلونه إياه - أن لو أن هناك أعظم تنور في الدنيا لود الإنسان أن يكون فيه أفضل من أن يكون في هذه النار - قال: لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدا» - يعني يتمنى لو أدخل في الدنيا في أعظم نار في أعظم تنور. قالوا له: «ويحك وما آية ذلك؟» قال: «نبي يبعث من نحو هذه البلاد» وأشار بيده نحو مكة واليمن، قال: «ومتى تراه؟» فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنة، فقال: «إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه». وهذا أيضا يعيد كلام الإمام الطبري رحمه الله: أن سلمة بن سلامة كان شابا في ذلك الوقت، معنا في الثلاثين أو دونها. قال: فقال: «يستنفذ هذا الغلام عمره ويدركه». قال سلمة: «فوالله ما ذهب الليل والنهار - هذا يقصد قبل المبعث - والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا - أي هذا اليهودي - فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى وليس به». قال: هذا حديث حسن، وهذا بغي اليهود وعدم استجابتهم للحق، وإلا هم يعلمون كما قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُونَهُ كَمَا يَعْلَمُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. وهذا أيضا نزل فيه قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. كانوا يستفتحون - أن يقولون - إن هناك نبيا سيأتي ونقاتلكم معه، هكذا كان اليهود يقولون للأنصار. ولهذا ذكر ابن سحاق: أن سبب إيمان الأنصار بالنبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الذي كان يقوله اليهود لهم، فلما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام رأوا أن هذا هو النبي الذي كان اليهود يحدثون به فآمنوا به وسبقوا اليهود في الإيمان به. فلما جاءهم كفروا به - أنا لما جاءهم النبي عليه الصلاة والسلام كفروا - هؤلاء اليهود وأنكروا إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره فآمنوا، وإلا أكثرهم كفروا بنبي الله صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنه نبي أرسله الله عز وجل. وقد ذكره الله عز وجل بصفاته في التوراة والإنجيل، لكنهم أبوا إلا الكفر بالله جل وعلا. ففي هذا الحديث ما عليه اليهود من خبث مع معرفتهم بدين الله جل وعلا، وأيضا في هذا الحديث يبين طيبة قلوب هؤلاء الأنصار، وأن الله عز وجل اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم. وربنا جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ - أن يصطفي سبحانه وتعالى - فيصطفي من عباده أنبياء ورسل، ويصطفي من عباده من الصالحين، ويصطفي من عباده من هم أتباع هؤلاء، وهذا لما يعلمه ربنا سبحانه وتعالى من قلوب عباده. فهؤلاء الأنصار كانوا خيرة الناس، وكانت قلوبهم لينة، وكانوا من أهل اليمن، فاختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونصره. كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعا فرأى قلب نبيه صلى الله عليه وسلم أبر هذه القلوب وأنظفها فاختاره لرسالته، ثم نظر ربنا جل وعلا إلى قلوب عباده فرأى أن قلوب المهاجرين والأنصار أفضل قلوبا وأنظفها فاختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم»، ثم قال ابن مسعود: «فاعرفوا لهم حقهم» - أي حق الصحابة رضي الله عنهم - طيب هذا ما يذكره الله تعالى.