الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 455

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 455

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 455، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث حذيفة بن اليمان

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم ويبين كيفية التعامل مع الأحاديث التي قد تسبب فتنة. يوضح أهمية الحذر في نقل كلام النبي خاصة ما قيل في الغضب.

غضب النبي وتعامله مع أصحابه

النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب في مواقف معينة ويتكلم بكلام شديد ليرتدع المخطئ، وكان يعامل بعض أصحابه بشدة مع حفاظه على اللين والرحمة في أكثر المواقف.

تحذير من سوء فهم كلام النبي

يشرح المقطع خطورة الدعاء على الناس بغير حق حتى ولو بقصد حسن، ويحذر من توريث البغض أو المحبة بسبب كلام قد يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين.

خلاصة وتأكيد على أهمية الأحاديث

يقدم خلاصة لما ذكر في سياق الأحاديث ويشدد على أهميتها في فهم رحمة الله يوم القيامة، مؤكدًا على الاكتفاء بهذا الشرح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي البصري، قال: أخبرنا زائدة بن قدامة الثقفي، وهو بصري، الكوفي، كان إمامًا من أئمة السنة، وحافظًا من حفاظها للكوفة. قال الإمام محمد: هو ثبت في الحديث إلا في حديث بإسناد فرواه عنه بعد الاختلاط، فهو من حفاظ أهل الكوفة. وأيضًا كان على السنة، ولا يحدث الرجل حتى يسأل عن اعتقاده. قال: أخبرنا عمر بن قيس الماصر، وهو كوفي، وليس له حديث إلا هذا الحديث، وهو ثقة. قال: عن عمر بن أبي قرة، وهو بقرة، عمر بن أبي قرة، وهو ثقة. وخضرمية، خضرمية: معنى أنه أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، لكنه لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد موته، أو آمن، لكنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام. أن بعضهم آمن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يجعلوه صحابيًا، مثل: رافع بن واسط الظاهري، حضر غزوة ذات السلاسل، وهي معركة قادها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان فيها -أي في جيشه- أبو بكر وعمر. قال: كان معي أبو بكر الصديق، معنى: كانوا في مترس واحد، في مكان واحد. ولهذا لما مات النبي عليه الصلاة والسلام وجاء هذا الرجل، وأوسط -جاء ويرى أن أبا بكر يخطب الناس- فقال: هذا صاحبي. والشاهد أنه لم يجعله العلماء من الصحابة، مع أنه أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك غزا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يره، فهو يعتبر أيضًا مخضرمًا؛ لأنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، وحضر الجاهلية، وحضر أيضًا الإسلام. قال: عن عمر بن أبي قرة، قال: كان حذيفة بالمدائن -والمدائن: هي منطقة من مناطق العراق- قال: فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب، فينطلق بعض من سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان، فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة، فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك. وهذا من الخطأ أن ينقل مثل هذه الأشياء عن العلماء، فيجعل بعضهم يجد في نفسه على بعض. قال: فأتى حذيفة سلمان، وهو في مبقلة -ظهر المبقلة هذه، وكان مثل العريش- قال: فقال: يا سلمان، ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأصحابه، ويرضى، فيقول في الرضا لأصحابه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بشر، فيرضى كما يرضى البشر، ويغضب كما يغضبون، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كلامه صلى الله عليه وسلم. قال: ثم قال سلمان لحديفة: ما تنتهي حتى تورث رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال؟ معناه: إذا ذكرت لهم ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في غضبه عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يغضب على بعض الصحابة من باب الإرشاد، ومن باب التذكير، مثل ما قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ؟ فلهذا فلا ينبغي أن ينقل للناس مثل هذا، وإن نقل، فينقل بدون تسمية، كما كان يفعل كثير من الصحابة، ينقلون الحديث، وهم يعلمون الرجل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا، فيقولون: فيكنون عليه، فيقولون: دخل الرجل، أو يقولون: دخل فلان، ولا يسمونه. قال: بل أحيانًا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يسميه، وهم لا يسمونه، مثل ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فلانًا وفلانًا لا يعرفان من ديننا شيئًا». قال الليث بن سعد: سماهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما رجلان، وهما من المنافقين. معناه: يقول الليث: أن النبي صلى الله عليه وسلم سماهما، لكن أبا هريرة هو الذي أبهمهما، لم يسمهما، فقال: «إن فلانًا وفلانًا لا يعرفان من ديننا شيئًا». فلهذا؛ لأجل أنهم مثلًا قد يكون تكلموا فيما لا يعنيهم، تكلموا في أشياء لا يعرفونها، أو في معارضة حكم، مثل ما قال للنابغة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين الذي سقط، أو التي ماتت في بطن أمه لما ضربت امرأة أخرى. فقال النابغة: يا رسول الله، كيف تدي من لا شرب، ولا أكل، ولا صاح، ولا استهل؟ فمثل هذا يغضب أنه لا تكن عليه دية، فقال: سجعًا مثل سجع الكهان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: سجعًا مثل سجع الكهان، معناه: يرد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكلام. فلهذا فكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يغضب، فيتكلم بكلام شديد، لماذا؟ لأجل أن يرتدع صاحب هذا الكلام، ويرتدع غيره، حتى لا يتجرأ غيره أن يأتي بمثل هذا الكلام. وهذا في سنته صلى الله عليه وسلم، وإلا أكثر هديه صلى الله عليه وسلم هو اللين والرحمة، لكن أحيانًا للمصلحة يغضب، ويتكلم بكلام شديد. قال: وهذا كما قلنا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مثالًا في هذا بالواقع، فقال: بعض الوسخ لا يخرج إلا بشدة الحك، وباستعمال اليدين، أو باستعمال ما ينظفه. قال: وهكذا بعض الإخوان، لو لنت له، لما أتيت له بمصلحة، لكن تشد عليه حتى ينتبه لنفسه، ولا يتكرر منه هذا الخطأ، وإلا لو لنت له لاستمر في الخطأ. فلهذا يحتاج إلى شدة. قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل بعض أصحابه، خاصة المقربين منه، يعاملهم بشدة في بعض المواقع أو المواقف التي تحتاج إلى الشدة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: إن فلانًا يتخلف في صلاة الفجر؛ لأجل إطالة فلان الصلاة. نذكر له رجلًا يتخلف عن الصلاة، لماذا؟ لأن هناك إمامًا يصلي بهم، ويطول كثيرًا عليهم. فقال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إن منكم لمنفرين»، إلى آخر كلامه صلى الله عليه وسلم. قال: وقال -كما قلنا- لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ؟ وغيرها من الأمثلة التي جاءت. فلهذا قال سلمان لحديفة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأصحابه، ويرضى، فيقول في الرضا لأصحابه. عن أن يقول لهم كلامًا، فنقل هذا الكلام يورث محبة وبغضًا، محبة لمن أثني عليه، وبغضًا لمن قد ذكر فيه شيء من الكلام. قال: لكن لو نظرت مثلًا إلى هذا الصحابي الذي قيل له فيه هذا الكلام، لوجدت له أثنى من النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب على عمر لما اختلف مع أبي بكر، وقال: «دعوا لي صاحبي»، وهو عمر رضي الله عنه، معنى: كان بمنزلة عظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: لما قال عمرو بن العاص: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عمر بعد أبي بكر، مع هذه المنزلة لعمر، إلا أنه غضب النبي صلى الله عليه وسلم على عمر لما كان يخاصم مع أبي بكر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث في الصحيحين- في حديث أبي الدرداء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «لعمر، دعوا لي صاحبي، والذي نفسي بيده، لقد جئتكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ألا تاركون لي صاحبي؟». قال: فلم يخاصم بعد ذلك أبا بكر رضي الله عنه. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يغضب في بعض المواقف، فيذكر كلامًا فيه قد يكون شيء من الشدة أو من الغضب، لكن قد تجد مثلًا في هذا الصحابي ثناء عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام. فعندما يذكر مثلًا ما قيل فيه، ولا يذكر ما أثني عليه، فقد يورث هذا شيء في نفس الإنسان على هذا الصحابي. قال: انظروا الآن إلى أهل التشيع، أهل التشيع، تجد أنهم يذكرون في بعض الصحابة المثالب، ما يذكرون ما أثنى عليه من النبي عليه الصلاة والسلام، مثلًا عمرو بن العاص، فتجد أنهم يذكرون قبائح كثيرة في هذا الصحابي الجليل، ولا يذكرون له شيء من الحسنات التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: عمرو بن العاص، أو عمر، «مؤمنان، شهد النبي صلى الله عليه وسلم له بالإيمان». وهؤلاء يتبجحون بأنه ليس بمؤمن. قال: فالقال: لم يدخل الإسلام قلبه، وينقل بعض -مثلًا سيد قطب- وغيره، يقولون شيء من كلام الشيعة في عمرو بن العاص رضي الله عنه. وهذا كله لماذا؟ لأنهم ما سمعوا إلا هذه الكلمات، ودائمًا يكررون هذه الكلمات. فلهذا إذا جئت إلى شيعي، ولو كان زيديًا، تجد مثلًا تقول له: عمرو بن العاص، ومعاوية، فتجد في قلبه نفر من هؤلاء الصحابة، بل بعضهم يكفرهما. قال: وهذا كله بسبب أنهم يسمعون الذم، ولا يسمعون الثناء، الثناء النبي عليه الصلاة والسلام عليهم. فمن هذا الباب، سلمان رضي الله عنه خاف أن يورث في قلوب أناس بغض أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأصحابه، ويرضى، فيقول في الرضا لأصحابه. أما تنتهي حتى تورث رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال، وحتى توقع استحلافًا وفرقة؟». قال: لأن هذا سيتعصب لهذا، وهذا سيتعصب لهذا، مثل ما حصل في الفتنة التي حصلت التي أثارها الشيعة في تقديم علي على عثمان. فتجد من الناس من أحب عليًا، ورأى تقديمه، وهم أهل الكوفة، ومن الناس من رأى محبة عثمان، وتقديمه، وهم أكثر أهل السنة. قال: لكن يختلف أهل السنة من الشيعة؛ أن الشيعة يبغضون، ويتكلمون، ويذمون عثمان. أما أهل السنة فيحبونهم جميعًا، يحبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن وجد في مجتمع التابعين من كان يحب عثمان، فيقدمه، حتى يقال له: عثماني، وذلك يحب عليًا، ويقال له: أنه من الشيعة. وهذا كله بحسب ما يسمعون، فيتورث هذه الأشياء، والبغض، أو المحبة بسبب ما يسمع الإنسان، فتوقع بعد ذلك الاختلاف والفرقة. قال سلمان: ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب، فقال: «أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة». والله يقول سلمان لحديفة رضي الله عنهما: والله لتنتهين، أو لأكتبن إلى عمر. قال: في هذا حديث حسن. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الكلام في أكثر من موضع. ولما قالت له السيدة عائشة رضي الله عنها: قالت: يا رسول الله، إنك لتكلم في أناس بكلام. فقال: «يا عائشة، ألم تعلمي أني اشترطت على ربي: أني ما من رجل من أمتي سببته، أو لعنته، فاجعلوا له رحمة». فاجعلوا له رحمة يوم القيامة. قال: وأيضًا جاء في الصحيح البخاري: أن أم سليم كانت عندها بنت -معنى: حفيدتها- فكانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها -أو قال لها كلمة- قال الظاهر: لتنتهي طولك، أو انتهى طولك، معنى: كأنها مثل الدعوة كذا. فجاءت هذه الصغيرة إلى أم سليم، وتمكث، فقالت أم سليم: يا رسول الله، هذه الصغيرة ماذا قلت لها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وماذا قالت؟ قالت: تقول: قلت كذا وكذا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أم سليم، ألم تعلمي أني اشترطت على ربي: أني أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة، فاجعلها له رحمة». فاجعلها له رحمة. وجاء في الرواية: فاجعله له صلاة ورحمة يوم القيامة. قال: فهذا لما يحصل -كما قلنا- من الأمر الذي يحتاج إلى الشدة في بعض المواضع، أو أنه يكون دعاء عابرًا، أن الإنسان العرب تعودوا أنهم يدعون ببعض الكلمات التي لا يقصد معناها، مثل: ثكلتك أمك. النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «ثكلتك أمك يا معاذ». وثكلتك: أي ضاعتك. لكن كما قال العلماء: أن هذه الكلمات غير مقصودة أصلا، ليس مقصودة بالدعاء، وإنما صارت مثل الكلمات التي تؤكد كلام الشخص. قال: فقالت: ثكلتك أمك يا معاذ. «وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» فلهذا فقد يأتي الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء، أو يغضب على الرجل، فيأتي له بكلام في موقف من مواقفه. فإن كان يستحق ذلك الكلام، وهو يستحقه، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يدخل عليكم رجل لعين». فد، فدخل رجل. قال: أبدل الله بن عمر. فدخل فلان، وسمي في بعض الروايات، لكن أبهمه بعض الصحابة. قال: فهذا كأنها أرادها النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضًا قول ابن عباس: قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يدخل عليكم رجل ينظر بعيني شيطان، ينظر بعيني شيطان». فدخل الرجل يتلفت. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بعض الأشياء يقولها، فمن كانت فيه، وهو فيه، وإلا فهي رحمة له يوم القيامة. قال: هذا خلاصة ما يذكر في هذا. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.