الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل حكم صوم المريض، حيث يفرق بين أنواع المرض وتأثيراته على الصوم، ويشرح آراء العلماء في جواز الفطر للمريض بحسب شدة المرض وتأثيره. يرى الجمهور أن الاحتياط هو عدم الإفطار إلا عند المرض الشديد.
يقدم هذا الفصل آراء العلماء حول حكم الصيام للمريض، حيث تختلف الآراء بين جواز الإفطار للمريض الذي يتأثر بالصيام وبين وجوب الإفطار لكل مريض بغض النظر عن تأثير الصيام عليه كما هو رأي الظاهرية.
يقدم هذا الفصل خلاصة موجزة للأحكام الفقهية المتعلقة بحالات المرض المختلفة، حيث يرخص بالفطر في بعض الحالات عند الجمهور، بينما تعتبر حالات أخرى عزيمة عند بعض العلماء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. يقول المؤلف -رحمه الله- الشيخ المحلي: قالوا اتفقوا على أن المسافر والمريض الذي يرجى برؤه يباح لهما الفطر، وإن صام صح، وإن تضرر كره الصوم. قال داود: لا يصح الصوم في السفر. قال: لو زع الفطر أفضل مطلقا. تكلمنا في هذه المسألة عن المسافر، بقي الكلام على المريض. والمريض على نوعين: مريض يرجى برؤه، ومريض لا يرجى برؤه. هذا على ما تعارف عليه الناس، وإلا فكل شيء بيد الله عز وجل وبأمره. فقد يكون الإنسان مريضا بمرض لا يرجى برؤه، ويشفيه الله عز وجل ويبرؤه، مثل السرطان أو فشل كلوي أو غيره من هذه الأمور المزمنة أو الأمراض المزمنة التي غالبا لا تنفك عن المرء إلا بموته، لكن قد يشفيه الله عز وجل من هذه الأمراض. وأيضا المرض أيضا على ثلاثة أحوال: إما أن يكون مرضا خفيفا لا يؤثر فيه الصوم، يعني إذا صام العبد لا يؤثر في مرضه، من ناحية أنه بعيد، مثلا يكون كسر عنده في يده أو ألم في سنه، فغالبا لا يتأثر هذا بالصوم، معنى لا يزيد الصوم في مرضه ولا يضره حتى مثلا يفقد شيئا من أعضائه أو يعرضه للهلاك. فهذا يعتبر مرضا خفيفا. والحالة الثانية أن يكون هذا المرض يؤثر فيه الصيام، إما أنه يزيد في هذا المرض أو يساعد على بقائه أو كذلك قد يتضرر أكثر. والحالة الثالثة من المرض أن يكون هذا المرض يؤديه إلى الهلاك محققا، أنا لو صام أقصد لو صام ممكن يهلك ويموت، لأنه مثلا قد يحتاج للطعام أو قد يحتاج للماء، مثل بعض الحالات كالفشل الكلوي يحتاج إلى ماء، لو لو بقى بدون ماء فترة من الزمن قد يهلك، أو مثلا عنده مرض يحتاج إلى العلاج، لو لم يستخدم العلاج ممكن أنه يموت. وكل شيء بإذن الله، لكن هذه أمور لها أسباب جعلها الله عز وجل. فعند جمهور العلماء أكثر أهل العلم يقولون أن من كان في الحالة الثانية والثالثة فهنا يجوز له الفطر، يترخص بالفطر، أن الرخصة تكون له أن يفطر. والله عز وجل لم يذكر هذا القيد في المرض، وإنما قال: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. وقال: ﴿ومن كان مريضا وعلى سفر فعدة من أيام أخر﴾، فذكر المرض فقط ولم يذكر شيئا من تفاصيله. فمن أين أتى العلماء بهذا التفصيل؟ العلماء يقولون أن الشريعة لها أسباب وعلل وحكم. فهنا قصد الله عز وجل المرض بعدما ذكر فرض الصيام، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. فقال هذا يدل على أن المرض هنا ينافي الصيام، المرض هنا الذي ذكره الله عز وجل ينافي الصيام، سواء كان يزيد في ذلك المرض أو يجعله يستمر أو قد يذهب به إلى الهلاك أو يتضرر بهلاك عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه. وكل ذلك أخذ من الترخيص بالفطر. وإذا لم يكن الصيام يضر في المرض فلا عبرة به. وليس المقصود هنا هكذا قال العلماء من أخذ بارتباط ذكر الصيام ثم ذكر الرخص في المرض، وهذا يدل على أن المرض هذا الذي يؤثر فيه الصيام. أما إذا كان مرضا لا يؤثر فيه الصيام فإنه لا يترخص بالفطر. وهناك قول عند بعض السلف كمحمد بن سيرين -رحمه الله عليه- وهو قول الظاهرية، قالوا بأن كل مرض يترخص فيه. قالوا بأن كل مرض يترخص فيه. لماذا؟ قال لأن الله عز وجل ما ذكر مرضا بعينه، قال: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. فالذي يؤلمه سنه هو مريض، والذي به كسر في يده أو في رجله فهو مريض، أنه يسمى مريض وهو داخل في الآية. وهذا قول الظاهرية كما قلنا أنه أخذ بظاهر اللفظ. وجاء عن العطار أنه قال: «دخلت على محمد بن سيرين فكان به سنه يؤلمه فأفطر». قال: «أترخص أو أترخص برخصة الله». كأنه يرى أن حتى ولو كان شيئا خفيفا. وقال الإمام أبو عبد الله البخاري -رحمه الله-: «زارني أو قال مرضت مرضا خفيفا فزارني إسحاق إبراهيم ومعه أناس». فقال لي إسحاق إبراهيم: «يا أبا عبد الله كيف مرضك؟» قال: «فقلت له مرضا خفيفا بحمد الله يذهب». فقال: «أما زلت صائما؟» قال: «لا أفطرت». فقال: «كنت أخشى أن لا تترخص برخصة الله». فأنا يقول إسحاق إبراهيم وهو الفقيه الخرساني يقول لأبي عبد الله البخاري وهو من تلاميذه يقول له: خشيت أن لا تترخص برخصة الله، وظننت أنه لا بد أن يكون مرضا من الأمراض التي تكون تؤثر على الصيام. فهذا يدل على أن إسحاق إبراهيم وهذه قصة صحيحة جاءت عن البخاري -رحمه الله- وذكرها الخطيب البغدادي، أيضا هذا يدل على أن البخاري وإسحاق يرون أيضا هذا القول قول ابن سيرين. وهذا هو الظاهر من العلة، إلا كما قلنا ارتباط الآيات بعضها ببعض يدل على قول الجمهور، وهو من ناحية الأحوط. من ناحية الاحتياط أن الإنسان إذا لم يترخص بالفطر بالمرض فهو لا يأثم، فهو لا يأثم. أنا إذا استمر في صومه فلهذا فقول الجمهور أحوط من ناحية الاحتياط. أنا إذا لم يترخص بالفطر عند المرض الذي يكون مرضا خفيفا فإنه لا يأثم. وهذا ذكر بعضه العلماء في الاتفاق. والظاهر أن داود كان أيضا يخالف في هذه المسألة، أن إذا ترخص وإذا لم يترخص أفطر أو صام، فهل صيام صحيح الذي تدل عليه الجملة أنه صيام صحيح؟ مثل ما ذكرنا في السفر. وقد صام النبي -عليه الصلاة والسلام- في السفر، لكن هل صام وهو مريض؟ هل صام النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو مريض؟ هذا لم يثبت في شيء، الله أعلم. لكن ارتباط الآيات يدل عليه. وأيضا لم يأت نهي في ذلك، وإنما جاءت الرخصة. والرخصة لا تدل على تحريم الأمر، الرخصة تدل على جواز فعلها وجواز عدم فعلها. وهذا يدل على أن المريض إذا صام فصيامه صحيح، إلا في حالة واحدة ذكر بعض العلماء كالحنابلة أنه من كان مرضه مرضا خطيرا، ولو صام لمات، أنا أو كما قلنا الأمر بيد الله عز وجل، لكن هناك أسباب. أنا ذكر مثلا الأطباء له أنه لو صام قد يموت، لأجل أن الكلى مثلا تحتاج إلى ماء، أو جسمه يحتاج إلى علاج، لو لم يستخدم العلاج ممكن أنه يتفاقم هذا المرض ويكثر ويموت هذا الشخص. فلهذا في مثل هذه الحالة إذا كان الموت محققا إلا أن يشاء الله، فهنا قالوا يجب عليه أن يفطر، يجب عليه أن يفطر، ليس رخصة بل واجب عزيمة أنه يفطر. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. وقال جل وعلا: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾. وهذا الذي معناه يخبره الأطباء الموثوقون أنه لا بد أن يفطر، ولا يجلس بدون علاج، أو أنه لا بد أن يستخدم العلاج في ست ساعات مثلا، إذا لم يستخدمه فحالته ستسوء وممكن أنه يموت. فمثل هذا يجب عليه أن يفطر، يجب عليه أن يفطر. فهذا ما يذكر في مسألة المرض بالنسبة للصيام، فهو ممن رخص الله عز وجل، لكن على حسب هذا التفصيل الذي ذكرناه. فخلاصة ما يذكر على هذه الحالات الثلاث: الحالة الثانية يرخص له في الفطر عند الجمهور، والحالة الثالثة تكون عزيمة عند بعض العلماء، تكون عزيمة عند بعض العلماء، وهو القول الصحيح. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.