الدرس في كتاب الصلاة 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث النهي عن الاختصار في الصلاة موضحاً أن المراد به وضع اليد على الخاصرة أو الصلب، ويناقش أقوال العلماء في تفسيره مرجحاً أنه وضع اليد على الخاصرة من خلف. كما يبين أن علة النهي التشبه باليهود أو بأصحاب التهم، وأن ذلك ينافي الخشوع الواجب في الصلاة.
ينتقل الدرس لبيان حديث أنس في جواز تقديم العشاء على صلاة المغرب إذا حضر الطعام، مستدلاً بأحاديث النبي وآثار الصحابة على أن ذلك للندب لا للوجوب. وتكون العلة في ذلك دفع تشويش الخاطر بحضور الطعام مما يخل بخشوع المصلي في صلاته.
يفصل المقطع الحكم في حالة ضيق الوقت بحيث لو قدم العشاء لأكله لخرج وقت المغرب، مبيناً أن هذا الحال يختلف عن حالة سعة الوقت. ويضرب مثالاً بمن جاء من عمله بعد الأذان فوجد عشاءه معداً، موضحاً كيفية الموازنة بين الأكل وأداء الصلاة في وقتها.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصلي الرجل مختصراً، متفق عليه، واللفظ لمسلم. ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. قال: عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: هذا إخبار من أبي هريرة رضي الله عنه عن نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يأتِ بلفظه الذي أفاد النهي، لكن هذا له حكم الرفع. قال: لأن الصحابة رضي الله عنهم أفهم الناس باللغة، وهم يعلمون أن هذا نهي أو أمر، خلافاً لمن أبى ذلك، فبعضهم تمسك بأن يكون لا بد أن يأتي الصحابة باللفظ، وهذا كلام غير صحيح، فالصحابة رضي الله عنهم هم أعرف بلغة العرب، وأعرف متى يكون النهي وغير النهي. قال: أن يصلي الرجل، ومثله المرأة، مختصراً: بضم الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثناة الفوقية، فصاد مهملة مكسورة، فراء، وهو منتصب على الحال، أن يكون حاله مختصراً، وعامله يصلي، وصاحبها الرجل. متفق عليه، واللفظ لمسلم. قال: وفسره المصنف أيضاً بقوله: ومعناه أن يجعل يده اليمنى أو اليسرى على خاصرته، كذلك؛ أي الخاصرة اليمنى أو اليسرى، أو هما معاً عليهما. إلا أن تفسيره بما ذكر يعارضه ما في القاموس من قوله: وفي الحديث: «المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور»، المختصرون، قال: أي المصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم. وتجد في بعض قواميس اللغة أحاديث ليست موجودة في كتب السنة، حيث يأتون بأحاديث قد يكون يأتون بها باللفظ، أقصد: بالتوهم أنها واردة، يعني قد يكون يعلق أحياناً في ذهن أحدهم مثل هذا الحديث، أو قد يكون كلاما لأحد فظنه حديثاً، فلذلك تجد أحاديث غير موجودة في الكتب، أو أنها حديث لكنها غير صحيحة. قال: إلا أني لم أجد الحديث مخرجاً، فإن صح، فَالجمع بينه وبين حديث الكتاب: أن يتوجه النهي لمن فعل ذلك بغير تعب، كما يفيد قوله في تفسيره: فإذا تعبوا، إلا أنه يخالف تفسير النهاية، فإنه قال: أراد أنهم يأتون ومعهم أعمال صالحة يتكئون عليها. وفي القاموس: الخاصر: الشاكلة، وما بين الحرقفة والقصيراء. فسر الحرقفة بعظم الحِجْباء، رأس الورك. الحرقفة: معنى رأس الورك، الورك معروف، رأسه في الجانب. وهذا التفسير الذي ذكره المصنف عليه الأكثر. وقيل: الاختصار في الصلاة: هو أن يأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها. وقيل: أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، هذا التفسير جاهد في الاختصار. وقال: وقيل: أن يحذف من الصلاة، فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها. والحكمة في النهي عنه: والصحيح أن المراد بها هو وضع اليد على الخاصرة. وقال الخطابي: أنه يضع يده على خاصرته اليمنى واليسرى، مثل أصحاب التهم، يعني يضعها هكذا. قال: مثل أصحاب التهم، معناه: أصحاب الشقاوة، وكذا يضعون أيديهم هنا لأجل مثلاً أن يضاربوا أو يفعلوا. فقال: هذا معناه المراد هكذا. لكن الحديث جاء: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختصار، فهو أن يضع يده على خاصرته، سواء كان في الطرف. الخاصرة هي مكان الحق، مكان الذي يثبت فيه الإزار، سُميت خاصرة. لكن هل المقصود به الخاصرة كلها، أم أنه مقصود به شيء معين؟ في حديث عبد الله بن عمر: وضع يده على صلبه، الصلب الخلفي، فقال: هذا الصلب الذي كان ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أن وضع اليد فيه. وهذا يدل على أن المقصود ليس وضع اليد على الخاصرة كلها، وإنما على مكان معلوم، وهو مكان الصلب، فهو خلف، معناه: لا يضع يده هكذا في خلفه وهو في الصلاة. وهنا سيذكر أيضاً التعليل. قاله في البخاري عن عائشة: أن ذلك فعل اليهود في صلاتهم. وفي البخاري عن عائشة: أن ذلك، أي الاختصار في الصلاة، فعل اليهود في صلاتهم. قالوا: قد نُهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم. لكن أي شيء هذا هو الاختصار؟ كما قلنا: ممكن أنه يفسر بما ذكر عن ابن عمر أنه الصلب، يعني يضع يده كما قلنا في الخلف، في الخلف، أو على ما قال الخطابي: أنه يضع يده في طرفي الخاصرة. قال: فهذا وجه حكمة النهي، لا ما قيل: فإنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أهبط من الجنة كذلك، أو أنه فعل المتكبرين، لأن هذه علل تخمينية. وما ورد منصوصاً عن الصحابي هو العمدة، لأنه أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أنه مرفوع. وما ورد في الصحابي مقدم على غيره. واحتمل أنه مرفوع، أي: هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها تلقت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وما ورد في الصحيح مقدم على غيره، لو ورد هذه الأشياء، أثراء هذا الحديث في الصحيح، صحيح البخاري. قال: في ذكر المصنف للحديث في باب الخشوع ما يشعر بأن العلة في النهي عن الاختصار أنه ينافي الخشوع. والمؤلف رحمه الله أشار في هذا الحديث إلى أن كل ما يشغل الجوارح في الصلاة فهو يعتبر من ترك الخشوع، إذ يجعل الجوارح تتحرك، سواء كان العينين، أو التفات الوجه، أو النظر إلى السماء، أو كذلك تحريك الأيدي ووضعها في الخاصرة وغيره، فكل ما كان مثل هذا فإنه لا يساعد على الخشوع، ويدل على أن الشخص ليس بخاشع إذا كان يفعل مثل هذه الأفعال، فلذلك ذكره هنا في باب الخشوع. قالوا: عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا قُدِّم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب»، متفق عليه. هنا ذكر مسألة أخرى، وهي مسألة أيضاً داخلة في الخشوع: أن الإنسان لا يأتي الصلاة وهناك شيء يشغله عن الصلاة، ومن ذلك تقديم العشاء. إذا قدم العشاء أمامه، وهو لم يصلي بعد، فأولاً يبدأ بالعشاء، لأنه لو قام وهو يحتاج إلى العشاء، لكانت نفسه تريد العشاء، فيشغل عن صلاته. قالوا: عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا قدم العشاء». ممدود: كسماء. طعام العشي، كما في القاموس: العشاء هو طعام العشي أصلاً. والعشي: متى العشي؟ هو العصر، بمعنى الظهر والعصر. وغالباً العشي يطلق على بعد صلاة العصر. ﴿عَشِيّاً وَإِذْ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 18]، معنى: بعد صلاة العصر، أو مع صلاة في وقتها إلى آخر المغرب، هذا يسمى عشياً. فالعصر: أن الناس كانوا يأكلون عشاءهم قبل المغرب، ولهذا قال: «إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب». فدل على أنهم كانوا يتعشون قبل صلاة المغرب. وهذا هو الأصل أيضاً. كان شيخنا مقبل رحمه الله كان يفعل هذا النظام: كان العشاء قبل صلاة المغرب، يتعشون قبل صلاة المغرب، ثم نذهب إلى المغرب، إلى صلاة المغرب، وبعد ذلك درس، ومشى في هذا إلى معنى: مشى النظام هذا الظاهر، إلى آخر ما كان في المركز، لأنه كان يتعشون قبل المغرب، وهذا أفضل. ومن باب حتى الصحة: يقولون أن هذا أفضل، أن الإنسان ينام وهو خفيف البطن. قال: فابدؤوا به، أي بأكله، قبل أن تصلوا المغرب، متفق عليه. وقد ورد بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد: فيحمل المطلق على المقيد. وورد بلفظ: «إذا وضع العشاء»، وحديثكم صائب، فلا يقيد به، لما عرف في الأصول من أن ذكر حكم الخاص الموافق لا يقتضي تقييداً ولا تخصيصاً. وهذا أيضاً عذر: أن الإنسان إذا كان صائماً وقرب إليه إفطاره، فإن له أن يأكل ثم يقوم ويصلي. وهذا عذر من الشرع، معنا: لا يلزم مثلاً أن يقوم بسرعة إذا أقيمت الصلاة، يأكل ما بدا له، معنا: حتى يقيم حاجته أو يفي بحاجته من هذا الطعام. وإن شاء مثلاً أكل ما يقوم به بناء نفسه، مثلاً أكل تمراً وماء، مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام يصلي، فله ذلك. وإن جلس وأكل ما قدم له من الطعام، فلا بأس أيضاً بذلك، حتى لو تأخر عن الصلاة، وعنده عذر. قال: الحديث دال على إيجاب تقديم أكل العشاء إذا حضر على صلاة المغرب. والأصل كما قلنا: أنه جاء أيضاً مطلق الصلاة، وهنا قيده بالمغرب، والصحيح أن المراد الصلاة كلها، لحديث عائشة أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». فدل على أن المراد به الصلاة، وليس المقصود به صلاة المغرب، وإنما ذكر صلاة المغرب لأن العادة عندهم أنهم كانوا يتعشون قبل أن تغرب الشمس. وقالت الظاهرية: بل يجب تقديم أكل العشاء، فلو قدّم الصلاة لبطلت، عملاً بظاهر الأمر. لكن هذا ليس صحيحاً، فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما أقيمت الصلاة ترك الطعام وقام إلى الصلاة، فدل على أن الأمر هنا للندب، ليس أمر وجوب، لأنه قد جاء الصارف. وحمله بعض العلماء: أن هذا الصارف إنما المراد به من لم يكن يشتهي الطعام، من لم يكن يشتهي الطعام. لكن الحديث الذي جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك السكين واللحم والخبز، صلى ثم رجع، وجاء بما رجع يأكل، رجع يأكل، دل على أنه كان محتاجاً إلى هذا الطعام، فلذلك فالصحيح: أن مسألة الطعام لا يجب أنه يأكل، إن أكل فهو رخصة، إن أكل فهو رخصة، ولو تأخر عن الصلاة. وإن ترك هذا الطعام فهو أيضاً لا بأس بذلك. ثم الحديث ظاهر في أنه يقدم العشاء مطلقاً، سواء كان محتاجاً إلى الطعام أو لا. وليس المراد: أو لا هنا، أنه يأكل وهو شبعان، لا، معنى: ما يريد الطعام، يقول: لأنه قدم سأجلس وآكل، لا، ليس هذا صحيحاً. وإنما المراد: أنه ليس بحاجة بتلك الحاجة الشديدة إلى الطعام، هو يريد طعاماً، لكن ممكن أنه يستغني عنه لعدم حاجته الشديدة للطعام، لعل المؤلف أراد هذا. أما من يأكل وهو لا يريد أن يأكل أصلاً وشبعان، فهذا ليس صحيحاً. قال: وسواء خشي فساد الطعام أو لا، وسواء كان خفيفاً أو لا. سواء كان خشي فساد الطعام، يقول: آكل لأجل فساد الطعام، لا، ليس هذا عذر، ليس هذا المراد. سواء كان خشي فساد أو لم يخشى، على أن ممكن أن الطعام يبقى، فيذهب ويصلي، ويأتي والطعام نفسه. قالوا: في معنى الحديث تفاصيل أخر بغير دليل، بل تتبعوا علة الأمر بتقديم الطعام، فقالوا: هو تشويش الخاطر بحضور الطعام، وهو يفضي إلى ترك الخشوع في الصلاة، وهي علة ليس عليها دليل إلا ما يفهم من كلام بعض. بشرى عن أبي هريرة وابن عباس: أنهما كانا يأكلان طعاماً، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة، فقال له ابن عباس: لا تعجل، لا تقم، في أنفسنا منه شيء. وفي رواية: لئلا يعرض لنا في صلاتنا. وله عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال: العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة. ففي هذه الآثار إشارة إلى التعليل بما ذكر. معناه: يقول الإمام الصنعاني: أن التعليل لم يأتِ في النصوص، لم يأتِ في النصوص، لكن يدل عليه، يدل على ذلك. وأيضاً كما قلنا: حديث عائشة في مسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان»، معناه: أنه جمع بين هذين لأنهما يشغلان عن الصلاة. فاستنباط العلة موجود، وهي ظاهرة. لكن هل هذا يسمى من العلة الخفية أو من العلة الجلية؟ فيه خلاف بين أهل الأصول، خاصة إذا دلت الأدلة على هذه العلة، ليس هناك ما يقاوم هذه العلة. قال: ثم لهذا بنوا على أن كل ما يشغل عن الصلاة فهو داخل في هذا. قال: ثم هذا إذا كان الوقت موسعاً، واختلف إذا ضاق، بحيث لو قدم أكل العشاء خرج الوقت. الإنسان جاء من عمله بعد أذان المغرب، فدخل بيته ووجد عشاءه قد قدم، معنا: تأ