الدرس في كتاب الطهارة 22، ألقاها
يشرح الإمام عبدالغني المقدسي حديث أم قيس بنت محصن الأسدية ويبين معانيه، حيث أتى ابنها الصغير إلى النبي فبال على ثوبه. يوضح الفرق بين الغسل والنضح.
يتناول شرح حديث عائشة في نضح بول الصبي على ثوب النبي، وآراء العلماء في حكم بول الغلام والجارية، مع اختلافهم حول نجاسة بول الغلام.
يتناول اختلاف أهل العلم في حكم تطهير بول الجارية والغلام، مع ذكر آراء السلف والصحيح من الأقوال في هذه المسألة.
يبرز أهمية اعتبار الفروق بين بول الذكر وبول الأنثى، مع ذكر معاني مؤثرة في هذا السياق، ويختم بذكر أدعية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: وعن أم قيس بنت محصن الأسدية أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدع بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله. طيب قولها رحمه الله تعالى: أو في الحديث عن أم قيس بنت محصن الأسدية رضي الله عنها وأرضاها، هي أخت عكاشة بن محصن. وقولها: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره. طيب قولها: لم يأكل الطعام، ما هو ضابط الصغير الذي لم يأكل الطعام؟ ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى في هذا ضابطا، فقالوا: المراد بالطعام المراد بالطعام ما عدى اللبن الذي يرتضعه، وما عدى اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يحصل له الاقتداء بغير اللبن على الاستقلال. هذا معنى قولها رضي الله عنها وأرضاها: لم يأكل الطعام، أي أنه يشرب اللبن، لا بد أن يكون يشرب اللبن، وأيضا حنك بتمرة، وأحيانا إذا احتاج إلى لعق عسل أيضا، ما يقال أنه يأكل الطعام. متى يقال أنه يأكل الطعام؟ إذا استقل بالأكل، بأكل ماذا؟ الطعام، أي استغنى بالطعام عن الشراب، عن شرب ماذا؟ الحليب واللبن. أما إذا كان لا يتغذى إلا باللبن، فهذا يقال له أنه ماذا؟ لم يأكل الطعام، أي ما زال رضيعا، ما زال رضيعا يرضع. طيب قولها: فأجلسه في حجره، الحجر معروف، فبال على ثوبه، فدع بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله. طيب المراد بالنضح: النضح هو أن الشيء الذي أصابه البول يغمر ويكاثر بالماء، يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره. طيب وهذا يبين لنا الفرق بين الغسل وبين النضح، الغسل لابد من ماذا؟ من سيلان الماء، لابد من سيلان الماء، بخلاف النضح لا يفصل ذلك. هذا معنى ما ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى. طيب قوله رحمه الله تعالى: قوله في الحديث فبال على ثوبه فدعى بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله، فنضحه على ثوبه ولم يغسله، قولها رضي الله عنها وأرضاها: فنضحه على ثوبه ولم يغسله، هذه العبارة وقع فيها إشكال العلماء رحمه الله تعالى، من المراد بأنه نضحه ولم يغسله؟ لأن بعضهم يجعل النضح كمرة، بمعنى ماذا؟ بمعنى الغسل، يجعل النضح بمعنى الغسل، فقولها رضي الله عنها وأرضاها: نضحته أو نضحه ولم يغسله من المشكلات، فدل على أن النضح غير الغسل. طيب نأخذ أيضا حديث عائشة، ثم نتكلم على مسائله لأنه مجد لفس المعنى. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي فبال على ثوبه، فدعى بماء فأتبعه إياه. ولمسلم: فأتبعه بوله ولم يغسله. وهذا فيه أيضا معنى النضح، النضح من أنهم أتبعوا بوله الماء، صب عليه ماء ولم يغسل الثوب. لأن بعضهم كما سمعتم قالوا: يشترط في الغسل أن ماذا؟ أن يتساقط الماء. وبعضهم قالوا: يشترط فيه العصر، يشترط فيه أيضا ماذا؟ العصر، أي أن يعصر الثوب. طيب وها هنا ذكرت مسائل، ذكرت مسائل، من هذه المسائل حكم بول الغلام الذي لم يطعم، فيه خلاف، الجمهور على أنه نجس، ورواية عن مالك وأحمد والحسن أنه ليس بنجس. الجمهور استدلوا بأحاديث الباب، قالوا: ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتبعهم الماء، وفي رواية: نضح عليه الماء، قالوا: ففيه دلالة على أنه نجس، إذ لو لم يكن نجسا لما احتاج إلى هذا. واستدل أصحاب القول الثاني أيضا بنفس الحديث، قالوا: ليس بنجس، إذ لو كان نجسا لاحتاج إلى غسله كسائر النجاسات. والصحيح القول الأول، من أن بول الصبي نجس، ولكن نجاسته مخففة، لذا اكتفي فيها بالنضح دون الغسل. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك أسباب سيأتي ذكرها بعد. المسألة الثانية: حكم بول الجارية، والمراد بها البنت الصغيرة، وأيضا ها هنا التي لم تطعم، أيضا فيه قولان، الأول أنه نجس، وهو قول عامة أهل العلم. والقول الثاني: رواية عن مالك أيضا يقول فيها إن بولها ليس بنجس. والصحيح الأول أيضا. والأدلة في الباب المذكورة، وأضف إلى هذا حديث أبي السمح عند أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية». وهذا نص فدل على أن بولها نجس. طيب مسألة ثالثة: حكم تطهير بول الجارية والغلام، وبماذا يطهر؟ وكيفية التطهير، فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب جماعة من السلف كعلي بن أبي طالب وأم سلمة، وهو قول الأوزاعي وأحمد والشافعي: أنه ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية. والقول الثاني: قول أبي حنيفة ومالك المشهور عنهما، والثوري: لابد من الغسل لهما، أي الصبي والصبية، أي غسل لجميع. القول الثالث: قول النخعي، ورواية عن الأوزاعي: أنهما يشتركان في النضح. والصحيح القول الأول لحديث أبي السمح المتقدم: «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية». طيب قال علام بن القيم رحمه الله تعالى: والفرق بين الصبي والصبية أي في التطهير من ثلاثة أوجه، أي لماذا الشرع لماذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية»؟ ذكر أبي القيم رحمه الله تعالى هنا ثلاثة أمور لذلك. أحدها: كثرت حمل الرجال والنساء للذكر، فتعموا البلوى ببوله، فيشق عليهم غسله. الغالب في الرجال والنساء إذا كان عندهم ذكر تجدهم معهم صغير، ولد ذكر يكونوا معهم. الثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بول الذكر لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقا ها هنا وها هنا. الرجل أو الطفل الصغير إذا بال يتحرك بوله، بخلاف الأنثى، قال: ها هنا وها هنا، فشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى، الأنثى الغالب فيها أن بولها ينزل في مكان واحد إذا بالت. الثالث: أن بول الأنثى أخبث من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى. قال رحمه الله: فالحرارة تخفف منتني البول، وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة. قال: وهذه معاني مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق بين بول الذكر وبول الأنثى. والله أعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.