الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تكرار زيارة قبره، وهذا التحذير يشمل قبره وقبور غيره. يُستدل على ذلك من حديث علي بن الحسين الذي أنكر على رجل يزور قبر النبي بشكل متكرر.
شجع النبي على أداء النوافل وقراءة القرآن في البيوت، وحذر من جعلها مثل القبور الخالية من العبادة. كما أخبر أن الصلاة والسلام عليه تبلغه من أي مكان.
يوم الجمعة يوم مبارك حث النبي على الإكثار من الصلاة عليه فيه. وأخبر أن صلاة الأمة عليه تعرض عليه ولا تأكل الأرض أجساد الأنبياء.
الصلاة على النبي تبلغ له في قبره بسبب تحريم الله على الأرض أكل أجساد الأنبياء ووجود ملائكة مكلفين بتبليغ النبي السلام من أمته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق، قاضي المالكي، رحمه الله، في كتابه "فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم": قال الحديث العشرون: حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عما أخبره من أهل بلده، عن علي بن حسين بن علي، أن رجلا كان يأتي كل غداة -يعني في الصباح- فيزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه، علي بن الحسين اشتهره أو انتهره، لعله انتهره عليه، علي بن الحسين، يعني أنكر عليه هذا الفعل. قال: فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم. يعني قال: ما السبب الذي يجعلك تفعل هذا، تأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتصنع ذلك؟ فقال: أحب التسليم على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟ قال: نعم. قال له علي بن حسين: أخبرني أبي عن جدي -أبوه الحسين بن علي، وجده علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم- قال: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي وسلموا حيث ما كنتم، فسيبلغني سلامكم وصلاتكم». هذا الحديث صحيح بطرقه وشواهده. ففي هذا الأثر، كما سمعنا، أنكر علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، على هذا الرجل الذي كان يأتي قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيقصد ذلك، ويتكرر منه ذلك، ويريد من ذلك الأجر والثواب، والحرص على أن يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام. فحدثه علي بن الحسين بهذا الحديث الذي فيه إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على مثل هذا الفعل. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا قبري عيدا»، يعني: تعتادون المجيء إليه بين الحين والآخر. وأصل العيد: ما يعتاد مجيئه وتكرره، سواء كان ذلك أسبوعيا أو شهريا أو سنويا. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجعل قبره عيدا، أن يعتاد الناس الإتيان إليه وتكرار المجيء إلى قبره عليه الصلاة والسلام. فإذا كان مثل هذا لا يجوز في قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو خير الخلق وأفضل الرسل عليه الصلاة والسلام، فقبر غيره من باب أولى أنه لا يجوز أن يتخذ عيدا، وأن يجعل عيدا. فما يفعله بعض الناس من فعل بعض الزيارات، زيارات للقبور، بعضها ربما أسبوعية، وبعضها ربما شهرية، وبعضها ربما سنوية، يُعلم من هذا أن هذا الفعل خطأ ومخالف لدين الله جل وعلا، ولهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقد نهى عليه الصلاة والسلام أن يجعل قبره عيدا، فقبر غيره -كما سمعتم- من باب أولى أنه لا يجوز أن يتخذ عيدا. فلو زار الإنسان قبر أحد من الناس كل سنة، مثلا، يزور القبر الفلاني، يقال: هذه الزيارة للقبر الفلاني، أو للولي الفلاني، أو للميت الفلاني، أو على سبيل الشهر، كل شهر مثلا، أو كل أسبوع، هذا الفعل صار فيه اتخاذ هذا القبر عيدا، وهذا عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تجعلوا قبري عيدا». «ولا تجعلوا بيوتكم قبورا»، وذلك بأن تترك فيها الصلاة وقراءة القرآن، لأن المقبرة ليست محلا للعبادة، ليست محلا للعبادة والطاعة، فلا يصلى فيها شيء من الفرائض أو النوافل، ولا يقرأ فيها شيء من القرآن. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم الفريضة، فليجعل في بيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته خيرا» -يعني من نوافل- وقال: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» -أي إلا الفريضة-. فالمستحب الإكثار من نوافل الصلاة في البيت، حتى يحيى البيت بذكر الله جل وعلا. وكذلك أيضا قراءة القرآن، نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تجعل البيوت كالمقابر: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، رواه البخاري عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا»، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، في هذا إشارة إلى أن القبور ما يقرأ فيها القرآن، ليست هي موضع لتلاوة القرآن ولذكر الله جل وعلا بذلك. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تشبه البيوت بالمقابر إذا خلت من الصلاة والذكر وقراءة القرآن. قال: «وَصَلُّوا عَلَيَّ وَسَلِّمُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَسَيَبْلُغُنِي سَلَامُكُمْ وَصَلَاتُكُمْ»، يعني: في أي موضع صليتم عليه وسلمتم عليه، تقول: اللهم صل وسلم على نبيك محمد، في أي مكان، فسيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا ذكر علي بن الحسين هذا الحديث لهذا الرجل، كأنه يقول له: لا داعي أن تأتي وتتعب نفسك حتى تحرص على الحضور إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، إذا أردت أن تصلي وتسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، صلي عليه وأنت في محلك، وفي موضعك، وسيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا جاء في أثر آخر: أنه قال: «ما أنت ومن في الأندلس إلا سواء»، لا فرق بين من يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام عند قبره، ومن يسلم عليه في بلده، وإن كان بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام مسافات طويلة، فإن الله عز وجل يبلغ نبيه عليه الصلاة والسلام سلام أمته عليه. فإذا ما تداعي أنك تحرص على الحضور والذهاب إلى قبره عليه الصلاة والسلام، فهكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أننا نصلي عليه في أي موضع، وفي أي وقت، وأن ذلك يبلغه عليه الصلاة والسلام، ولا ينبغي لنا أن نتخذ قبره عيدا عليه الصلاة والسلام. وذلك أن الله عز وجل له ملائكة تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم سلام أمته عليه. لها ذكر المصنف رحمه الله بعد هذا الحديث، في الحديث الحادي والعشرين. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام». إن لله في الأرض ملائكة سياحين -سياحين يعني يسيحون ويسيرون في الأرض، هم غير الملائكة الحفظة- يبلغوني من أمتي السلام، أي: من سلم على النبي عليه الصلاة والسلام، بلغته هؤلاء الملائكة سلام من سلم عليه من أمته. فلذلك يحرص المسلم أن يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يصلي عليه، ويعلم أن ذلك يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعيدا عن قبره عليه الصلاة والسلام. قال في الحديث الثاني والعشرين: وحدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يقولون: قد بريت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وهذا الحديث صحيح، وقد أخرجه أبو داود، وابن ماجة، وكذلك ابن حبان في صحيحه، وله شواهد من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة. قال الحديث الثالث والعشرون: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن -أي ابن أبي الحسن البصري- يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس» -أي جبريل عليه السلام-. وهذا الحديث مرسل صحيح. والحديث في الشواهد. في هذا الحديث حديث أوس بن أوس، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأيام من أيام أهل الإسلام يوم الجمعة، فيه خلق آدم -أي خلقه الله عز وجل في يوم الجمعة- وفيه قبض -أي توفي آدم عليه السلام- وجاء في بعض الروايات: فيه أدخل الجنة وأخرج منها. قال: وفيه النفخة، وفيه الصعقة -أي نفخة البعث ونفخة الصعق-. ثم حث النبي عليه الصلاة والسلام على الإكثار من الصلاة عليه، فقال: «فأكثروا علي من الصلاة» -يعني في يوم الجمعة وليلة الجمعة- «فإن صلاتكم معروضة علي» -أي تعرض علي صلاتكم إذا صليتم علي- قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعني أصبحت رميماً، قد أكلتك الأرض وبلي الجسد- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فالأنبياء لا تأكلهم الأرض، فهم باقون على حالهم الذي خلقهم الله سبحانه وتعالى عليه. وهذا من كرامة الله سبحانه وتعالى لهم، أن أكرمهم بذلك، بخلاف غيرهم من أهل الإسلام ومن بني آدم، فإن الأرض تأكل الأجساد، وربما أكرم بعض أهل الإيمان بسبب صلاحهم أو بسبب موتهم في سبيل الله، ربما بقوا فترة من الزمن لا تأكلهم الأرض، لكن بعد ذلك لابد أن يصيبهم ما يصيبهم، ويصبحوا رميماً. فعلم من ذلك أن بلوغ صلاة من صلى عليه الصلاة والسلام، بسبب أنه ما زال في قبره، قد حرم الله عز وجل على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وجعل الله عز وجل للنبي ملائكة يبلغونه عن أمته سلام من سلم عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.