الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبين فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث يكتب الله للمصلي عليه عشر حسنات ويمحو عنه عشر سيئات ويرفع له عشر درجات. كما يُذكر أن أدنى صيغة للصلاة على النبي تحقق هذا الأجر.
يتناول حديثين نبويين يرويهما أنس وأبي بن كعب رضي الله عنهما، مشيرًا إلى أن الصلاة على النبي تكفي العبد هم الدنيا والآخرة وتغفر ذنبه. يُبين أيضًا أن تخصيص وقت للصلاة على النبي يمكن أن يحقق هذه الفوائد.
يحث على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بطرق مشروعة، ويُوضح أن ذلك يكفي العبد همومه ويغفر ذنبه. كما يشدد على أهمية اتباع هدي النبي في العبادات وتجنب البدع.
يُشير إلى أن الصلاة على النبي مشروعة في أي وقت، لكن الصلاة الجماعية بصوت واحد بعد الصلوات تُعتبر بدعة. ينبغي اتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام في العبادات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي، المتوفى سنة 282 للهجرة، رحمه الله، في كتابه «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم»: حدثنا علي بن عبد الله، ومن المديني، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني موسى بن عبيدة، قال: أخبرني قيس بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عبد الرحمن بن عوف، قال: كان لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم في الليل والنهار خمسة نفر من أصحابه أو أربعة، لما ينوبه من حوائجه. يعني كانوا ملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم للقيام بخدمته. قال: فجئت فوجدته قد خرج، فتابعته، فدخل حائطا من حيطان الأسواف -حائطا أي بستان، والأسواف هو اسم لحرم المدينة، وقيل هو موضع بناحية البقيع- قال: فصلى، فسجد سجدة أطال فيها -أي النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فحزنت وبكيت، فقلت: لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض الله روحه -أي ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات- قال: فرفع رأسه، وتراءيت له -يعني تعمد أن يظهر أمام النبي عليه الصلاة والسلام حتى يراه- قال: فدعاني، فقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة أطلت فيها، فحزنت وبكيت، وقلت: لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض الله روحه. قال: هذه سجدة سجدتها شكرا لربي، فيما آتاني في أمتي: «من صلى علي صلاة كتب الله له عشر حسنات». وهذا الحديث صحيح بشواهده وطرقه، وفيه بيان ما مضى من فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من صلى عليه صلاة واحدة كتب الله له عشر حسنات. قال: وحدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي مرة واحدة كتب الله له عشر حسنات». وهذا الحديث صحيح. من صلى علي مرة واحدة -أي على النبي عليه الصلاة والسلام- وقلنا: أدنى ذلك «اللهم صلي على محمد»، هذه أدنى الصلاة، أو أدنى صيغ الصلاة، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» إلى آخره، لكن يحصل هذا الأجر بأدنى صيغة تصلي فيها على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «كتب الله له عشر حسنات بصلاة واحدة»، فإذا صليت عليه عشرا كتبت لك مئة حسنة -كتبت لك مئة حسنة- قال: وحدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الواقد العطار، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا العوام بن حوشب، قال: حدثني رجل من بني أسد، عن عبد الرحمن بن عمر، قال: «من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات». وهذا الحديث إسناده فيه ضعف، لكنه حسن بشواهده، فقد جاء مرفوعا من حديث أنس رضي الله عنه عند الإمام النسائي، كما أشار إليه العلامة الألباني رحمه الله، وفيه كذلك فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وهذه فضائل متعددة يتحصل عليها المسلم بصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي، فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا»، فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أجعل نصف دعائي لك؟ قال: إن شئت. ومعنى أجعل نصف دعائي لك -يعني بدل أن أدعو لنفسي أجعل نصف هذا الوقت للصلاة عليك- فقوله «دعائي لك» يعني الصلاة عليك، قال: إن شئت، قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: إن شئت، قال: ألا أجعل دعائي لك كل -يعني أجعل الوقت كله للصلاة عليك بدلا من أن أدعو لنفسي أصلي عليك- قال: «إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة». قال شيخ كان بمكة يقال له منيع، لسفيان، عن من أسنده، قال: لا أدري -والضمير يرجع إلى يعقوب بن زيد- يقول: عباس أسند هذا الحديث، فقال سفيان: لا أدري، لأن هذا الحديث مرسل، فيعقوب بن زيد تابعي وليس بصحابي، لكنه مرسل صحيح، مرسل صحيح، ويشهد له ما سيأتي في حديث أبي بن كعب. قال: حدثنا سعيد بن سلام العطار، قال: حدثنا سفيان -يعني الثوري- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه -يعني أبي بن كعب رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في ثلثي الليل، فيقول: «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه». ومعنى الراجفة -أي النفخة الأولى التي بها ترجف السماوات والأرض كما أخبر الله سبحانه وتعالى في قوله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض كما قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، تتبعها الرادفة -أي النفخة الثانية، أي النفخة الثانية، نفخة البعث، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وبين النفختين أربعون- قال: «جاء الموت بما فيه» -يعني من شدائد وأهوال، وكذلك انتقال العبد من هذه الدنيا إلى ذلك البرزخ، وسؤال الملكين الآخر ذلك- قال: قال أبي: يا رسول الله، إني أصلي من الليل، أفأجعل لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشطر -يعني النصف- قال: أفأجعل لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الثلثان أكثر، قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن يغفر لك ذنبك كله». وهذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء أو أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله في سننه بنحوه. فهذا الحديث فيه فضيلة من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن من أكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وآثر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بالدعاء -يعني جعل الوقت الذي يريد أن يدعو فيه لنفسه فجعله بالإكثار في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام- يتحصل له هذا الثواب وهذا الأجر، وهو قوله: «إذن يغفر لك ذنبك كله». وجاء في رواية الترمذي: «إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك»، إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك. وفي الرواية التي قبلها: «إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة»، إذن من فضائل الإكثار من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يكفي للعبد هم الدنيا والآخرة -أي يذهب عنه هموم الدنيا وكذلك هموم الآخرة- وأيضا يغفر الله عز وجل له ذنبه. والسبب في ذلك أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هي عبادة، وهي ذكر لله -هي ذكر لله- لأن الله عز وجل هو الذي أمرنا بالصلاة عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فكون العبد يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام ويكثر من ذلك هو بهذا يذكر الله، هو بهذا يذكر الله، ويكون في ذكر لله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فيها إجلال وتعظيم وتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أسباب رفع الدرجات وتكفير الخطايا والسيئات. وكذلك أن العبد يؤثر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام على الدعاء لنفسه -على الدعاء لنفسه- مما يدل على عظيم محبته لنبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك من أسباب نيل المغفرة والرحمة. فعلى كل دل هذا الحديث على فضيلة عظيمة من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أن العبد يكفى هم دنياه وآخرته، ويغفر الله جل وعلا له ذنبه، فيحرص المسلم على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ينبغي إذا صلى العبد على نبيه أن تكون الكيفية التي يصلي فيها على النبي عليه الصلاة والسلام كيفية مشروعة، ليس معنى الحث والترغيب وبيان شيء من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هو إقرار لبعض ما يفعله بعض الناس من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بصورة جماعية، سواء كان بعض الصلوات أو ما يفعل في الموالد ونحو ذلك. لا، هذا الفعل يعد من البدع والمحدثات، تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام صلي عليه وحدك ما شئت، صلي عليه وحدك ما شئت، أما أن تجتمع أنت وجماعة من الناس وتصلون على النبي عليه الصلاة والسلام هذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولا فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم أحب الناس للنبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة والمهاجرين والأنصار، والمهاجرون والأنصار مع بعض، وصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام بصوت جماعي أبدا ما فعلوا هذا. وخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام، هذه عبادة فيها أجر وثواب، ينبغي أن تعملها كما أذن الشرع وكما رغب فيها الشرع، تصلي على النبي عليه الصلاة والسلام متى ذكر، تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأنت جالس في وقت الأسحار، في أي وقت من الأوقات، أما بهذه الصورة وبهذه الكيفية التي يفعلها بعض الناس، يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفرائض بصوت جماعي، هذا يعد من البدع والمحدثات، ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.