الدرس في 09 تفسير سورة الماعون من التفسير الميسر، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع تفسير سورة الماعون وأسباب نزولها، وبيّن أسماءها المختلفة وآراء العلماء حول كونها مكية أو مدنية. كما فسّر الآيات الأولى منها وتطرق إلى معنى تكذيب الدين.
المقطع يوضح الفرق بين السلف والخلف في عباداتهم ومعاملاتهم مع الله، حيث جمع السلف بين الخوف وحسن العمل بينما جمع المتأخرون بين الرجاء وإساءة العمل. كما تطرق إلى بعض الصفات السيئة التي قد تكون من صفات أهل الكفر.
شرح المقطع صفات المصلين المرائين الذين يصلون رياء للناس وليس لله، وبيّن أن الرياء قد يبطل الأجر أو ينقصه. كما تحدث عن منع الماعون وكونه من صفات المنافقين.
المقطع يشرح صفات المكذبين بالدين مثل قسوة القلب على اليتيم وإهمال الصلاة والرياء فيها والبخل بمنع الماعون، ويحذر من تشبه المسلمين بالكفار في هذه الصفات، ويشدد على أهمية الرقة واللين في قلب المسلم تجاه إخوانه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الماعون، وسورة الماعون على تفسيرها، وهذه سورة تسمى بسورة الماعون، وهذا في أكثر المصاحف، وفي بعضها أرأيت، سورة أرأيت، وهكذا جاءت في صحيح البخاري في كلام المسعود في الماعون، ذكر أنها سورة رأيت، وتسمى أيضًا سورة الدين، تسمى سورة المكذبين، حتى ذكر سيوطي في الإتقان ستة أسماء لهذه السورة. وهذه السورة في قول أكثر العلم أنها مكية، أنها مكية قبل الهجرة، وجاء أيضًا قول أنها مدنية، أنها مدنية، هناك قول ثالث يذكر عن ابن عباس، ذكره أيضًا سيوطي في الإتقان، أنه إلى قوله جل وعلا: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ هذه مكية، وما بعدها يعتبر مدنية؛ لأنه جاء عن ابن عباس وعن غيره أنها نزلت في المنافقين الذين يتكاسلون في الصلاة، ولأن التكاسل في الصلاة لم يكن موجودًا في مكة قبل الهجرة، إنما حصل من بعض المنافقين، فلعل هذا القول هو صحيح، أن بعض آياتها مكية والبعض الآخر مدني. فقال جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾. قال المؤلف: أرأيت حال ذلك الذي يكذب بالبعث والجزاء، أنا أرأيت هنا هذا الذي يكذب بالدين هو الذي يدعى اليتيم ويدفع اليتيم بقوة، أنا إذا أردت أن تعرف من يكذب بالدين فانظر إلى الذي يقسو على اليتيم ويدفعه من على الأبواب، ولا يحض على طعام المسكين، لا يحض غيره ولا هو أيضًا كذلك، ولا هو أيضًا يطعم المسكين، وهذا يدلنا على أن هذه أعمال المكذبين ليوم الدين، أنهم يدعون اليتيم ولا يحضون ولا يحثون على طعام المسكين، فيدفعون اليتيم دفعًا بقوة؛ لأن يدع معنى يدفعه بقوة، يوم يدعون إلى نار جهنم دعًا أن يدفعون دفعًا بقوة تدفعهم الملائكة. فلهذا الذي يدع اليتيم هو الذي يدعه ويدفعه بقوة ولا يحض على طعام المسكين، هذه الصفات صفات الكافرين، ليست صفات المؤمنين. وهل معنى ذلك أن من اتصف بهذه الصفات هو كافر؟ لا، ليس كذلك، ليس المراد؛ لكن هذه الصفات صفات من يكذب بالدين، وهنا قال: يكذب بالدين أي بيوم القيامة، لماذا؟ لأن من يؤمن بيوم القيامة يفعل ذلك احتسابًا للأجر، فهو يحسن على اليتيم يحسن، سواء كان بالصلة أو أقصد بالمال بالصدقة أو كذلك بالمعاملة الحسنة، فهو يحسن على اليتيم وإن كان مثلًا كافلًا له أو ساعيًا له سعى له بخير وأصلح ماله، والله يعلم المفسد من المصلح، أي من نيته إصلاح مال اليتيم ويعلم أيضًا من نيته الإفساد وأخذ الأموال، أنا أتحايل على اليتيم حتى يأخذ ماله، والله يعلم المفسد من المصلح، ولو شاء الله لعنتكم لشق عليكم ولعاقبكم. فقال الله عز وجل: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾، فالمكذب بالدين ليس عنده رحمة لليتيم ولا أيضًا عنده بذل ماله للمسكين، لماذا؟ لأنه لا يؤمن بيوم الدين، وتجد أن القرآن دائمًا يذكر بيوم الدين ويبين أيضًا علامات هذا اليوم العظيم، وإنما ذلك لأن اليقين الذي يحصل في القلب إنما هو بما أعد الله عز وجل يوم القيامة في ذلك اليوم، فهذا الذي يتصدق يتصدق لأجل أن يجد أجره يوم القيامة، هذا الذي يصلي يصلي لأجل أن يؤجر على ذلك يوم القيامة، وكلما تيقن العبد ذلك اليوم العظيم كان أقرب إلى الله عز وجل وأخشى لله وأسكن له، وكلما نقص يقينه كان أبعد لله، أنا ابتعد عن العبادات وعن الطاعات، لكن إذا كثر يقينه زاد طاعته لله، وكذلك صدقه مع الله. ولهذا تجد الفرق بين عبادات السلف ومعاملاتهم مع ربهم وبين معاملات الخلف وأيضًا عباداتهم مع ربهم، وكما قال الحسن رحمه الله: «قال السلف: جمع بين الخوف وحسن العمل، ونحن قال: جمعنا بين الرجاء وإساءة العمل»، أنا يريد الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الخوف وحسن العمل، عمل عندهم وعندهم خوف، وأما المتأخرون فقد جمعوا بين الرجاء وإساءة العمل، وهذا واقع الآن، وهذا الفرق بين السلف والخلف إلا من اتبع السلف رحمة الله عليهم جميعًا. فلهذا فالذي يكذب بذلك اليوم هو الذي تظهر فيه هذه الصفات، لكن لو ظهرت هذه الصفات في الذي يؤمن بالله ويؤمن باليوم الآخر ولا يكذب، نقول أنها صفات سيئة، صفات سيئة هي من صفات أهل الكفر، لكن من فعلها ليس كافرًا، وهذا مما يدل على ما ذهب إليه أهل السنة وقرره أئمة الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في كتاب الصلاة أو تارك الصلاة، أن العبد يكون معه إيمان ويكون عنده شعب من شعب الكفر، وكذلك أيضًا يكون كافرًا وعنده شعب من شعب الإيمان، لكن لا يكون بذلك مؤمنًا ولا أيضًا يكون كافرًا بهذه الشعب. وهذا معنى قول الله عز وجل كما قال شيخ الإسلام في أحد القولين: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، فهذه من صفات الكفار، الحكم غير ما أنزل الله من صفات الكفار، لكن لو حصل من المؤمن فلا يكفر بذلك إلا إذا استحل ذلك أو فضله، فضله حكم غير الله عز وجل على حكم الله، أو أجازه، لو قال مثلًا القرآن مثل ما يقول بعض العلمانيين يقول: القرآن يصلح لتلك الأمة التي نزل فيها، أما هذه الأمة لا يصلح، لا يصلح إلا هذه القوانين العصرية، فهذا كفر بالله عز وجل؛ لأنه أجاز الحرام وحلل الحرام المجمع عليه. قال: ﴿فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، فقال: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الويل لمن ليس للمصلين وإنما للمصلين الذين عن صلاتهم ساهون، فلهذا فاستدل العلماء بهذا أن العموم في الأحكام لا يؤخذ به على عمومه حتى ينظر هل هناك ما يخصصه؟ فهنا مثلًا لا يجوز أن نحمل الآية على المصلين مثل ما حملها بعض الزنادقة كأبي العلاء المعري الذي ذكر في شعره أنه قال: «من شعره لم يقل الله ويل للذين سكروا وإنما قال ويل للمصلين»، هذا زندق، كلام باطل، الله عز وجل لم يقل ويل للمصلين وسكت، وإنما قال: الذين هم عن صلاتهم ساهون. وقد قال بعض السلف جاء عن ابن عباس وعن غيره أنه أو قال: الحمد لله أن الله عز وجل قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم، أن لو قال الله عز وجل: الذين هم في صلاتهم ساهون لكان أمرًا عظيمًا على الناس؛ لأنه ما من أحد إلا ويقع منه السهو في صلاتهم، فلهذا ليس المراد في صلاتهم وإنما عن صلاتهم ساهون، فيدخل في ذلك تأخير الصلاة عن وقتها، أو أنه لا يبالي بالوقت متى ما صلى صلى، دخل وقت الصلاة أو بقي الوقت فهو لا يبالي بهذا، فمتى ما تفرغ من شغل الدنيا ذكر بعد ذلك أمر الصلاة، وإن لم يتفرغ تركها، فهذا الذي لا يبالي بالصلاة الذين هم عن صلاتهم ساهون، أي لا يبالون بها ويؤخرونها وعن وقتها، ومنهم من ذكر الترك، لكن هنا ذكر أنها صلى لكن ذكر بعضهم أن من السهو عن الصلاة تركها؛ لأن السهو يأتي بمعنى الترك. قال: ﴿الذين هم يراءون﴾، أيضًا من صفاتهم هؤلاء الذين أهدهم الله عز وجل بالويل، الويل هو الهلاك، هؤلاء أيضًا يراءون في صلاتهم، إن صلوا أيضًا يراءون في صلاتهم، فهم لا يبالون بصلاتهم أولًا متى ما صلوا صلوا، يأتون آخر الوقت ينقرون الصلاة نقر الديك، لا يبالون في كيفية الصلاة ولا يبالون أيضًا بوقت الصلاة ولا يبالون أيضًا بما يجزئ في الصلاة أو لا يجزئ، المهم أنه يصلي مثل الذي يريد أن يسقط واجبًا على نفسه فقط بدون أن يتحرى، وكذلك أيضًا يراءي في صلاته، يراءي في صلاته إما أنه يصلي لأجل الناس وإما أنه يحسن الصلاة أو يحسن الصلاة إذا رأى الناس، وإذا كان وحده تجد أنه يصلي صلاة بعيدة عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، بل صلاة لا تجزئ. إذا دخل المسجد ووجد الناس في المسجد صلاة مرتبة، إذا دخل ولم يجد أحدًا أو في بيته نقرها نقرًا، فهذا أيضًا مراء وغالبًا هذه تكون صلاة المنافقين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: «يرقب الشمس حتى إذا طلعت بين قرني شيطان نقرها لا يذكر الله إلا قليلا»، فلهذا من صفاتهم أنهم يراءون، أي يصلون رياء كما قلنا، إما المراد بها الصلاة كلها إذا رأوا الناس صلوا وإذا لم يروهم تركوا الصلاة، أو تجد بعض الناس يصلي فقط في وقت المناسبات أو الجمع أو كذا، أما الصلوات الأخرى يتركها إلا إذا كان معه معاون صلى معه، فهذا غالبًا صلاة رياء، وهذا رياء المنافقين، هذا رياء المنافقين يصلون لأجل الناس. وأما الرياء الذي يحصل لأهل الإيمان في صلاتهم، للمسلمين في صلاتهم، هذا الرياء وإن كان غالبًا يبطل العبادة إذا كان من أصلها، وإن كان طرأ عليها الغالب أنه لا يبطلها، لكن قد ينقص الأجر، ومعنى ذلك مثلًا إذا صلى الإنسان لله عز وجل وطرأ عليه هذا الرياء، أنا رأى مدرسًا له رأى شخصًا فقاموا أحسن الصلاة، فقال: حتى يقول فلان أني أصلي صلاة صحيحة، أنا في نفسه، فهذا الرياء طرأ عليه مع أن أصله صلاة صحيحة، الصلاة صلاها لله، أو قد تكون من أصلها وهذه لا تقبل أبدًا، يصلى لأجل أن يراه فلان أنه يصلي أو صلى سنة لأجل أن يراه فلان أنه يصلي سنن وأنه حريص على السنن، هذا أيضًا يبطل الصلاة أو يبطل العمل من أصله. وأما كما قلنا إذا طرأ فأحيانًا لا يبطل العمل المصري وإنما يبطل أجره أو ينقص أجره. قال: ﴿ويمنعون الماعون﴾، أيضًا هذه الصفة الثالثة من صفات هؤلاء الذين توعدهم الله عز وجل بالويل، وهم يمنعون الماعون، والمراد بالماعون على قول أشهر المشهور عنده العلم المراد هو ما يتبادل به الناس ويتعاونون به في أمر البيوت أو الطعام أو من الفأس والقدر وغيرها، لكن المراد هنا هل المراد أن من يمنع هذا يكون داخلًا في الهلاك والويل؟ فليس كذلك، وإنما قال بعض العلم: الذي يمنعه احتقارًا للمسلمين وأيضًا تكبرًا على أهل الإسلام أو كذلك لا يريد أن يبذل شيئًا، مع هذا الشيء يدل على أنه غير باذل، غير باذل وعنده شح عظيم، فهذا ممكن. وإلا مسألة القدر إعارة القدر وإعارة الفأس وإعارة الدلو وكذلك غيرها حتى الملح وغيره، هذه الأمور أكثر العلم على أنه مستحب وليس بواجب، أنه من الأمور المستحبة وليست بواجبة، لكن تدل على بذل الرجل لإخوانه وتعاونه معهم، فلهذا لا ينبغي أن يكون من الذين يمنعون الماعون الذي يؤديهم إلى الشح والبخل على إخوانهم. فهنا ذكر ربنا جل وعلا هذه الصفات التي هي صفات المكذبين بالدين، يقسون على اليتيم ولا يحثون ولا يحضون الناس على طعام المساكين، وكذلك أيضًا يؤخرون صلاتهم ويهملونها، وكذلك أيضًا إن صلوا راءوا في صلاتهم ولا يذكرون الله كما ذكر عن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ويمنعون الماعون، أي لا تعاون بينهم، بل عندهم الشح والبخل بالمسلمين، فهذه الصفات من الصفات التي هي صفات الكفار أصلا، لكن إن وقعت من المسلمين فهو تشبه بصفات الكفار؛ لأن المسلم حين لين رقيق القلب على كل مسلم دين قربة، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وهب بن حارث. فهذا إن شاء الله ما يذكر في تفسير هذه السورة، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.