الدرس في 10 تفسير سورة الكوثر من التفسير الميسر، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سورة الكوثر نزلت في المدينة وتتحدث عن الخير الكثير الذي أعطاه الله للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتفسير الآية الأولى يشمل نهر الكوثر في الجنة. النبي عليه الصلاة والسلام وصف هذا النهر.
تفسير الآيات من سورة الكوثر يشمل معاني "فصل لربك وانحر" و"إن شانئك هو الأبتر"، ويوضح أن الآيات تشير إلى الإخلاص في العبادة وذم مبغض النبي عليه الصلاة والسلام. التفسير يختلف بين العام والخاص.
يناقش حكم اللعب في المسجد ويفرق بين الألعاب المباحة والمحرمة، ويشير إلى تحريم لعب الشطرنج لعدم وجود فائدة منه كما ذكر بعض السلف واستدل بقول علي بن أبي طالب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال المؤلف في تفسير سورة الكوثر: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. فسورة الكوثر هكذا هي في جميع المصاحف، تسمى بسورة الكوثر، ولم توجد في شيء من الكتب تسمية غير هذه التسمية، إلا في بعض كتب الحديث كالبخاري مثلا، قال: «باب إن أعطيناك الكوثر»، الظاهر أراد الآية، لكنها ذكرها في اسم السورة. ولهذا ذكر من ألف في هذا الباب في تسميات السور وغيرها، كما مثل ما ذكره السيوطي في الإتقان، فذكر أن الكوثر مما ليس لها اسم إلا هذا الاسم، كما ذكرنا في سورة الماعون أنها ذكرت لها ستة أسماء، وأما هذه السورة لم يذكر إلا هذا الاسم «الكوثر». واختلفوا في هذه السورة هل هي مكية أو مدنية؟ فأكثر القراء يقولون أنها مكية، يقولون أنها مكية لأنها على سياق السور المكية، بل بعضهم ذكر كأبي عمرو الداني وغيره ذكر إجماع العلماء لأنها مكية، لكن هذا الإجماع خطأ، قد جاء «المجاهد» و«قتادة» وغيرهما من السلف أنها مدنية. بل جاء في صحيح مسلم حديث أنس قال: «كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم فأغفى إغفاءة، ثم قال: لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي من كذا وكذا، ثم قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾»، وهذا حصل في المدينة، لا شك أن أنسا إنما كان عند النبي عليه الصلاة والسلام لما كان في المدينة، جاءت به أول ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جاءته أمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فدل على أنها سورة مدنية وليست مكية. فقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال المؤلف: «إن أعطيناك أيها النبي الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك نهر الكوثر في الجنة الذي حافتاه قيام اللؤلؤ المجوف، وطينه المسك». وهذا التفسير الذي فسر المؤلف هو تفسير حبر الأمة بن عباس رضي الله عنه، جاء عنه في البخاري أنه قال: «الكوثر هو الخير الكثير»، روى عنه سعيد بن جبير قال: «الكوثر هو الخير الكثير»، فقيل لسعيد: «أليس الكوثر هو نهر أعطاه الله عز وجل رسول الله؟» قال: «النهر من الكوثر، من الخير الكثير». قال: «النهر من الخير الكثير»، وهكذا فسر هنا المؤلف صاحب مختصر التفسير فسر الآية بذلك: «إن أعطيناك أيها النبي الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك نهر الكوثر في الجنة الذي حافتاه خيام اللؤلؤ المجوف، وطينه المسك»، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فالكوثر هو الخير الكثير العام، ومن ضمنه هذا النهر الذي أعطاه الله عز وجل لنبيه، وهل الكوثر هذا أو النهر هو نفسه الحوض، أم الحوض آخر والنهر آخر؟ فالصحيح أن الكوثر أو النهر شيء والحوض شيء آخر، لأنه حتى يختلف في الاسم، وفي الحوض غالبا ماء محجوزا في مكان، بخلاف النهر، النهر يكون ماء متسعا وغالبا يمتد بماء غيره. وجاء حديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة: «أن الكوثر نهر يصب ماءه في الحوض»، أن هذا الكوثر يصب ماءه في الحوض، فالحوض جزء من الكوثر، أن يصب ماء الكوثر في الحوض، فحوض النبي عليه الصلاة والسلام من هذا النهر الذي أعطاه الله عز وجل إياه. وهذا أيضا يدل على كرامة الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وأنه خصه بهذا الكوثر دون غيره، خصه عليه الصلاة والسلام دون غيره، وهذا يدل على فضيلته عند ربه جل وعلا. قال: «فصل لربك وانحر»، قال: «فاخلص لربك صلاتك كلها، واذبح ذبيحتك له وعلى اسمه وحده»، هذه الآية «فصل لربك وانحر» فسرت بتفاسير، منها هذا الذي ذكره المؤلف: «فصل لربك» أي صل صلاة لله عز وجل، اخلص صلاتك لله، وكذلك اخلص نسكك وذبيحتك لله، لا تجعلها لغير الله جل وعلا. وهذا التفسير المتبادر في هذا، وهو قول أكثر المفسرين، وقيل: إن المراد «فصل لربك وانحر» أي الصلاة صلاة الأضحى، والنحر يوم الأضحى، معنى هذا القول قول أخص من القول الذي قبله، فخص الصلاة أنها صلاة الأضحى، والنحر يوم الأضحى وهو يوم النحر. وهذا يظهر أنه تفسير بالجزء، لأن السلف كان يفسرون تفسيرا كليا، ويفسرون أيضا تفسيرا جزئيا، فمثلا قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فهؤلاء ثلاث أقسام من أهل الإيمان، كلهم من أهل الإيمان، لكن بعضهم ظالم لنفسه، هذا الذي أصاب الذنوب، فرط أيضا في الواجبات، ومقتصد الذي فعل الواجبات واستنب المحرمات، وأيضا سابق في الخيرات، هذا الذي فعل الواجبات وحاط بها بالمستحبات، وترك المحرمات، بل ترك ما يؤدي إلى الحرام من المكروهات، مسارع في الخيرات، فهذا المعنى العام. لكن ممكن أن تفسر هذه الآية بأن يقال: «الظالم لنفسه الذي يهمل الصلاة ويتهاون فيها، والمقتصد هو الذي يؤدي الفريضة، والسابق في الخيرات هو الذي يؤدي الفريضة ونوافلها»، فهذا تفسير خاص، وممكن أيضا تستعمله في غيرها من هذه الأمور، من المحرمات أو من الواجبات، فلهذا فكان الصحابة رضي الله عنهم يفسرون القرآن أحيانا بالكليات المعاني الكلية، وأحيانا بالمعاني الجزئية، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله عليه في كتابه «مقدمة في أصول التفسير». فقوله هنا: «فصل لربك وانحر»، قلنا أنه فسره بعضهم بالمعنى العام، ومنهم من فسره بالمعنى الخاص، أنه صلاة الأضحى والنحر يوم الأضحى، يوم النحر، وفسرت كذلك «فصل لربك وانحر» أي ضع يديك في النحر، والنحر هذا يعني ضع يديك هنا، وهذا التفسير جاء عن بعض الصحابة، عن علي وعن أنس، لكن الصحيح أن الأسانيد لا تصح، الأسانيد غير صحيحة إلى علي ولا إلى أنس، لا يصح عنهم أنهم فسروا. لكن جاء عن بعض التابعين أنه فسر «وانحر» أي ضع يديك على النحر، حتى تتناسب مع الصلاة، فخلاصة القول أن الصلاة هنا المراد بها أعم الصلاة، كما قال هنا المؤلف: «فأخلص لربك صلاتك كلها، واذبح ذبيحتك له على اسمه وحده»، فأخلص له في العبادة في الصلاة، وكذلك في الذبح، فلا يجوز لك أن تنحر لغير الله، وأن تذبح لغير الله، لعن الله من ذبح لغير الله. فالذي يذبح لغير الله معنى أنه صرف هذه العبادة لغير الله جل وعلا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، أي إن مبغضك ومبغض ما جئت به من الهدى والنور، وهو المنقطع الأثر المقطوع من كل خير، هذا مبغض النبي عليه الصلاة والسلام جعل الله عز وجل بتر دابره. وهذا فسرها بعض العلماء بقطع دابره في الدنيا من الأولاد، وكذلك بقطع دابره أنه لا يتبعه أحد من أهله، ولهذا يقال: إن هذه الآية نزلت في أبي جهل، لكنه لم يأت بإسناد صحيح، فهو الذي وصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أبتر، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، هذا مبغضك هو المقطوع. فقالوا: إن الله عز وجل قطع أبا جهل وجعل معنى أبنائه لم يتابعوا، فهلك في يوم بدر هذا الطاغية فرعون هذه الأمة، ثم إن الله عز وجل جعل ابنه «عكرمة» يسلم ويتابع النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضا أخته أي بنت أبي جهل أسلمت، كذلك وهي التي كان أراد علي أن يتزوجها أبناءه، فلم يكن له نسل على ما هو عليه من الكفر، فقطع الله عز وجل دابره، وقطع الله عز وجل ما هو عليه، فصار مدبرا. وقد يكون أيضا القطع هنا: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، أي هو المبتور، وهو المبتور لأنه قد قطع ربه جل وعلا، وهذا أعظم البتر وأعظم القطع، أن الإنسان يقطع ربه جل وعلا، لا يصل ربه، أي لا يسلم ولا يصلي لله عز وجل، فهذا مقطوع مبتور، فقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. فهذه السورة فيها إعطاء الله عز وجل لنبيه وإرضاءه، وكذلك أيضا الدفاع عنه، الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه السورة فرح بها النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا، لأنها فيها إعطاء له الخير العظيم، وكذلك دفع عنه الشر الذي كان يلقاه من مبغضيه. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وكذلك قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، الله يعصمك من الناس، فهذا تفسير هذه السورة، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. يقول هنا: ما حكم من يلعب لعبة في المسجد؟ بذلك الله خير، أنت الذي يلعب لعبة في المسجد، إن كانت هذه اللعبة فيها شيء من المحرمات كالصور وغيرها، فهذا لا يجوز، خاصة في المسجد، لا ينبغي أن يدخل الصور والآذى والأشياء المسجد، وإن كان أيضا فيها شيء من الصوت والموسيقى أيضا لا يجوز أن يجعل الموسيقى في المسجد. وإن لم يكن فيها شيء من ذلك، وإنما مثلا سيارات أو كذا، فلا بأس إذا كان في مكانه المسجد، لا بأس أن يفعل ذلك أحيانا، لكن لا يكثر من هذا، ينبغي أن يكثر ويشغل نفسه بهذا، خاصة الأطفال الأولاد، ممكن يستسامح معهم في هذا، لأن الأولاد تعودوا على اللعب غالبا مثل هذه الأشياء وهي مباحة، لكن الكبار ما ينبغي أن يشغل نفسه بمثل هذا، حتى الصغير لو أشغل نفسه بطاعة الله وبالقراءة وكذا وما يرضي الله أفضل. لكن الغالب أن الصغار يحتاجون إلى ترويح للنفس واللعب، فلا بأس أن يكون شيء من هذا، لكن لا ينبغي أن يكثر بهذا الأمر، وأيضا يتجمع المجموعة فيحصل منهم الكلام وكذا في المسجد، فيراعون حرمة المساجد، ينبغي أن يراعون حرمة المساجد، وإلا مثل اللعب لا بأس، فقد كان الحبشة يلعبون في المسجد، وإن كان ذاك اللعب لعب الفروسية، لكنه يعتبر من اللعب. وإن اللعب كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه على ثلاثة أقسام: ما كان فيه ذهاب الأموال فهو من الميسر، أنه إذا كان فيه دفع مال فيعتبر هذا، إذا كانت اللعبة مباحة فيعتبر من الميسر، وإذا كان هذه اللعبة مما يستعان بها في مثلا في الجهاد أو في تقوية الجسم أو في شيء من الطاعات أو في الفكر، فلا بأس بها، وبلعبها مثل مثلا ما ذكر من السباحة وركوب الخيل والرمي وغير من هذه الألعاب التي حث عليها النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي هريرة: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، عن المسابقات، وهذه لا تكون إلا في ثلاثة أشياء: في نصل وهو الرمي، أو خف وهو الخيل، أو حافر وهو الخيل، عن سباق الخيول، سباق العبل وغيرها مما يكون فيه غرض صحيح. كذلك السباحة أن فيها تقوية الجسم، وغيرها من هذه الأمور التي يكون فيها مصلحة، فهذه جائز، وأما اللعب الذي لا يكون فيه مالا وليس فيه منفعة، فقال أن أكثر السلف كانوا يحرمون مثل ذلك، وهذا يكون مثل النرد، نرد شير، وهو ما فسره بعض المعاصرين بلعب الطاولة، وكذلك قد يدخل فيه الكيرم والضمنة، وكذلك أيضا الألعاب التي لا نفع فيها تدخل على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في باب المحرم. إلا أن الأطفال يرخص لهم في شيء من هذا، أن الصغار الذين لم يبلغوا بعد أو لم يدركوا سن الرشد، فيرخص لهم في شيء من هذه الأمور، فلا بأس يفعلوا أو يلعبوا بها، لكن لا يكثروا منها حتى يصيروا معنا تتبلد أذهانهم، لأن هذه اللعب غالبا لا تزيد الذهن ولا تشحذ الذهن، وإنما تبلد ذهن الأطفال، كذلك أفكارهم تجعل أفكارهم فقط للعب. حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن بعض الناس يقول: إن الشطرنج يزيد في العقل ويزيد في الفكر، وذكر أن هذا خطأ، فالشطرنج لا يفيد شيئا، ما هي الفائدة أن تعلم مثلا أنك تأتي القلعة أو تأتي الحصان بطريقين أو ثلاث، هذا كلام شكرا، ما هي الفائدة من هذا؟ ما في فائدة مرجوة من هذا الباب، لهذا قال: فهو لا فائدة فيه، لهذا حرمه بعض السلف، جاء عن علي بن أبي طالب أنه مر على الناس يلعبون الشطرنج، قال: «هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون»، ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون؟ فهذا ما يذكر في هذا الباب، والله أعلم، إن شاء الله عز وجل أن يسلمنا، والحمد لله رب العالمين.