التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 4

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التأكيد على أهمية التدبر

يؤكد الدرس على أهمية تدبر القرآن الكريم وفهم معانيه، ويبين أن التدبر يوصل العبد إلى معرفة الله وتعظيمه ويشفي القلوب من الأمراض.

كيفية تدبر القرآن والانتفاع به

يناقش الدرس كيفية تدبر القرآن وانتفاع القارئ به، ويشير إلى أهمية حضور القلب أثناء القراءة ويذكر توجيهات الصحابة والتابعين حول ذلك.

اتباع القرآن والعمل به

يؤكد الدرس على أهمية اتباع القرآن والعمل به، ويبين أن القرآن إما أن يكون ذخرًا أو وزرًا، وأن اتباعه يؤدي إلى الجنة وإهماله يؤدي إلى النار.

ختام الدرس وتوجيهات مستقبلية

يختتم الدرس مع الإشارة إلى استمرار الدروس في المستقبل، ويتم الختام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه "أخلاق حملة القرآن": قال: ثم إن الله عز وجل حث خلقه على أن يتدبروا القرآن، فقال عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فذكر رحمه الله هاتين الآيتين اللتين تدلان على الحث والترغيب على تدبر كلام الله سبحانه وتعالى. ومثلهما قول الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. فالله جل وعلا حث ورغب على تدبر القرآن وفهم معانيه وعقل آيات الله سبحانه وتعالى. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ يعني: هل أقفلت هذه القلوب بأقفال وجعل عليها حجب تمنع من تدبر وفهم كلام الله سبحانه وتعالى؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلابد من رفع هذه الأقفال، لابد من كسر هذه الأقفال ورفع هذه الحجب حتى يتدبر العبد كلام ربه سبحانه وتعالى. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: "فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان". وهذه الأقفال والحجب هي الذنوب والمعاصي واللهو والغفلة والانشغال بالدنيا وأمراض القلوب، سواء كانت أمراض الشهوات أو أمراض الشبهات. فكل هذه حجب تمنع العبد أن يتدبر كلام ربه سبحانه وتعالى. فلابد للعبد أن يجاهد نفسه في إزالة هذه الموانع حتى ينتفع بكلام الله سبحانه وتعالى ويعقل كلام ربه جل وعلا. وفي الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ يعني: لو كان هذا القرآن ليس منزلاً من عند الله وليس هو كلام الله جل وعلا، لوجد فيه الاختلاف ووجد فيه الاضطراب ووجد فيه التناقض بين آياته وعباراته. فلما كان من عند الله سبحانه وتعالى، كان مسلمًا من ذلك، أي من وقوع الاختلاف والتناقض فيه. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وإذا كان الإنسان ربما يجاهد نفسه على فهم كتاب من كتب الدنيا، ككتاب في الطب أو كتاب في الهندسة أو في غير ذلك من علوم الدنيا، لربما اجتهد حتى يعرف معاني هذه الكلمات ومقصود هذه العبارات حتى يفهم هذا الكتاب فهمًا جيدًا، فكيف بكتاب الله جل وعلا الذي هو أفضل الكتب وأفضل الكلام والحديث؟ فلابد للمسلم أن يجاهد نفسه، أن يعتني بفهم كلام الله سبحانه وتعالى. قال محمد بن الحسين: "ألا ترون، رحمكم الله، إلى مولاكم الكريم كيف يحث خلقه على أن يتدبروا كلامه؟ ومن تدبر كلامه عرف الرب عز وجل، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، ورغب فيما رغبه". نعم، فأشار رحمه الله إلى أن تدبر كلام الله سبحانه وتعالى يوصل العبد إلى معرفة الرب جل وعلا، معرفة الله سبحانه وتعالى بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فينتج عن ذلك حصول التعظيم والإجلال لله جل وعلا. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كلام له في كتابه "المدارج" في ذكر فوائد التدبر لكلام الله سبحانه وتعالى: "أن من ذلك أن فهم كلام الله جل وعلا يوصل العبد إلى الوصول إلى ثلاثة أمور هي مجمل الأوامر التي اجتمعت عليها القرآن". الأمر الأول هو معرفة الرب سبحانه وتعالى، معرفة الله جل وعلا بأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته، فيؤثر ذلك أو ينتج عن ذلك حصول التعظيم والإجلال لله جل وعلا. والأمر الثاني من الأوامر التي اجتمعت عليها القرآن على جهة الإجمال: الأمر بسلوك الطريق التي توصل إلى الله، الأمر بسلوك الطريق التي توصل إلى الله جل وعلا، وذلك بالتزام الأوامر الواجبات والانتهاء عن النواهي والمحرمات. والأمر الثالث هو ما للعبد من ثواب إذا أطاع الله جل وعلا، وما له من عقاب إذا خالف أمر الله جل وعلا. فهذه الثلاثة الأمور تدور عليها معاني القرآن على جهة الإجمال، وأعظمها هو معرفة الرب سبحانه وتعالى، لأنه إذا عرف العبد ربه عظم ربه جل وعلا، وعظم أوامره ونواهيه، فيكون معرفته بربه سببًا لسلوك الطريق الذي يوصل إلى ربه ومولاه. وكذلك أيضًا ينتج عن ذلك حصول الثواب الذي جعله الله عز وجل لمن أطاعه، والنجاة والسلامة من العقاب الذي جعله الله جل وعلا لمن خالف أمره. قال: "فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذره مولاه الكريم، ورغب فيما رغبه". فإذا عرف الله عز وجل، سلك الطريق الذي يوصله إلى مولاه، وهو بالتزام الأوامر واجتناب النواهي. قال: "ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن، وعند استماعه من غيره" -يعني أن هذه النتيجة التي تحصل قد تحصل من تلاوة العبد القرآن بنفسه، وقد يحصل كذلك عند استماعه للقرآن من غيره إذا أحسن الاستماع- "كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وآنس بما يستوحش منه غيره". يعني: مما يستفيد منه العبد وينتفع به من تلاوته لكتاب الله جل وعلا: أنه يكون القرآن له شفاء، يكون القرآن له شفاء من أمراض القلوب، من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات. فليس الاستشفاء بالقرآن يكون فقط بالأمراض الحسية كالمس ونحوه، بل أيضًا يستشفى بالقرآن من أمراض المعنوية، أمراض القلوب، الشهوات والذنوب والمعاصي، وأمراض كذلك الشبهات. فإن القرآن شفاء للقلوب من هذه الأمراض كلها. قال: "كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال"؛ أي: صار غنيًا وإن لم يكن عنده شيء من المال؛ لأن حقيقة الغنى هو غنى القلب. حقيقة الغنى هو غنى القلب، فإذا كان مقبلاً على كتاب الله، متدبرًا لمعانيه، منتفعًا بآياته، فإنه يكون غنيًا وإن كان فقيرًا قليل ذات اليد. قال: "فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة"؛ أي: كان عزيزًا ذا منعة وشرف ورفعة، وإن لم يكن له عشيرة وقبيلة يعتز بها. قال: "وآنس بما يستوحش منه غيره"؛ يعني: أصبح القرآن أنيسه، فلا يستوحش من قلة الناس أو عدم جلوسه مع الخلق، ومعه كتاب الله جل وعلا يأنس به بتلاوته وقراءته وتدبره وفهم معانيه. قال: "وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟" وهذه علامة من علامات المتدبرين لكلام الله جل وعلا: أنه إذا قرأ القرآن بتدبر، لا يهمه أن يصل إلى آخر السورة، وإنما همه أن يتعظ ويعتبر وينتفع بما يتلو من كتاب الله. "متى أتعظ بما أتلو؟ متى يعني أطبق هذه الأوامر؟ ومتى أجتنب هذه النواهي؟ ومتى أنزجر عن هذه الزواجر؟" وهكذا يحث نفسه على أن ينتفع بما يقرأ من كتاب الله جل وعلا. قال: "وإنما مراده: متى أعقل عن الله جلت عظمته الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟" يكون هذا هو همه: أنه يريد أن ينتفع بما يتلو من القرآن، ولا يكون همه هو أن يصل إلى آخر السورة. قال: "لأن تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة". والله الموفق لذلك؛ يعني: لابد أن يقرأ بحضور قلب. تلاوة القرآن عبادة، والعبادة لا بد أن يكون القلب فيها حاضرًا حتى يحصل للعبد كمال الأجر والثواب في تحقيق هذه العبادة وفي فعلها. قال: "حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زيد بن أخزم، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا سعيد بن زيد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، "لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة". يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وتعلمون من عبد الله بن مسعود: هو أحد حملة القرآن من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا طريًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"؛ يعني: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهو عالم من علماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. يقول: "لا تنثروه نثر الدقل"؛ يعني: القرآن إذا قرأتموه، لا تنثروه نثر الدقل. والدقل هو رديء التمر، اليابس الذي إذا ضرب العذق الذي فيه هذا الدقل، سرعان ما يتناثر. سرعان ما يتناثر هذا الدقل. وكأنه يقول: يعني لا تقرأوا القرآن بسرعة ومن غير تعقل وتفاهم لمعانيه، فتنتهوا منه بسرعة من غير انتفاع. تنتهوا منه بسرعة من غير انتفاع، كحال هذا الدقل الذي سرعان ما يخرج من العذق، ولا ينتفع به. قال: "ولا تهذوه هذ الشعر"؛ يعني: لا تقرأوا القرآن بسرعة كقراءة الشعر. قال: "قفوا عند عجائبه"؛ يعني: إذا قرأتم القرآن، تمعنوا واتعظوا واعتبروا في عجائب القرآن، في كمال أحكامه، في عجائب آيات الله جل وعلا الكونية، وهكذا آيات الله الشرعية، في حسن ألفاظ القرآن وتركيبه، في كمال معانيه، وكذلك أحكامه. وهكذا في التمعن والتفكر والتعظ والاعتبار في قصصه وأخباره، وغير ذلك من عجائب القرآن الكثيرة. "قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب"؛ يعني: اجعلوا قلوبكم تنتفع، وكذلك تتحرك، تؤثر فيها آيات النعيم، فترغب وتشتاق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، للفوز بما أخبر الله جل وعلا به من نعيم الآخرة. إذا مرت بها آيات العذاب، تحرك هذا القلب خوفًا ووجلاً من الله جل وعلا. إذا مر بآيات فيها بيان إجلال وتعظيم للخالق، تحرك هذا القلب إجلالاً وتعظيمًا لله سبحانه وتعالى. فهكذا يعني يؤثر هذا القرآن في القلب، لا يكون مجرد آيات وألفاظ تتلى على اللسان، لا يكون لها أثر في قلب قارئها ومستمعها. قال: "ولا يكون هم أحدكم آخر السورة"؛ هذا ينافي حصول التدبر لقراءة القرآن، أن يكون هم القارئ أن يصل إلى آخر السورة، هنا ما سينتفع، ما سيتدبر ويتفهم معاني كلام الله جل وعلا. قال: "وحدثنا أبو بكر أيضًا، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: سمعت أبا عبيدة الناجي يقول: إنه سمع الحسن -أي: الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله- يقول: "إلزموا كتاب الله عز وجل، وتتبعوا ما فيه من الأمثال، وكونوا فيه من أهل البصر". إلزموا كتاب الله؛ يعني: تتبروه وتأملوه، وجاهدوا أنفسكم على معرفة معانيه وفهمه. وتتبعوا ما فيه من الأمثال؛ الله عز وجل ضرب أمثالاً عديدة في القرآن، أمثالاً عديدة في القرآن، أكثر من أربعين مثلاً ضربه الله جل وعلا في القرآن. وهذه الأمثال تقرب المعاني وتوضحها وتبينها، سواء كان فيما يتعلق في أمر التوحيد وذم الشرك، أو ما يتعلق في الحث على الصدق والإنفاق، وكيف أن الله عز وجل يضاعف فيها الأجور والثواب، إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة التي أخبر الله سبحانه وتعالى أنها ما يعقلها إلا العالمون. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾؛ أي: لا يفهم هذه الأمثال ويعقل هذه الأمثال إلا من كان من أهل العلم. فهو يقول رحمه الله: "تتبعوا ما فيه من هذه الأمثال، افهموها، اعقلوها، تدبروها حتى تنتفعوا بها". الله عز وجل ضرب هذه الأمثال لكي ننتفع بها، لكي ننتفع ننتفع بها. فهو يقول: "لا يكن همكم أن تقرأوا القرآن وتمروا على هذه الأمثال من غير فهم لها، من غير فهم لها، بل قفوا عندها، وانظروا في معانيها، وتفهموا في المقصود منها حتى يحصل لكم النفع العظيم بذلك". قال: "وكونوا فيه من أهل البصر"؛ يعني: ممن يستبصر بكتاب الله، ويتفهم معانيه، ويعقل معاني القرآن. قال: "ثم قال رحم الله عبدًا عرض نفسه وعمله على كتاب الله تعالى، فإن وافق كتاب الله حمد الله وسأله الزيادة، وإن خالف كتاب الله جلت عظمته عتب نفسه ورجع من قريب". وهذه طريقة نافعة في إصلاح العبد نفسه، في إصلاح العبد نفسه. كيف يصلح نفسه مع القرآن؟ فيقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: "رحم الله عبدًا عرض نفسه وعمله على كتاب الله". إذا أردت أن تصلح نفسك، اعرض عملك وحالك على كتاب الله، كيف أنت مع كتاب الله جل وعلا؟ فإن وافقت ما في كتاب الله، فأنت على خير، تحمد الله عز وجل وتسأله الزيادة من فضله؛ يعني: إذا جئت إلى الأوامر، هل أنت من مقيديها؟ هل أنت محافظ عليها؟ سواء كان في الأمر بالمحافظة على الصلاة، أو الأمر بالصيام، أو الزكاة، أو الحج، أو الأمر ببر الوالدين، أو صلة الأرحام، أو الأمر بالصدق، أو الأمر بالوفاء، إلى آخر ذلك من الأوامر الكثيرة. إن كنت محافظًا عليها، فأحمد الله، فأنت على خير، واسأل الله الزيادة من فضله. وإن كنت على خلاف ذلك، جئت إلى أوامر الصلاة فإذا أنت مقصر، جئت إلى أوامر الصيام فأنت مقصر، جئت إلى أوامر الزكاة فأنت مقصر، جئت إلى بر الوالدين فأنت مسيء، جئت إلى الأمر بالإحسان إلى الجيران كذلك أنت مسيء، جئت إلى الأمر بالصدق إذا أنت من أهل الكذب، وهكذا تجد أنك مخالف لكثير من أوامر القرآن. فحينئذ عليك أن تعتب نفسك، تتوب وتحاسب نفسك وتصلح حالك، ترجع عن هذه المخالفات التي وقعت فيها، تحافظ على الواجبات، تنتهي عن هذه المحرمات. فإذا كنت كذلك، فإنك بهذا تصلح نفسك وتبلغ بنفسك إلى أكمل الأحوال وأفضل الأخلاق. قال: "وحدثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، عن أبي كنانة، أن أبا موسى الأشعري جمع الذين قرأوا القرآن، وهم قريب من ثلاث مئة، فعظم القرآن، وقال: "إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به إلى رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار". هذا الأثر في أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه -وأبو موسى رضي الله عنه أيضًا من حفظة كتاب الله، وكان ذا صوت حسن بالقرآن- بل قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود". واستمع له النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ، ثم أخبره بذلك، فقال: "لو علمت لحبرته لك تحبيرًا". يقول أبو موسى: وقد جمع الذين قرأوا القرآن، يعظهم وينصحهم، وكانوا قريبًا من ثلاث مئة. وهذا يدلنا أن السلف كانوا يهتمون بحفظ القرآن ويعتنون بذلك عناية عظيمة. قال: "فعظم القرآن"؛ يعني: ذكر لهم أمر القرآن وأنه عظيم، وأمره جليل وكبير. قال: "فعظم القرآن، وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا، وكائن عليكم وزرًا"؛ يعني: إما أن يكون القرآن ذخرًا لك ورفعة وشرفًا ومنزلة عظيمة، وإما أن يكون عليك وزرًا؛ يعني: يكون وبالاً عليك، وحجة عليك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك الأشعري في مسلم: "والقرآن حجة لك أو عليك". قال: "فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم"؛ فإن من اتبع القرآن هبط به إلى رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار؛ يعني: أن حامل القرآن وصاحب القرآن بين أمرين: إما أن يكون متبعًا للقرآن، وإما أن يكون القرآن يتبعه. فمن كان متبعًا للقرآن، فهذا الذي يفلح وينجو، ويرتفع بهذا القرآن إلى المنازل العالية. الذي يتبع القرآن الذي يعمل بما فيه، الذي يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، ويحتكم إلى أحكامه وينتفع بما فيه، هذا الذي يأخذ به القرآن إلى رياض الجنة. والذي يتبعه القرآن هو الذي يكون القرآن حجة عليه، الذي يخالف أوامر القرآن، ولا ينتهي عن نواهيه، ولا ينتفع بأحكامه، فهذا -عياذًا بالله- يزج القرآن به إلى النار -عياذًا بالله- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: "القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار". وهو بمعنى حديث أبي مالك، وكذلك أيضًا بمعنى ما في هذا الأثر، أثر أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. قال: "وحدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: أنبأنا الحسين بن الحسن المروزي، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أنبأنا سالم المكي، عن الحسن، قال: "من أحب أن يعلم ما هو؟ فليعرض نفسه على القرآن". نعم، كما ذكر هذا الأثر قبل قليل. قال: "وحدثنا أبو محمد أيضًا، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وقيس بن سعد، عن مجاهد، في قول الله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قال: "يعملون به حق عمله". فمجاهد بن جبر رحمه الله، تلميذ عبد الله بن عباس، أحد علماء التفسير من التابعين، يفسر هذه الآية: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قال: "يعملون به حق عمله". ففسر التلاوة في هذه الآية بالعمل. وذكر الإمام الطبري رحمه الله أيضًا هذا الأثر في تفسيره، فقال: في هذا الأثر: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قال: "يتبعونه حق اتباعه". وذكر نحو ذلك أيضًا عن عكرمة رحمه الله. واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَالْقَمَرَ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ قال: "أي: إذا اتبعها"؛ أي: إذا اتبعها. ففسر التلاوة بالاتباع. فقول الله عز وجل: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾؛ أي: يعملون به حق عمله، ويتبعونه حق الاتباع. فمن تحقيق تلاوة القرآن: أن تعمل بما فيه، أن تعمل بما فيه. فكونك تصلي هذا من تلاوة القرآن، كونك تصوم هذا من تلاوة القرآن، كونك تتصدق وتزكي هذا من تلاوة القرآن، كونك تحج وتعتمر هذا من تلاوة القرآن، كونك تصدق في الحديث هذا من تلاوة القرآن، كونك تبر بوالديك هذا من تلاوة القرآن، إلى آخر ذلك. كل ما تعمل به مما جاء القرآن به وأمر به، فهذا من تلاوتك للقرآن. فإن حقيقة التلاوة: ليس مجرد تلاوة القرآن بالألفاظ، بل لا بد من العمل وتطبيق الأوامر والانتهاء عن النواهي، فإن ذلك من تلاوة القرآن. نقف هنا، ونكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم، بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.