الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبين فضل الاجتماع في المساجد وغيرها لمدارسة القرآن، مستندًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول أجر من يجتمعون لتلاوة ومدارسة القرآن. يشمل هذا الفضل الملائكة المحيطة بالحاضرين ونزول الرحمة والسكينة عليهم.
يتحدث عن فضل تعلم القرآن وتدارسه في بيوت الله، ويشير إلى أن أهل القرآن لهم أخلاق فاضلة وأجر عظيم. كما يبين أن هناك قسمين من قراء القرآن، أحدهما يجيد القراءة ويكون مع الملائكة، والآخر يقرأ بجهد ويشق عليه ويكون له أجران.
يعبر عن ختام الحديث أو الخطاب بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ويُظهر الاحترام والتقدير للنبي وأسرته وصحابته. يُعتبر هذا الختام تعبيرًا عن الإجلال والتوقير في الثقافة الإسلامية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه "أخلاق حملة القرآن": باب فضل الاجتماع في المساجد لدرس القرآن. فهذا الباب سيذكر فيه رحمه الله بعض ما ورد في فضائل الاجتماع في المساجد لدرس القرآن، أي لمدارسة القرآن. فضل الاجتماع وفضل مضاف، مفرد مضاف، فالمفرد إذا أضيف دل على العموم، يعني فضائل الاجتماع في المساجد لمدارسة القرآن، أي ما يترتب على ذلك من الأجر والفضل. ومدارسة القرآن إما أن تكون لمدارسة ألفاظ القرآن، تعلم قراءته وتلاوته، وإما أن تكون المدارسة لتعلم معاني القرآن ومعرفة تفسيره، فكلا الأمرين مقصود. تكون المدارسة لدراسة الألفاظ والتلاوة والقراءة، وقد تكون المدارسة لمدارسة معاني القرآن ومعرفة تفسير الآيات. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا جرير، يعني ابن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله عز وجل يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله» تجالس على وزن تفاعل، فيدل على الاشتراك بين اثنين فأكثر، يعني ما اجتمع واشترك قوم في الجلوس لمدارسة القرآن. وهذا فيه حث وترغيب على الاجتماع لمدارسة القرآن. وقوله: «قوم في بيت من بيوت الله»، قال أهل العلم: هذا القيد خرج مخرج الغالب، الغالب أنه يكون الاجتماع على القرآن في بيوت الله، في المساجد، فيترتب على ذلك هذا الأجر وهذه الفضيلة. لكن هل معنى هذا أنه لو اجتمعوا في غير بيوت الله على مدارسة القرآن أنهم لا يتحصلون على هذا الأجر؟ الجواب: لا، بل يتحصلون بإذن الله على الأجر. فذكر الاجتماع في بيت من بيوت الله هذا خرج مخرج الغالب، أن الغالب أن يكون الاجتماع على القرآن في بيوت الله. فلو حصل مثل ذلك في غير بيوت الله، كالمدارس والمعاهد، وكذلك البيوت، فإنهم بإذن الله يتحصلون على مثل هذا الأجر، وإن كان الجلوس على مثل ذلك في بيوت الله أفضل وأكمل. قال: «يتلون كتاب الله»، يعني يجتمعون في هذه المجالس لأجل أن يتلون كتاب الله، وتلاوة كتاب الله إما أن يتلوا واحد ويستمع البقية، يقرأ واحد والبقية يستمعون، أو أن يقرأ أحدهم والآخر يفسر معاني القرآن. قال: «ويتدارسونه بينهم»، يعني يتدارسون معاني القرآن ومعرفة دلالاته وتفسير الآيات. قال: «إلا حفت بهم الملائكة»، هذه أول هذه الفضائل التي يتحصلون عليها، أن تحفهم الملائكة، يعني أن تجتمع الملائكة فتحفهم في أطراف هذه المجالس، فتحضرها الملائكة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا وإن كان من كان في مثل هذا المجلس ما يرى الملائكة، لكن هو يعلم ويوقن أنهم موجودون وأنهم يحفونهم بأجنحتهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وغشيتهم الرحمة»، أيضا هذه من الفضائل الاجتماع على مدارسة القرآن، أن أهل هذه المجالس تغشاهم الرحمة، رحمة الله جل وعلا. فالله عز وجل يرحم من كان في مثل هذه المجالس المباركة. ورب فائدة ينتفع بها من حضر هذا المجلس تكون سببا في هدايته وصلاحه واستقامته وتركه لما هو عليه، يعني من مخالفات ومن بدع وضلالات أو معاصي وذنوب وسيئات، تكون هذا من آثار هذه الرحمة التي قذفها الله عز وجل في قلب هذا العبد. قال: «وذكرهم الله فيمن عنده»، أي في الملأ الأعلى، يذكر الله عز وجل أهل هذه المجالس عنده في الملأ الأعلى، تشريفا وتكريما. قال: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، يعني من ترك الأعمال والطاعات والقربات اتكالا على نسبه، هذا لم ينفعه يوم القيامة، فنسبه لا يقربه إلى الله ولا يرفع من درجاته ولا يكفر عنه من سيئاته، وإنما الذي ينتفع به العبد يوم القيامة هي أعماله التي عاملها في هذه الدنيا. قال: وحدثنا الفريابي، أيضا قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». هذا الحديث رواه أبو هريرة، وصححه الإمام مسلم. وهنا في هذه الرواية زاد: «إلا نزلت عليهم السكينة»، يعني هذا أيضا من فضائل الاجتماع على مدارسة القرآن، أن السكينة تنزل عليهم. والسكينة هي الطمأنينة والوقار، الطمأنينة والراحة وانشراح الصدر، يجدها من يحضر هذه المجالس. والله جل وعلا يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال: وحدثنا الفريابي، قال: حدثنا ابن جابر، يعني ابن الحارث، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: أي العمل أفضل؟ قال: «ذكر الله أكبر». وشاهد هذا الأثر قول الله جل وعلا: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وذكر الله جل وعلا أكبر من كل شيء. وذكر الله يشمل يعني قراءة القرآن وتدارس القرآن، ويشمل كذلك تدارس أو تعلم أحكام الشريعة ومعرفة الحلال والحرام، فإن ذلك من ذكر الله. قال: «وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون فيه كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه حتى يخوضوا في حديث غيره». قال: «وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون فيه كتاب الله»، يعني يتعلمون كما سمعتم يتعلمون قراءة القرآن وتلاوته، أو كذلك أيضا يتعلمون معاني القرآن وتفسيره، ويتعاطونه بينهم، يعني يتبادلون الفوائد والمنافع في دراسة القرآن. إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه، يعني أن متعلم القرآن في مجلس العلم ضيف عند الله جل وعلا، هو في ضيافة الله. وهذه لا شك أنها أكرم ضيافة يكون فيها العبد عند ربه جل وعلا لمدارسة كتابه. قال: «ما داموا فيه»، يعني ما داموا في مدارسة القرآن، فإذا خرجوا في غيره، حتى يخوضوا في حديث غيره، يعني إذا خرجوا من مدارسة القرآن وتعلم أحكامه إلى أمور أخرى من أمور الدنيا، فهنا يخرجون من هذه الضيافة. قال رحمه الله: باب ذكر أخلاق أهل القرآن. قال محمد بن الحسين: ينبغي لمن علمه الله تعالى القرآن وفضله على غيره ممن لم يحمله كتابه، وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله عز وجل وخاصته، وممن وعده الله من الفضل العظيم مما تقدم ذكرنا له، ذكر في هذا الباب بعد أن ذكر شيء من فضائل تعلم القرآن وتعليمه، سيذكر ما ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن من الأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها. قال: وممن قال الله عز وجل: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، قيل في التفسير: يعملون به حق عمله. كما مر معنا وممن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع الكرام البررة، والذي يقرأه وهو عليه شاق له أجران». والحديث في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها. فبين نبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يقرأ القرآن على قسمين، القسم الأول من يجيد قراءة القرآن، الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به، ماهر في تلاوته وفي قراءته وإقامة ألفاظه. والقسم الثاني الذي يقرأه وهو عليه شاق، يعني يشق عليه تلاوته وقراءته ولا يجيد القراءة والتلاوة. فالأول مع الكرام البررة، يعني الملائكة، والثاني الذي يقرأه وهو عليه شاق له أجران. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.