التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 31

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

غربة المؤمن واشتياقه للجنة

يشرح المقطع معنى غربة المؤمن في الدنيا واشتياقه للجنة، مستندا إلى أبيات إمام الحرمين وابن عثيمين. ينبغي أن يكون المؤمن على غاية من التألم والتوجع من فراق وطنه الحقيقي وهو الجنة.

التوجيه النبوي للتخلي عن الاغترار بالدنيا

يوصي النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يكون في الدنيا كالغريب أو عابر السبيل، فينبغي للعبد المؤمن أن يعلم أنه سيرحل منها في لحظة من اللحظات. يجب على المؤمن اغتنام الوقت في فعل الخير والتوبة إلى الله.

نعيم الجنة الدائم وغرسها

يصف المقطع نعيم الجنة الدائم الذي لا يمل المؤمنون منه، ويشرح كيفية غرس الأشجار فيها بذكر الله عز وجل. كما يقارن بين نعيم الدنيا الذي يمل منه الإنسان ونعيم الجنة الذي لا يموت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في منظومته، قصيدته الميمية: «وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مؤلم». قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: وقد زعموا، أي زعم الناس، والزعم هنا ليس معناه الكذب، بل هو حقيقة، يعني الزعم قد يطلق ويراد به الكذب، يقال: زعم فلان بكذا، ويراد أنه كاذب في ذلك، أو يراد به التشكيك، وقد يراد به حقيقة الأمر، الزعم بمعنى أخبر وذكر، وهو المراد في هذا الموضع، وقد زعموا يعني أخبروا عن ذلك حقيقة. قال رحمه الله: وقوله «أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مؤلم»، قال: أن يتألم ولا يقر له قرار حتى يرجع إلى وطنه، فنحن غرباء عن وطننا الأول، وهو الجنة، وتتلقفنا الأعداء. وقوله «وشطت به أوطانه»، شطت يعني بعدت، بمعنى بعدت، يقال: شطت الدار تشط شطوطا، بمعنى بعدت. والمعنى أن من بعدت عليه وطنه فإنه يزاد شوقا إليه، ويتألم من بعده وفراقه. وهكذا حال العبد المؤمن في الدنيا، فإن وطنه الحقيقي هي الجنة، فهو غريب في هذه الدنيا، فينبغي أن يكون على غاية من التألم والتوجع من فراق وطنه الذي يسعى ويرغب في الوصول إليه، وهي الجنة. ولهذا قال رحمه الله: «أي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم». قال رحمه الله: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر، وقد أخذ بمنكبه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى عبد الله بن عمر أن يكون في الدنيا كالغريب أو عابر السبيل. الغريب إذا نزل في بلد هو يعلم ويوقن أنه سيفارق هذه البلد في وقت من الأوقات، وفي ساعة من الساعات، فإن جلس فيها لم يتخذها وطنا، ولم يتخذها بلدا ومسكنا؛ لأنه يعلم أنه راحل. وهكذا عابر السبيل الذي يمر في سفره، فينزل تحت شجرة أو يمر على قرية، هو يعلم أنه سيرحل من هذه القرية وسيفارق هذه البلدة. وهكذا ينبغي أن يكون العبد المؤمن في الدنيا، حاله فيها كحال الغريب وعابر السبيل الذي يعلم ويوقن أنه سيرحل منها في لحظة من اللحظات، فلا يغتر بها ولا يركان إليها. قال: يعني لا تقول سأعمل الخير في المساء، وسأتوب إلى الله في المساء؛ لأنك إذا قلت هذا ذهب عنك الوقت، بل خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. فما دمت صحيحا فاغتنم الوقت، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث ابن عباس عند الحاكم: «اغتنم خمسا قبل خمس، وذكر منها حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك» إلى آخره. قال: فاغتنم الوقت؛ لأنك ربما تمرض أو ربما تموت؛ لأن كل حي سيموت. قال تعالى: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. فهكذا ينبغي أن يكون العبد، ألا يكون مستعدا للرحيل من هذه الدنيا ومن هذه الحياة؛ فربما يمسي ولا يصبح، وربما يصبح ولا يمسي. وإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يكون مستعدا للرحيل من هذه الحياة وللقاء الله جل وعلا. قال رحمه الله: «وحي على روضاتها وخيامها، وحي على عيش بها ليس يسأمه». قال رحمه الله: يعني أقبل إلى جنات عدن، إلى روضاتها وخيامها؛ فإنه لا يسأم فيها ولا يمل. وفي الجنة غراس وشجر، لا يمل المؤمنون في الجنة من نعيم الجنة ولذاتها، يتقلبون في أنواع من النعيم، فيجدون اللذة التي لا يحبون فراقها، ولا يتمنون تركها والبعد عنها. بخلاف نعيم الدنيا، فإن إنسانا يتنعم بشيء من نعيمها يمل منه، يمل من تكراره. بخلاف نعيم الجنة. قالوا: في الجنة غراس وشجر: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، كما جاء في حديثي أبي هريرة عند ابن ماجة والحاكم، وجاء أيضا من حديث جابر عند الترمذي: «من قال سبحان الله بحمده غرست له نخلة في الجنة». وجاء من حديث ابن عباس كذلك عند الترمذي وغيره أن جبريل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن غراسها: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». قال: بهذا غراس وشجر بدون تعب، وبدون سأم، وهو نعيم لا يموت. يعني كلما ذكرت الله عز وجل بهذه الأذكار، أُلس لك في مقابلها نخلا في الجنة، فأنت تزرع هذا الزرع وأنت في الدنيا بذكر الله جل وعلا وطاعته. أو نحن الآن نتكلم في غرس شجيرة صغيرة، فنحتاج إلى جماعة في إحضارها، وجماعة في تهيئة المكان لها، وفي سقيها، ثم ربما يأتيها إعصار فيحرقها، أو ربما تموت قبل أن تصلح للانتفاع بها، فتفوت المصلحة منها. وأما الجنة -نسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهلها- فليست كذلك. طيب الله ثراه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.