التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 9

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أخلاق حامل القرآن وتعامله مع أوامر الله

يجب على حامل القرآن أن يتخلق بأخلاق القرآن ويتبع السنة النبوية، ويحفظ جوارحه عما حرم الله. يكون متواضعا ويقبل الحق من أي أحد.

صفات حامل القرآن وعلاقته بالدنيا

يجب على حامل القرآن أن يتصف بالتواضع وعدم التكبر، ولا يجعل القرآن وسيلة لتحصيل الدنيا. يكتفي بالحلال ولو كان قليلا ويكون قانعا بما أعطاه الله.

بر الوالدين وصلة الأرحام في حياة حامل القرآن

يجب على حامل القرآن أن يبر والديه ويحسن إليهما، ويصل أرحامه ويتعامل معهم برفق ولين. ينظر إلى والديه بعين الوقار والرحمة ويبذل لهما ما يحتاجانه.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الشيخ الدرس بالدعاء للنبي محمد وآله وصحبه. يعد بمتابعة الدروس القادمة بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه «أخلاق حملة القرآن»، في ذكره لما ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن من الأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة: «قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل»، أي أن حامل القرآن يتخلق بأخلاق القرآن ويتبع الدليل من الكتاب والسنة في سائر أعماله، وفي سائر أحواله. قال: «حافظا لجميع جوارحه عما نهى عنه»، فهو يحفظ جوارحه عما حرم الله جل وعلا، فلا يرى ببصره إلا ما يرضي الله، ولا يسمع بأذنيه إلا ما يحب الله، ولا يتكلم وينطق بلسانه إلا بما يرضي الله، وهكذا لا يبطش بيده إلا فيما أباح الله، ولا يذهب بقدميه إلا فيما يرضي الله، وهكذا في سائر جوارحه، فهو يحفظ جوارحه عما نهى الله سبحانه وتعالى، طاعة لله عز وجل، وخوفا من الله، مراقبة لله سبحانه وتعالى. قال: «إن مشى مشى بعلم، وإن قعد قعد بعلم»، يعني أن سائر أحواله وسائر أموره بعلم، خروجه ودخوله، وذهابه ورجوعه، بيعه وشراءه، سائر أعماله قائمة على علم، وهذا من كمال حال حامل القرآن. قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «من فقه الرجل مدخله ومخرجه وإلفه»، يعني أنه يعتني بهذه الأمور ويراعيها وينتبه لها. قال: «يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده»، أي يجتهد أن لا يؤذي أحدا من الناس بلسانه، بسب أو شتم أو طعن أو قذف أو لعن أو غير ذلك، ولا كذلك يؤذي أحدا بيده، ببطش وضرب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، المسلم حقيقة هو الذي لا يؤذي غيره من المسلمين بلسانه أو بيده، فإذا كان هذا في عموم المسلمين، فحامل القرآن من باب أولى أن يكون متخلقا بهذا الخلق. قال: «لا يجهل، فإن جهل عليه حلم»، أي لا يجهل على أحد من الناس، فيعامله بالجهل والسفه، بل هو يترفع عن مثل ذلك، فإن جهل عليه بعض الناس وعامله بالجهل والسفه، فإنه يقابله بالحلم والعفو والصفح، هكذا أخلاق حامل القرآن، عملا بقول الله جل وعلا: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾، وهكذا قوله جل وعلا في وصف عباد الرحمن: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾، قالوا سلاما، ما يعاملونهم بمثل جهلهم وسفاهتهم، فهم يترفعون عن مثل ذلك. قال: «ولا يظلم، فإن ظلم عفا»، لا يظلم أحدا من الناس، سواء كان في مال أو في دم أو في عرض، فهو يترفع عن ذلك، فإن ظلم بأن ظلمه أحد الناس، فإنه يقابل ذلك بالعفو، يقابل ذلك بالعفو والصفح، وهذا من كمال خلق المسلم أن يقابل من ظلمه بالعفو والصفح، فكيف بحامل القرآن؟ فهو ينبغي أن يكون متخلقا بهذا الخلق العظيم. كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا خرج من منزله قال: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزال، أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي»، رواه أبو داود من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، يقول هذا النبي عليه الصلاة والسلام إذا خرج من منزله، فيدعو الله عز وجل بهذا الدعاء، أنه يدعو الله عز وجل أن لا يعني أن يظل أو يضل، أن يظل أو يضل، أو يظلم أو يظلم، أو يجهل أو يجهل عليه، أن يجنبه الله عز وجل هذه الأخلاق السيئة والصفات الذميمة، وأن يجنبه الله سبحانه وتعالى إياها، وإن ابتلي بمن عامله بشيء من ذلك فلا يقابله بمثل عمله. قال: «ولا يبغي، فإن بغي عليه صبر»، حامل القرآن لا يبغي على أحد، ولا يعتدي على غيره من الناس، لأن ما يحمله من القرآن يمنعه من ذلك، فإن بغي عليه بأن ظلمه أحد من الناس وبغى عليه، فإنه يصبر ويتحمل. قال: «يكظم غيظه ليرضي ربه ويغيظ عدوه»، يكظم غيظه إذا غضب، كظم هذا الغيظ والغضب لأجل ماذا؟ لأجل ما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب والأجر، يريد ما عند الله، عملا بقول الله جل وعلا في وصفه لعباده المتقين من أهل الجنة: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، فإذا غضب كظم غيظه، ولو كان قادرا على إذا أظهاره وإفشاه، لكن لا يفعل ذلك، يستطيع أن يأخذ حقه ممن أغضبه أو ممن ظلمه أو أساء إليه، لكنه يترفع عن ذلك، رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب والأجر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة عند الإمام أحمد: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء»، انظر إلى هذا الفضل العظيم والجزاء الكبير بمن كظم غيظه وهو قادر على إنفاذ هذا الغيظ، فهو يرضي ربه بذلك ويغيظ عدوه، العدو الذي أغضك، لما تكظم غيظك هو يزداد غيظا، يزداد غيظا لما تقابل السفيه بالحلم، يزداد غيظا وسفها، وأنت تسلم، أنت تسلم من الوقوع في شيء مما قد يوقعك في الإثم. قال: «متواضع في نفسه»، حامل القرآن ما يتكبر، ولا يترفع، ويرى أن له فضل ومنزلة ورفعة على غيره، فيستحقر الناس، يقول: «لا، أولا ما يحفظون مثل ما أحفظ أنا»، لا، بل يتواضع، ويكون خافضا لجناحه، متواضعا لله جل وعلا، وغير مترفع على الناس، فهذا الذي ينبغي أن يتحلى به، لأن هذا من أخلاق القرآن التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها. قال: «إذا قيل له الحق قبله، من صغير أو كبير»، وهذا من صفات المتواضع، أنه يقبل الحق ممن أتى به إليه، ولو كان أصغر منه سنا أو أقل منه علما، لأن الكبر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «بطر الحق وغمط الناس»، بطر الحق، أي رده، الذي يرد الحق هذا متكبر، يرى نفسه أنه أكبر من الحق، «من أنت حتى تأتي لي بهذا الكلام أو بهذا الحق أو تنصحني أو ترشدني؟ من أنت؟»، يرى نفسه أنه أكبر من ذلك، بطر الحق وغمط الناس، استحقار الناس، يرى أنه أرفع وأفضل وأكرم وأشرف من هؤلاء الناس جميعا، هذا المتكبر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال الرجل: «يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا»، ظنوا أن هذا من الكبر، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»، إذا المتواضع ما يتكبر على الحق، بل يقبله، ولا يستحقر أحدا من الناس، بل هو متواضع للناس. قال: «يطلب الرفعة من الله عز وجل، من المخلوقين»، هو يريد الرفعة من الله، ولهذا يتواضع لله جل وعلا، وكذلك لا يترفع على خلق الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، ومن تواضع لله رفعه الله، الرفعة من الله، فأنت إذا أردت الرفعة اطلبها من الله، لا من الخلق، الخلق لا ينفعوك، الخلق لا ينفعوك، لن يستطيعوا أن يرفعوك، ولا أن يضعوك، فالرفعة والضعف من الله سبحانه وتعالى. قال: «ماقت للكبر، خائف على نفسه منه»، نعم، حامل القرآن يكون مبغضا للكبر، لأن الكبر مهلك بصاحبه، مهلكة عظيمة، فهو يخاف أن يكون من المتكبرين، خائف على نفسه منه، أي من الكبر، خائف على نفسه من الوقوع في الكبر، فهو يحرص على التواضع وخفض الجناح وعدم التكبر على خلق الله. قال: «لا يتأكل بالقرآن»، أي لا يجعل القرآن وسيلة إلى نيل شيء من أغراض الدنيا، ومن متاع الدنيا، فيحب أن يظهر حفظه وقراءته وأنه حافظ وأنه كذا، من أجل أن ينال شيء من عرض الدنيا، بل هو يترفع عن ذلك. قال: «ولا يحب أن تقضى له به الحوائج»، يعني أن تقضى له الحوائج بالقرآن، فيجامل في أسعار السلع مثلا بكون حامل للقرآن، أو في البيع والشراء ونحو ذلك، لا، هو يترفع عن ذلك ويبتعد عن مثل ذلك، حتى لا يجعل القرآن وسيلة إلى نيل شيء من أغراض الدنيا. قال: «ولا يسعى به إلى أبناء الملوك، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه»، أي لا يسعى ويحرص على الذهاب إلى أبناء الملوك حتى ينال شيء مما عنده من متاع الدنيا، فتجده حريصا على ذلك، لا، ما ينبغي أن يكون حامل القرآن كذلك، ربما يترفع ويأبى أن يدرس أبناء الفقراء، لأن ما عندهم أموال، لكن أبناء الملوك يهرول ويسارع ويعجل، ولا يعتذر لأجل ما عندهم من حطام الدنيا، فينبغي أن يترفع عن مثل ذلك، لكن لو حصل ذلك أن طلب لأجل التعليم والنصح ونحو ذلك، من غير سعي وحرص منه، فلا بأس بذلك. قال: «إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة، كسب هو القليل بفقه وعلم»، يعني إذا تساهل الناس في كسب الأموال بغير علم ولا فقه، يعني أنه ربما كسبوا الأموال بطرق محرمة، ومعاملات مشبوهة، فهو يترفع عن مثل ذلك، هو يحرص على الحلال، ولو كان قليلا، ما يكون مثل الناس، ما يكون مثل الناس، لا يبالي من أين يجمع المال ويحصل على المال، لا، هو حريص على أن لا يأكل إلا الحلال، ولا يكسب من المال إلا الطيب. قال: «إن لبس الناس اللين الفاخر، لبسه من الحلال ما يستر عورته»، يعني إن حرص الناس وتنافسوا على أمور الدنيا، وعلى لبس الملابس الفاخرة الثمينة، فهو يحرص على الحلال الذي يستر به عورته، وإن كان رخيصا قليل الثمن، همه رضوان الله تعالى، لا ينافس الناس بأمور دنياهم، لا، هو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. قال: «إن وسع عليه وسع، وإن أمسك عليه أمسك»، يعني أن حاله يكون، عند السعة وحصول التيسير، يسر على نفسه ويوسع على نفسه، وعند التضييق وقلة الذات، فهو يصبر على ما أحل الله جل وعلا لحاله، كما قال الله جل وعلا: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾، نعم، إن وسع عليه وسع، وإن قدر عليه صبر وأمسك. وأيضا كما قال الله جل وعلا: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾، هذا حال المؤمن، إذا أنفق لا يسرف في الإنفاق، ويمذر، وإذا أمسك لا يمسك إمساك البخيل، فهو وسط بين ذلك، بين التبذير والإسراف، وبين الإقتار والبخل، إن وسع الله عليه وسع على نفسه، وأظهر نعمة الله عليه، إن الله يحب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يرى آثار نعمته على عبده»، إذا أنعم الله عليه لا يبخل على نفسه بالشيء الطيب، إن الله جميل يحب الجمال، وإن ضيق الله عليه صبر واكتفى باليسير. قال: «يقنع بالقليل فيكفيه»، أن حامل القرآن ينبغي أن يكون قانعا بما أتاه الله، غنيا بما من الله سبحانه وتعالى عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى بكثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»، حقيقة الغنى أن يكون العبد غنيا بنفسه، قانعا بما أتاه الله سبحانه وتعالى، لا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، بل هو قانع بما كتب الله جل وعلا له. قال: «ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه»، يعني ما يطغيه فيقع في الطغيان، ومجاوزة الحد، والوقوع في معصية الله، ويحذر من ذلك، لأن الدنيا وتوسعة الله عز وجل على العبد، قد تكون ابتلاء له، كلا، إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، هذا حال أكثر الناس، إذا أغناهم الله سبحانه وتعالى طغوا، إلا من رحم الله، إلا من رحم الله، فهو يخاف على نفسه من الدنيا أن تطغيه عن طاعة الله، وعن مرضات الله، وعن العمل للآخرة والاستعداد لها. قال: «يتبع واجبات القرآن والسنة»، فهو ملتزم بأوامر الكتاب والسنة، يدور معها حيث دارت. قال: «يأكل الطعام بعلم، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم»، أي أنه يتفقه في هذه الأحكام، أحكام البيع والشراء، وما يتعلق باللباس، وهكذا سائر أمور حياته، فهو يعني يتقرب إلى الله عز وجل بعلم، في مأكله، في مشربه، في ملبسه، في سائر أموره، لا يكون حاله كحال عامة الناس الذين يخوضون في هذه الأمور بجهل. قال: «وينام بعلم»، كذلك أيضا، إن نام نام بعلم، يعني يتعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام، ما الذي كان يفعله عليه الصلاة والسلام، فيفعل مثله، يحرص أن يتوضأ قبل النوم، أن ينام على شقه الأيمن، يأتي بأذكار النوم، وهكذا أذكار الاستيقاظ، هكذا يكون نومه بعلم. قال: «ويجامع أهله بعلم»، يعني يتعلم ما يتعلق بأمور النكاح والجماع، ما الذي يحله وما الذي يحرم عليه، فيجامع أهله بعلم، لا بجهل، ما يأتي أهله في حال الحيض، أو يجامع أهله في الدبر، لا، هو يعلم، يتعلم أن هذا حرام، لا يجوز، فيجتنب ذلك. قال: «ويصحب الإخوان بعلم، يزورهم بعلم، ويستأذن عليهم بعلم»، نعم، كذلك أيضا، صحبته لإخوانه وأصحابه، فإنها كذلك تكون بعلم، يعرف آداب الصحبة، وآداب الأخوة، إن زارهم زارهم بعلم، زارهم بعلم، يعرف متى يزور أخاه المسلم، وكيف يزوره، وإذا استأذن عليه ماذا يقول، وماذا يبدأ، إذا استأذن يبدأ أولا بالسلام قبل الكلام، ثم يسلم، ثم يستأذن في الدخول، فإن أذن له دخل، وإلا رجع، هذه آداب تؤدى بها حامل القرآن. قال: «يجاور جاره بعلم»، أي يعرف حقوق الجار، ومن الذي يجب عليه، ويجب له، ألا يؤذي جاره بلسانه، ولا بيده، فيكون جواره لجاره بعلم. قال: «يلزم نفسه بر والديه»، هنا سيذكر ما ينبغي لحامل القرآن تجاه والديه، قال: «يلزم نفسه بر والديه، يحرص على بر الوالدين والإحسان إليهما»، قال: «فيخفض لهما جناحه، ويخفض لصوته»، ما يرفع صوته، كما قال الله جل وعلا: ﴿وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾، قال: «فيخفض لهما جناحه»، يعني يكون ذليلا لهما، متواضعا، لا يترفع عليهما، ولا يتكبر عليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يخفض صوته، وإن رفعا أصواتهما، ربما الوالدان إذا كبرا في السن يصبحا عندهم شيء من التضجر والصياح ورفع الصوت ونحو ذلك، فلا يقابلهما بمثل ذلك، لا، يخفض صوته، ويسكت، ويتأدب، ولا يرفع صوته عليهما. قال: «ويذل لهما، ويبذل لهما ما له»، كذلك يبذل لهما ما له، إن كانا يحتاجان إلى المال، فيعطيهما من ماله، حتى ولو كان يحتاج إليه، هم أولى، ولا ينسى الفضل الذي له عليهما، لا ينسى الفضل الذي له عليهما، فيبذل ماله بطيب نفس منه، وكذلك طلبا لرضى الله سبحانه وتعالى. قال: «وينظر إليهما بعين الوقار والرحمة»، نعم، ما ينظر إليهما بعين الاستحقار والبغض والكراهية، لا، بل يراهما بعين الوقار، والإحترام، والإكرام، والتشريف، وكذلك أيضا هذا الوقار مقرون برحمة، برحمة وشفقة لهما، وخاصة كما سمعتم في حال الكبر، في حال كبر السن، فإن الوالدين عند الكبر يحتاجان من الرعاية والإحسان والشفقة ما هو أعظم من ذلك، كحال الإنسان في حال صغره، كيف يتحملانه؟ فكذلك أنت ينبغي أن تصبر عليهما في حال كبرهما، فتنظر إليهما بعين الوقار، وكذلك بعين الرحمة، يدعو لهما بالبقاء، ما ينظر إليهما بعين الوقار والرحمة، وهو يدعو عليهما بالهلاك والموت، لا، بل يدعو لهما بالبقاء: «اللهم من عليهم بالصحة والعافية، اللهم أطل أعمارهما»، لأن هذا باب عظيم من أبواب الجنة، تحتاج منك إلى صبر، فتدعو الله عز وجل لهم بالبقاء، حتى تتمتع ببرهما والإحسان إليهما. قال: «يدعو لهما بالبقاء، ويشكر لهما عند الكبر»، نعم، يشكر لهما عند الكبر، إذا كبرا في السن، فيشكر لهما ما لهم من الفضل والإحسان، كما قال الله جل وعلا: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾. قال: «لا يضجر بهما، ولا يحقرهما»، لا يتضجر إذا أمراه، فالأوامر تكثر عند الوالدين عند الكبر، طلب والسؤال والأمر، فلا يتضجر من ذلك، بل يعني يجيبهما بقلب رحب، وبصدر واسع، ولا يحقرهما، لا يستحقر والديه، لا يجوز المسلم أن يحقر أخاه المسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره»، إذا كان هذا في عموم المسلمين، فكيف بالوالدين؟ كيف بالوالدين؟ قال: «وإن استعان به على طاعة أعانهما، وإن استعان به على معصية لم يعنهما عليها»، هو إن كان موفورا بالبر والإحسان إليهما، لكن هذا في الطاعة والمعروف، أما في المعصية فلا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الطاعة بالمعروف»، والله عز وجل يقول: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، فإن استعان بك على معصية، فلا تطعه في ذلك، ولا تعنه على ذلك. قال: «ورفق بهما في معصيته إياهما، يحسن الأدب ليرجعا عن قبيح ما أراد من معصية»، يعني وإن استعان بك على معصية، أنت لا تجيبه إلى ذلك، لكن في نفس الوقت تحسن في المعاملة، وفي رد هذا الطلب، برفق وحلم وحسن أدب، ما ترد ذلك بغلظة وعنف وشدة وقسوة، فإن ذلك يولد العداوة بينك وبين أبيك، وربما يعاندك إذا رأك أنك تتعامل بهذه المعاملة، يعاندك ويأبى ويصر إلا أن يفعل هذه المعصية، لكن لما يرى حسن الأدب، وحسن الخلق، والرفق واللين في المعارضة، قد يستجيب ويدع هذه المعصية، فلا يفعلها. قال: «يصل الرحم، ويكره القطيعة»، نعم، يصل الرحم، ويكره القطيعة، كذلك حامل القرآن يصل أرحامه، ما يقطع أرحامه، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهكذا أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من وصل الرحم وصله الله»، أو «من وصلها وصله الله»، أي الرحم، ومن قطعها قطعه الله، فهو حريص على صلة أرحامه، وصلة أقاربه، يكره القطيعة، ما يحب أن يقطع أرحامه، وإن قطعوه، لا يقطع أرحامه وإن قطعوه، وهذا هو حقيقة الصلة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ»، يعني الذي إذا وصلوه وصلهم، وإذا قطعوا قطعهم، ليس هذا بالواصل، «ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها»، الذين يقطعونه ما يقطعهم، يذهب ويصلهم، هذا حقيقة الصلة، صلة الأرحام. فهو يكره القطيعة، من قطعه لم يقطعه، بل يصله ويحسن إليه، وله بذلك الأجر والثواب، والمعونة من الله، في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رجل: «يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت كما تقول، فكأنما تسفهم المل»، أي الرماد الحار، «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»، أي لا يزال معك معين من الله، يعينك ما دمت على ذلك. فهذه من أخلاق المسلم العظيم المباركة، في صلة أرحامه، وهكذا ينبغي أن يكون حامل القرآن، وإن كان هذا شيء شديد على النفس، لكن يفعل هذا الإنسان لله سبحانه وتعالى، هو يريد ما عند الله، وإلا في الغالب أن الأنفس تحب الانتقام، تحب الانتقام لنفسها، هم يفعلون هذا: «أنا سأفعل أشد»، هم يقطعونه شهر، «أنا سأقطعهم سنة»، لا، لا تفعل هذا، لكن افعل ما يقربك إلى الله، أنت تريد ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب. قال: «من عصى الله فيه أطاع الله فيه»، من عصى الله فيه، يعني أخطأ في حقه بفعل أو بقول، فهو يتق الله فيه، ولا يقابله بمثل عمله، يصحب المؤمنين بعلم، ويجالسهم بعلم، من صحبه نفعه، يعني يكون نافعا مباركا في سائر أحواله، وفي سائر أوقاته، كما قال الله عز وجل عن عيسى عليه السلام: ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾، أي فيه الخير والبركة والنفع، وهكذا ينبغي أن يكون حامل القرآن، أن يكون نافعا لإخوانه في سائر أحواله، حسن المجالس لمن جالس، لا يجد من جالسه منه سوءا أو أذية أو خلق ذميم، بل يجد منه الأخلاق الطيبة، والكلمات الطيبة، والأفعال الطيبة، وهكذا في سائر أحواله طيب. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.