شرح فتح الوهاب 8

الدرس في شرح فتح الوهاب 8، الدرس الثامن ( وقال بعد ما سبق من الهذيان ...وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

انتقاد آراء الفارسي وتلاميذه

يناقش الشيخ آراء الفارسي وتلاميذه ويبين جهلهم في تفسير معنى الإله. يرد على ادعائهم نسبة هذه الأفكار إلى شيخ الإسلام ابن تيمية.

فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد

انتشرت فتنة خلق القرآن في عصر المأمون ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، مما أدى إلى محنة العلماء مثل الإمام أحمد بن حنبل. استمرت حتى تولى المتوكل الحكم فرفع المحنة.

التحذير من علم الكلام والمنطق والعودة إلى الكتاب والسنة

يتناول المقطع تحذير الشيخ من علم الكلام والمنطق وآثاره السلبية، ويبين أهمية العودة إلى الكتاب والسنة وفهمهما على نهج السلف الصالح. يحذر من عواقب مخالفة سبيل المؤمنين.

خاتمة وتسبيح واستغفار

يتضمن المقطع عبارات تسبيح واستغفار وتوبة، ويُنهي الكلام بالاعتراف بعظمة الله واللجوء إليه. يعبر عن التوبة والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، توقفنا في الدرس السابق على الكلام على قول ذلك الهندي أو الفارسي: إن المشتق يتحد مع المشتق منه في المعنى. وقد بيّن الشيخ رحمه الله تعالى بطلان هذه المقالة، وأنه لو قال: يتضمنه وزيادة، لكان صحيحا. أما أن يقال: الاتحاد في المعنى من كل وجه، فهذا باطل. بيّن الشيخ رحمه الله تعالى وجه البطلان. ثم انتقل رحمه الله تعالى فقال: قال وقال بعد ما سبق من الهديان. والهديان: الكلام الذي يقوله الإنسان وهو لا يشعر به، يقال: هديان فلان تكلم بما لا يعقل. قال: وحاصل المعنى سلب مفهوم الإله لما سوى الله. قال الشيخ رحمه الله تعالى: كأنه أراد: عما سوى الله، فقال: لما، فلم يفرق بين معنى اللام وعن. فلم يفرق بين معنى اللام وعن، أي في قوله: وحاصل المعنى سلب مفهوم الإله لما سوى الله. أصوابا يقال؟ أي من حيث التعبير عما سوى الله. أما من حيث المعنى، هو باطل كما تقدم. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: فلم يفرق بين معنى اللام وعن. وهذا يدل على جهالته من حيث اللغة، فكيف بعد هذا يتصدر ويتصدى لتفسير معنى لا إله إلا الله، لتفسير أعظم كلمة؟ ومع هذا يجد له أتباعا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن بلغت به الجهالة إلى هذه الغاية والحالة، سقط معه البحث والمقالة. من كان هذا حاله لا يفرق حتى بين الحروف من حيث المعنى. فهذا يدل على جهله العريض وبعده عن العلم الشرعي. ومثل هذا لا يناظر ولا يجارى ولا يجادل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وذكر لي أنه يزعم - أو بعض تلامذته - أن هذا التخليط، أي المتقدم، أن الإله تارة يقول هذا الجاهل: أنه لا يفهم منه إلا الإله الحق، وأن المشركين إنما تجارى معهم الله عز وجل ورسوله بحسب ما زعموه، وإلا في الحقيقة ليس هناك إله غير الله عز وجل عُبِدَ. وتارة يقول: أن الإله مطلق كلي عام مشترك، وهذا المطلق لا يكون إلا في الأذهان. وتارة أخرى يقول: إن لفظ الإله كل، لكن وضع لشيء معين، كمثل الشمس للكوكب النهاري. وهذا من تخليطه وتخبيطه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وذكر لي أنه يزعم - أو بعض تلامذته - أن هذا التخليط مأخوذ من كلام شيخ الإسلام. هذا المتقدم مأخوذ من شيخ الإسلام رحمه الله. قال: وهذا من أعجب العجب، كيف ينسب إليه هذا الجهل والضلال، مع وفور عقله وعلمه ومتانة دينه وجودة بحته وامتيازه في العلوم؟ ولكن إن صح هذا، فله فيه سلف. أي أن هذه المقالة باطلة من حيث التحرير والتقرير. وأبطل منها أن تنسب هذه المقالة وهذه الفرية إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إلى شيخ إسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، العالم النحرير صاحب التدقيق والتحرير رحمه الله تعالى. فقال الشيخ: ولكن إن صح هذا، أي هذا العزل، فله فيه سلف. من هو هذا السلف؟ قال: نقل لنا عن داود ابن جرجيس العراقي. داود ابن جرجيس هذا رجل ظهر في زمن الشيخ وقبله قليلا، وكان من رؤوس الضلالة والدعاء إلى القبورية. أنه يزعم أنه يرد على شيخنا بكلام ابن تيمية وابن القيم. فلما وقفنا على كلامه، إذا هو من أجهل خلق الله بكلامه ودينه، بكلام الله ودينه وبكلام نبيه وبكلام أولي العلم من خلقه. وأبلغ من قول هذين، أي ابن جرجيس وذلك الفارس، أبلغ منهما قولا. قال: قول هذين، قال: وأعجب قول اليهود، أي أعجب من قولهم وأبلغ منه فرية قول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديا، وقول النصارى: بل كان نصرانيا. كلهم زعم أن إبراهيم عليه السلام كان على ملتهم. إبراهيم كان على ملتهم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: هذا ما ظهر لي، فصدق. يقل الشيخ رحمه الله تعالى: فصدق في هذا. وهل يظهر الحق والصواب إلا لمن اعتصم بالسنة والكتاب؟ وأما من أعرض عن ذلك، فقد سد على نفسه الباب. وأما من أعرض عن ذلك، فقد سد على نفسه الباب، وكثف حجابه عن فهم المراد والخطاب. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ﴾. حرموا التوفيق والخير، فكذلك هؤلاء بسبب ظلمهم وبعدهم حرموا هذا الخير. وهذا الهندي من هؤلاء، بسبب ما وقع منهم من الفرية والظلم والجهالة، حرم التوفيق والسداد. وأصرح من هذه آية قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾. فهؤلاء يصرفوا عن الحق وعن الهداية وعن النور بسبب تكبرهم عن الحق، فحجبهم الله عز وجل عن فهم الكتاب، عن فهم كتابه، وكذا عن فهم شريعته. وهكذا كل مبطل، قال الشيخ رحمه الله تعالى: خاتمة، وسنقرأ أغها سردا، ثم ندعي إليها بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: تتضمن النصيحة لله ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا سيما جهال الطلبة الذين لا بصيرة لهم بدين الله، ولا معرفة لهم بحدود ما أنزل الله على رسوله. قال الله عز وجل: «ولرسوله وكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم». ثم قال: لا سيما، أي أخص بهذه النصيحة جهال الطلبة ممن اغتر برسالة ذلك الفارسين. قال رحمه الله تعالى: فاعلم أن أمر المسلمين ما زال مستقيما في القرن الأول، وهو قرن الصحابة، والقرن الثاني، على ما كان عليه السلف الصالح، في أفضل أبواب العلم وأشرفها وأوجبها، وهو باب معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله، وفي باب عبادته وحده لا شريك له. كان الناس في ذلك الزمن على خير وسلامة واستقامة، لا سيما في أبواب التوحيد والعقيدة. قال رحمه الله تعالى: ثم دخل في أمور المسلمين مع أولاة الأمور من قصر في باب العلم، باعه وقل في شرع نبيه نظره والطلاعه، أو من أعيتهم السنن أن يحفظوها، وأبت عليهم الأحكام أن يعرفوها، فطلبوا علوم الأوائل من أهل منطق اليونان، واستحسنوها، وتركوا السنة والقرآن وما فيها من الأحكام، ولم يعظموها. هذا حال هؤلاء المتأخرين الذين أجاءوا بعد زمن الصحابة والتابعين. ضاق بهم درعا علوم الشريعة، علوم القرآن والسنة، فانتقلوا إلى البحث عن علوم اليونان، علهم أن يفوقوا من كان قبلهم. قال رحمه الله تعالى: منهم بشر الميريس، وهو بشر ابن غياث الميريس، رأس المعتزلة في زمانه، وفاسد من المفسدين، وخبيث من المخبثين، قد صرح بكفره جماعة من السلف. فإنه كان ممن يعتنق مذهب الجهمية المعتزلة، وممن يصرح بأن القرآن مخلوق. مع أن أئمة السنة والعلم قد ناظروه وبينوه، بل وأسكتوه وأفحموه. ومع هذا بقي على ما هو عليه من الشر والكفر والعياذ بالله. قال: وابن أبي دؤهاد، وهو أحمد ابن أبي دؤاد القاضي، المعتزلي الخبيث، وهو كذلك كفره الإمام أحمد وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى، بسبب قوله بخلق القرآن، بل وحمل رايته، أي حمل راية القول بخلق القرآن. وبسبب هذه الراية الخبيثة المخبثة مات من مات من العلماء، وفر من فر ونفر من نفر، وأجاب من أجاب من الناس بسبب فتنة هذا الخبيث المخبث. قال: وكانا قد تمكنا من عبد الله المأمون، أمير المؤمنين الخليفة العباسي، وزينا لديه المنطق، وحسناه، وأنه ميزان العقول والأفكار. هكذا مجالسة أهل الأهواء، مجالسة أهل الأهواء تسبب أو تضر بصاحبها. فهؤلاء المتكلمين الفاسدين جالسوا الخليفة فأثروا عليه، فأثروا عليه حتى صار حالهم إلى ما صار إليه. قال: فلهج به المأمون، أي بعلم الكلام والمنطق. فلهج به المأمون واشتغل، واعتقد أنه امتاز على من سبقه في باب معرفة الله، وما يجب له، وما يستحيل عليه. وما زال به ذلك حتى ألزم الناس برأيه، ظن أن علم الكلام والمنطق هو العلم، وهو المعرفة، وهو الذي ينفع، وترك علوم الإسلام وعلوم أهله وراء ظهره، بل ودع الناس إلى ما دعا إليه من الكلام والشر والمنطق. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مقالته المشهورة: «والله ما أظن أن الله عز وجل غافلا عما صنع المأمون العباسي بالإسلام وأهله». قال رحمه الله تعالى: قال: وما زال به ذلك حتى ألزم الناس برأيه، ورفع شأن من وافقه، وكان على طريقه، وولاهم الولايات، وعزل من خالفه وأهانه وحبس وشرد، وابتل المؤمنين، وابتلي المؤمنون به، وجرع الإسلام أعظم محنة وأكبر بلية. وكتب إلى وزيره ببغداد يذم أهل السنة، ويعيبهم، ويصفهم بالجهالة والضلالة، وأنهم حشو وسفلة، ولا نظر لهم ولا علم لهم، ولا نور ولا فهم. يعني بذلك الإمام أحمد، ومن كان على طريقه المثبتين للصفات، القائلين بأن القرآن بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. ويقول في كتابه: إن الجمهور، إن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة، ممن لا نظر لهم ولا رؤية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله تعالى، وعمي عنه، وضار وعمى عنهم، وضلالة عن حقيقة دينه. وأنهم انتسبوا إلى السنة والجماعة، وأنهم أهل الحق، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، وأنهم أوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله. وأطال الكلام، وأمر وزيره بامتحانهم على موافقته على ما اعتقد من أن القرآن مخلوق، وأمره أن يحبس، ويفعل ويفعل بمن امتنع عن هذا القول. وهذا يبين ما كان عليه المأمون العباسي في زمانه من نشر هذه الفتنة بين الناس، ودعوة الناس إلى هذه الفتنة العظيمة، وقرع من لم يقل بمقالته، ولو كان من الأئمة الأخيار والعلماء الأبرار. ومن وافقه من الأشرار من أهل الكلام قربهم، وأعطاهم المناصب. وهكذا مجالسة الفاسدين والمفسدين. ومع هذا لم يكترث به الإمام أحمد، بل قال: وإن قال بما قال، إلا أننا نظن به أنه قالها بجهالة، أو متأولا، أو كما قال أحمد رحمه الله تعالى: بل قال مقالة المشورة. لو أن لي دعوة مستجابة، لدعوت بها للإمام. ذكرها بعضهم عن إمام أحمد، وقد ثبتت أيضا عن الفضيل. قال رحمه الله تعالى: ولما بلغه أن أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر امتنعوا من الإجابة إلى رأيه، أمر بحملهم إليه في القيود، أي أمر عامله على بغداد أن يقيدهم، وأن يرسلهم إليهم. قال: وكان بطوس في بعض غزواته، فدعى الله أحمد بن حنبل ألا يريه إياه. فمات المأمون قبل وصولهم. استجاب الله عز وجل للإمام أحمد دعوته. يقال: إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان في الطريق، فقال له بعض الناس: يا أبا عبد الله، قل إن القرآن مخلوق، فإن المأمون قد أعد لك وأعد. وقال: ليعذبنك عذابا ولا ينكلن بك نكالا. فسار أحمد ما شاء الله عز وجل حتى قرب من مكان الخليفة، وقد وصل ليلا. فدعى الله عز وجل ألا يريه الخليفة. دعى الله عز وجل ألا يريه المأمون، فمات المأمون في تلك الليلة. فمات المأمون في تلك الليلة. قال: فردوا إلى بغداد، ثم امتحنهم أخوه المعتصم، وابنه الواثق، وجرع الإسلام والقرآن أعظم محنة، من العناية بمنطق اليونان. حتى ضرب أحمد بن حنبل بالسياط، وقتل أحمد بن نصر، وبعض العلماء شرد وهاجر. فلما توفي أمير المؤمنين أبو جعفر المتوكل، فلما تولى أمير المؤمنين أبو جعفر المتوكل، رفع المحنة، ونشر السنة، وأمر بلعن الجهمية على المنابر، وقرب الإمام أحمد وأكرمه، وأخذ برأيه، ورفع شأن السنة والقرآن. فهو الذي هدم مشهد الحسين رضي الله عنه، وما عليه من البناء الذي أحدثه الناس، فجزاه الله وعن الإسلام وأهله خيرا. الحاصل: أن الفتنة استمرت على الإسلام وأهله، وابتلي المؤمنون بذلك بلاءً حسن، فحصل ما حصل. مات منهم من مات، محمد بن نوح رحمه الله مات في المرة الثانية قبل أن يصل. مات رحمه الله تعالى قبل أن يصل الخليفة في الطريق، كان مريضا وجعا فمات في الطريق رحمه الله ورضي الله عنه. وأما أحمد بن حنبل فعذب عذابا شديدا، وضرب بالصياط، وحصل له ما حصل، حتى قال جلاده: والله لو ضربت بعيرا ما ضربت أحمد بن حنبل. لمات. ومع هذا ثبته الله عز وجل على الخير وعلى السنة، حتى رفع الله عز وجل به شأن أهل السنة، وكشف الله عز وجل به الغمة. فرجع الناس إلى ما كانوا إليه من الخير والسنة، ورفعت رايات السنة، وانتشر أهل الحديث يبثون الحديث والسنة، وقمعت البدعة إلى ما شاء الله عز وجل أن تقمع. وصار الناس يمتحنون بعد ذلك بالإمام أحمد، صار الناس بعد ذلك يمتحنون بالإمام أحمد. من قال بمقالة الإمام أحمد فهو سني، ومن لم يكن كذلك كان جهميا مردولا مبعودا. وذلك من فضل الله عز وجل على عباده. قال رحمه الله تعالى: فتأمل ما جر المنطق على أهله من البلايا والمحن، وما أوقعهم فيه من التعطيل والريب والفتن. فكيف يستجيز من له أدنى عقل أو أدنى دين أن يقرأ كتب المنطق وعلوم اليونان، ويدعى الاشتغال بعلوم السنة والقرآن؟ وهل هذا إلا زيغ في القلوب؟ ومثل هذا لا يوفق لطلب العلم من كتاب الله وفهمه. قال ابن عيين في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ بِالْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال: أي عن فهم. قال: عن فهم القرآن. فأي ذريعة وأي وسيلة إلى ترك كتاب الله وسنة نبيه ومعرفته وتوحيده أضر وأقرب من المنطق والأخذ عن أهله، وخلط دين الله به. فنسأل الله الثبات على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يجعلنا من أوليائه وحزبه الذين ينصرونه ويذبون عن دينه وكتابه، وينفون عنهم تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، وزيغ الزائغين، وزيغ الزائغين. إنه ولي ذلك، وهو على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. هذه الخاتمة، كما ترون، ذكر فيها الشيخ رحمه الله تعالى عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، أن نجد التميم، رحمهم الله تعالى جميعا، نصيحة للمسلمين عامة، لا سيما لمن اغتر بعلم المنطق والكلام، لا سيما لمن اغتر بعلم المنطق والكلام. وبين الشيخ رحمه الله تعالى ما كان عليه الناس قبل تلك الفتنة، وما جر عليهم علم الكلام من البلايا والمحن والفتن. جرهم على الإسلام وأهله. ولا زال الناس بسبب ما جره عليهم المأمون بسبب جلسائه إلى اليوم، يحصل وحصل ما حصل بسبب علم الكلام والمنطق والفلسفة إلى غير ذلك. وهكذا من لم يقنع بما أنزله الله عز وجل، وقع فيما وقع فيهم من الريب. لذا قال ربنا عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. أي الكتاب كاف. كتاب الله عز وجل كاف لمن اقتنع به وأخذ به وتمسك به. بل ربنا عز وجل بيّن في كتابه أن دينه كامل، لا يحتاج إلى زيادة، ولا يحتاج إلى تكميل. فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. من علم أن الإسلام كاملا، أن الإسلام كامل لا يحتاج بعد ذلك إلى بحث وتنقيب عن غير الإسلام. بل يجب عليهم أن يأخذ بذلك الإسلام، وأن يقوم به، وأن يرفع رأسه به. ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون، وأكثرهم لا يعقلون. وبيّن الشيخ رحمه الله تعالى كيف مر على الإسلام وأهله بسبب علم الكلام من الفتن العظام، فقتل من قتل من الأئمة، ومات من مات، وشرد من شرد، وهاجر وسافر من سافر، وهكذا إلى أن كشف الله عز وجل تلك المحنة، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه. وهكذا والعاقبة للمتقين، تعود الأمور ومآل الأمور إلى التقوى وإلى أهلها. وبيّن أيضا الشيخ رحمه الله تعالى أن من أسباب عدم معرفة أو عدم فهم القرآن والسنة، هو عدم الاقتناع بما في الكتاب والسنة، والتكبر عن أخذ الكتاب والسنة. فرب رجل بسبب علم الكلام والمنطق، ومخالطته لقلبه، يرى الحق ولكنه لا يأخذ به، يرى الحق ولكنه لا يؤمن به. وهذا مصداقا لقول الله عز وجل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾. يروا سبيل الرشد، يروا أن هذا السبيل، وهذا الطريق هو الموصل إلى الله عز وجل، وهو الطريق الحق، وهو الطريق الصواب، ومع هذا لا يسيرون فيه، ولا يرجعون إليه. وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا. وهذا عقاب من الله عز وجل، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، كما لم يؤمنوا به أول مرة. فلما لم يؤمنوا به أول مرة، حصل التقليب للقلوب والأبصار، وحصل كذلك الزيغ للقلوب بسبب الزيغ الأول، لأنهم لم يقبلوا هدى الله، ولا هدى رسوله، فكانت عاقبتهم بسبب أعمالهم خسرا، والعياذ بالله. فالشاهد من هذا: أن على المسلمين جميعا أن يرجعوا إلى ربهم عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يتمسكوا بهما، ويفهموها على ما فهمها سلفهم، الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والتابعون لهم، والتابعون لهم. فإن أولئك كانوا على هدى، وكانوا على خير، وكانوا على سلامة. وما عداهم تبع لهم، إن كانوا على خير، وإن خالفوهم فهم على شر. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا. يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. وإن تولوا، فإنما هم في شقاق. فكل من لم يقتدي ويهتدي بما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله، فإنما هم في شقاق. بل ويقول ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ومن المؤمنون إلا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، يدخلون في هذه الآية دخولا أوليا. صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم، وساءت مصيرا. والله أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.