الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 469

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 469

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 469، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم المسألة وشرح شروط جوازها

يبدأ المقطع بذم المسألة دون حاجة ويشرح شروط جواز السؤال عند الضرورة مستشهدًا بأحاديث نبوية. يُوضح أن الإسلام يبيح السؤال في حالات محددة مثل الفقر الشديد.

فضل التعفف عن سؤال الناس وتطبيقاته

يتناول المقطع فضل التعفف عن سؤال الناس ويشجع عليه مستندًا إلى أحاديث نبوية تشير إلى أن التعفف من الكمال. كما يبين أن النبي وأصحابه كانوا يسألون الله حتى في أمور الدنيا الصغيرة.

تتمة الكلام عن شروط جواز سؤال الناس

يشرح المقطع تفاصيل شروط جواز سؤال الناس والاستثناءات، مثل سؤال ذي السلطان أو ولي الأمر إذا كان له حق في مال المسلمين، مع التأكيد على أن السؤال يجب أن يكون لضرورة وليس للاستكثار.

ختام الحديث والتأكيد على العلم الإلهي

ينهي المقطع بذكر انتهاء موضوع الحديث ويشير إلى أن الله تعالى هو الأعلم بحقيقة الأمور المذكورة، مما يعطي الدرس عمقًا إضافيًا في الاعتماد على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي في مسند سمرة بن جندب: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا حفص بن عمر النمري، حفص بن عمر النمري وهو ثقة من أهل البصرة، أبو عمر الحوضي، قال: أخبرنا شعبة بن الحجاج، شعبة بن الحجاج ابن الورد أبو بسطام العتكي البصري، قال: عن عبد الملك بن عمير، عبد الملك بن عمير اللخمي وهو أبو عمر الكوفي، وانتقد عليه كثرة الخطأ في حديثه، لكنه العجب أنه ثقة، لكن حصل التراب في كثير من أحاديثه، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: مضطرب الحديث، قال: عن زيد بن عقبة الفزاري، وهو ثقة من بني فزارة، هم قبيلة من قبائل الحجاز، وينتمون إلى غطفان، وهي قرب المدينة، وكانوا حلفاء الأنصار، وسمرة بن جندب من فزارة، يعتبر فزاريًا، قال: عن سمرة، وهو ابن جندب رضي الله عنه، يعتبر في البصريين كذلك أيضًا في الكوفيين؛ لأنه كان أميرًا لزياد في الكوفة والبصرة، قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «المسائل قدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًا». قال: هذا حديث صحيح، ورجاله رجال صحيح، إلا زيد بن عقبة الفزاري، وقد وثقه النسائي، والحديث أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي. فهذا الحديث فيه ذم المسألة، وهو أن يسأل الإنسان غيره، وهو ليس محتاجًا إلى هذا السؤال؛ إما يريد المال، أو يريد شيئًا من أمور الدنيا، أو متعلقات الأشياء التي تتعلق بأمور الحياة من مطعم أو ملبس أو غيرها من هذه الأشياء، فيسألها الناس، وهو لا يحتاج إلى ذلك، وإنما يسأل تكثرًا. كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سأل الناس تكثرًا، فإنما يسألهم جمرًا من جهنم، فليستقل أو ليستكثر». وجاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة، وليس في وجهه مزعة لحم»، يعني: ذهب عرق وجهه ولحم وجهه بسؤال الناس، فيسأل الناس لأجل أن يستكثر، ليس لحاجة، وإنما لأجل أن يستكثر، فهذا لا يجوز. إذا كان يسأل الناس لأجل الاستكثار، هذا لا يجوز. وأما إن كان يسأل الناس للحاجة، فإن كان ليست بتلك الحاجة التي يتعنى في السؤال بها، فالأولى له أن لا يسأل. وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لأن يحتطب أحدكم، ثم يأتي فيبيعه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». إذا كان يستطيع أن يعمل، ولو يبيع حطبًا، يحتطب ويبيع حطبًا، خير له من أن يسأل الناس. فلهذا فالمسألة إن كان الإنسان محتاجًا لها، لكن ليست تلك الحاجة، فالأولى له أن لا يسأل. وإن كان قد وقع في أمر مهم في دين، لا يستطيع سداده، أو في فقر مدقع، ما يستطيع أن يطعم نفسه أو أهله، فهنا يجوز له أن يسأل الناس. وإن تعفف، فالله عز وجل سيرزقه، سبحانه وتعالى. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر، كما في صحيح مسلم: «يا أبا ذر، لو أصاب الناس مجاعة، حتى لا يستطيع الرجل أن يخرج من بيته إلى المسجد -يعني: من كثرة الجوع ما يستطيع حتى المشي- فماذا تصنع يا أبا ذر؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «تعفف». ولما جاء أبو سعيد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد بعثته أمه لأجل أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يستطع أن يسأله، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ووقف عنده، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا سعيد، من يتصبر يصبره الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». وهذا أيضًا يدلنا على أن الإنسان كلما تعفف عن السؤال، أفضل. ولهذا ذكر أبو إدريس الخولاني عن عوف بن مالك قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر حديث مبايعتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام كلمة أسر بها: «لا تسأل الناس شيئًا». قال أبو إدريس: كان أولئك النفر، حتى لو سقط على أحدهم سوط، لا يسأل أحدًا، وإنما يخرج من دابة أو من راحلته، فيأتي به. وهذا قمة في الاتباع؛ أنهم لا يسألون أحدًا شيئًا. وكان أبو بكر رضي الله عنه يفعل ذلك، فما كان يسأل أحدًا شيئًا، حتى بعض أهله أو أبنائه، إذا أراد شيئًا قام بنفسه وأتى به. وهذا ليس أنه لو سأل، ليس هذا محرمًا أو مكروهًا، لا، ما في شيء، جائز، لكن هذا من باب الكمال؛ حتى لا يحتاج إلى الناس، وإنما يسأل الله عز وجل. فالغني من سأل الله سبحانه وتعالى، والفقير من سأل الناس. فلهذا تجد النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه ما كانوا يسألون الناس شيئًا، مع أنهم في فقر، لكنهم ما كانوا يسألون، وإنما يسألون الله عز وجل. حتى قالت عائشة: كان أحدهم يسأل الله عز وجل حتى في شسع نعله، إذا قطع شسع النعل، سأل الله أن يعوضه شسع نعل عن الشراك. وهذا لكثرة ارتباطهم بالله، كثرة ارتباطهم بالله سبحانه وتعالى، فلم يجعلهم يلتفتون إلى المخلوقين، وإنما يسألون الله جل وعلا. وربنا جل وعلا أعلم بخلقه، وأعلم بمصلحتهم، فإن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم عنا، لكن أعطاهم الأجر العظيم، وصرف عنهم الأشياء الكثيرة التي قد تضرهم. ولهذا كما قلنا: ما كانوا يسألون الناس شيئًا. لكن من سأل، وقع في أمر لا بد منه، فلا بأس أن يسأل. وقد جاء في صحيح مسلم حديث قبيصة رضي الله عنه أنه قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا، ثم سألته، ثم سألته، وأعطاه، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، فإنه يعطى حتى يؤدي ما عليه»، يعني: تحمل دين، فراد أن يصلح بين قبيلتين، أو بين اثنين، فتحمل دينًا، أحيانًا مثلًا الصلح ما يأتي إلا بتحمل هذا الدين، أحيانًا بعض المتخاصمين تجد أنه لا يريد أن يتنازل عن شيء مما عليه، وذاك ينكر أن يكون عنده هذا المال، فيأتي مثلًا المصلح ويقول: عليَّ هذا المال، فيقول: عليَّ هذا المال، فيصلح الله عز وجل به بين قبيلتين كبيرتين، أو بين شخصين، فيتحمل هذا الدين، فإن كان لا يستطيع أن يفي به، فلا بأس أن يعطى، وإن لم يستطع أو لم يعطيه أحدًا، فلا بأس أيضًا أن يسأل أن يسأل الناس. قال: «ورجل أصابته فاقة -معنى فاقة: فقر- وشهد له ثلاثة من ذوي الحجة من قومه»، يعني: شهد له ثلاثة من عقال قومه، ومقدم، معنى من المقدمة الذين يرأسون الناس، ذوي الحجة، ذوي العقول، يعني: يشهدون أنه فقير، ما عنده شيء، معدم، يعني: يشفعون له عند من سيعطيه من التجار وغيرهم. وقال: «ورجل أصابته آفة فذهبت بماله»، أن الرجل عنده مال، لكنه إما خسر في تجارة، فذهب ماله كله، أو احترق ماله، فالمهم أصابته آفة، إما آفة سماوية، معنى كالمطر والرياح وغيرها، أو آفة أرضية كالحريق وغيره، فأصابت ماله، فهذا لا بأس أن يسأل؛ لأنه فقد ماله، فلا بأس أن يسأل الناس. وأيضًا من كان أعلى من هؤلاء، هل له أن يسأل إذا احتاج؟ نعم، إذا وقع في شيء محتاج، رجل مثلًا مريض يحتاج إلى عملية ضرورية، فله أن يسأل الناس لأجل أن يذهب يعالج نفسه. ولو ترك، أفضل، أن لو ترك هذا الباب أفضل. وليس كما يقال مثلًا بعضهم يقول: هذا قتل نفسه، لا، هذا ليس صحيحًا، هو ما عنده المال حتى يذهب يعالج نفسه، فتوكل على الله عز وجل؛ لأن الشافي هو الله. فإن كان أعطي شيئًا ثم فرط، فهذا يعتبر تفريط. أما أنه لم يعطَ شيئًا، وليس عنده المال الذي يذهب به مثلًا يعالج نفسه، ولم يستطع أن يسأل الناس أو تعفف، فليس عليه شيء، ليس عليه شيء. وإنما هذا باب التوكل على الله والأخذ بالأسباب. لكن إن تهيأت له الأمور ثم فرط، فهذا يعتبر مفرطًا. فلهذا فالمسألة إذا احتاج إليها كما قلنا الشخص لا بأس أن يسأل، لكن في حد ما لا بد منه، كما جاء في هذا الحديث، فقال: «إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان». أما إذا كان يسأل ذا سلطان لا بأس؛ لأنه له حق في هذه الأموال، له حق في هذه الأموال. ولهذا أجمع العلماء على أن المؤذن أو إمام المسجد أو من كان بمثابتهما، إن أعطي أن أعطاه السلطان، فهو جائز، بل ولو سأل، ولو سأل وأعطاه السلطان أو الأمير أو الحكومة، فهذا جائز. وإنما الذي كرهه العلماء أن يشترط على صاحب المسجد الذين يتولون به أو المؤذن أو كذا. أما إذا كان يسأل الحكومة أو يعطى من قبل الحكومة، فهذا لا إشكال فيه عند عامة العلماء. وكذلك هذه المسألة إن كان سؤاله إلى السلطان أو ولي الأمر، فلا بأس بذلك؛ لأنه له حق عنده، له حق في هذا المال الذي هو مال المسلمين، فلا بأس أن يسأل مثلًا المحافظ أو كذا أو الأمير أو غيره لأجل أن يعطيه مالًا لأجل أمر مهم. وكذلك أيضًا لا يسأله تكثرًا، إذا كان يسأله لأجل الاستكثار، فهذا لا يجوز، حتى ولو كان حاكمًا. أو يسأل لأمر لا يجد منه بدًا، قال: «أو في أمر لا يجد منه بدًا»، أن لا بد أن يسأل الناس، إلا قد يهلك أو يهلك من هو في ذمته أو من هو في رعايته أو كذا، فهذا يعتبر مما لا بد منه. فهذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.